تأملات في الأطفال الذين أخطأنا قراءتهم
في إحدى زوايا الروضة، كان طفل صغير يقفز فوق المقاعد كأن الأرض لا تكفيه. يضحك بصوت عالٍ، ويقاطع الحديث، ويجد صعوبة في الجلوس حيث يريد الكبار. سمعتُ إحدى المعلمات تقول له، وقد اختلط الضيق بالمزاح: “أنت شيطان!”، ولم تمض لحظات حتى ابتسمت والدته وأضافت: “إنه شيطان صغير لا يهدأ.” توقفت عند الكلمة أكثر من توقفي عند سلوكه.
فمن خلال سنوات خبرتي في إدارة رياض الأطفال، تعلمت أن الطفل لا يسمع أوصافنا بوصفها كلمات عابرة، وإنما قد يتلقاها تعريفًا لنفسه. ومن هنا اتخذنا قرارًا تربويًا بعدم استخدام الأوصاف التي تختزل الطفل في سلوك عابر، لأننا كنا نؤمن أن من حقه أن يُقوَّم سلوكه، دون أن تُختزل شخصيته فيه.
وبينما كنت أتأمل قصة نبي الله سليمان عليه السلام، توقفت عند قوله تعالى:﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ ما شدّ انتباهي لم يكن ذكر الشياطين بقدر ما كانت كلمة ﴿حَافِظِينَ﴾. فالآية لا تنفي وجود قوى متمردة أو مختلفة الطبائع، وإنما تعرض مشهدًا يقوده نبي آتاه الله ملكًا استثنائيًا، استطاع أن يدير قوى متباينة، وأن يوجه طاقاتها نحو العمل والبناء. ويبدو لي أن سر هذا المشهد كله اختصره القرآن في كلمة واحدة: الحفظ.
التعبير القرآني: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ يفتح بابًا للتأمل، ولا أقصد بذلك تفسيرًا جديدًا للآية، وإنما خاطرًا مرّ بي وأنا أقرأها؛ فكأن الحفظ لم يكن حمايةً للمجتمع من تلك القوى فحسب، وإنما حمايةً لها أيضًا من أن تتحول طاقتها إلى فوضى أو فساد.
ومنذ ذلك الحين، ظل سؤال يرافقني: إذا كان سليمان عليه السلام قد أدار قوى مختلفة الطبائع، فهل يمكن أن يلهمنا هذا المشهد شيئًا في تربية أطفالنا؟
قد يبدو القياس بعيدًا لأول وهلة، وربما لا يكون المقصود من الآية هذا المعنى أصلًا، غير أن القرآن كثيرًا ما يدعونا إلى التأمل في سننه. ومن هذه السنن أن الطاقات المختلفة لا تُثمر بمجرد وجودها، وإنما حين تجد من يحسن توجيهها.
ومن هنا خطر لي تعبير “الهندسة التربوية”، لا باعتباره مصطلحًا علميًا متداولًا، وإنما استعارة أحاول بها وصف دور المربي في بناء البيئة التي تساعد كل طفل على أن يكتشف أفضل ما في طاقته. فالمربي لا يصنع شخصية الطفل، لكنه قد يصنع البيئة التي تسمح لتلك الشخصية أن تنمو في الاتجاه الصحيح.
وهذا المعنى يجد ما يقترب منه في عدد من الدراسات الحديثة في علم النفس التربوي، والتي تشير إلى أن بعض الأطفال الذين يوصفون بالمشاغبة أو العناد قد يكونون أصحاب إرادة قوية، أو أنماط تعلم مختلفة، أو حاجات نمائية لا تستجيب دائمًا للأساليب التقليدية في التربية. ¹
ولعل أم الإمام الشافعي أدركت هذه الحقيقة بفطرتها قبل أن تكتبها كتب التربية الحديثة. فقد نشأ ابنها يتيمًا في ظروف صعبة، لكنه امتلك ذكاءً متقدًا، وسرعة حفظ، وحبًا للعلم ،والمناظرة. ولم تنشغل بكيفية إخماد تلك الطاقة، وإنما هيأت لها البيئة التي وجّهتها نحو العلم، حتى أصبح واحدًا من أكثر علماء الأمة أثرًا.
فالطفل كثير الحركة الذي يربك الحلقة التعليمية قد يهدأ حين يُمنح مسؤولية تنظيم الأدوات أو مساعدة زملائه. والطفلة التي تُوصف بالعناد قد تتحول إلى شريكة متعاونة حين تُشرح لها الأسباب ويُفسح لها مجال للاختيار ضمن حدود واضحة. الطاقة نفسها بقيت كما هي، لكن الإطار الذي احتواها تغيّر.
ومن المثير للاهتمام أن الدراسات الحديثة تتحدث عما يُعرف بـ”النبوءة المحققة لذاتها”، حيث تؤثر توقعات الكبار وأوصافهم المتكررة في تشكيل صورة الطفل عن نفسه وسلوكه.² فالطفل الذي يسمع باستمرار أنه مشاغب أو فاشل، قد يبدأ مع الوقت في التماهي مع تلك الصورة، في حين أن الطفل الذي يُعامل بوصفه قادرًا على التعلم والنمو، قد يجد في تلك الثقة دافعًا لاكتشاف أفضل ما لديه.
وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى معنى الحفظ في قصة سليمان عليه السلام. فإذا كان الحفظ قد جاء في ذلك المشهد القرآني مقرونًا بإدارة الطاقات المختلفة، فربما يحمل للمربين إشارة تستحق التأمل؛ فالتربية قد لا تكون محاولةً لإخماد كل ما يزعجنا في الطفل، وقد لا تكون تركه يفعل ما يشاء، وإنما البحث عن الطريق الذي يحول تلك الطاقة إلى عمل نافع.
ولهذا كلما رأيتُ طفلًا يرهق من حوله بحركته أو كثرة أسئلته أو اعتراضاته، أتساءل: كم من الطاقات ضاعت لأن أحدًا اكتفى بوصفها؟ وكم من الطاقات ازدهرت لأن أحدًا أحسن قراءتها
فالسؤال الذي يستحق أن يبقى معنا ليس: كيف نُسكت الأطفال كثيري الحركة أو الاعتراض؟
وإنما: هل نحسن قراءة ما أودعه الله فيهم من طاقات؟
هوامش ومراجع
Barkley, Russell A. Taking Charge of ADHD (4th Edition, 2020)
Stixrud, William & Johnson, Ned. The Self-Driven Child (2018).
Rosenthal, Robert & Jacobson, Lenore. Pygmalion in the Classroom (1968).
استجابات