يعيش كثيرون داخل دوّامةٍ من الصراعات المتلاحقة وسط متاهة هذا الزمن الذي يعلو فيه الضجيج ويُعدّ الصمت ترفًا نادرًا، وكأنّهم لا يعرفون كيف يكونون من دون اختلافٍ أو مواجهة؛ فكلّما خمد خلافٌ في حياتهم اشتعل آخر، لا لشيء سوى أنهم يخافون الفراغ أو الصمت الذي يتركه السلام في داخلهم. فبعض الصراعات لا تكون بحثًا عن حقٍّ أو طلبًا في معرفة، بل هربًا من مواجهة الذات.
هذه الظاهرة ليست سوى انعكاسٍ لخللٍ عميقٍ في وعينا الجمعي: حين تتمحور حياة الإنسان وقيمته حول المواجهة والصراع بدل إيجاد معنى مُلهِم وخلاّق. حين يتحول الصراع إلى وسيلة تعريفٍ بالذات، فهل يمكن لثقافةٍ جديدةٍ متجذّرةٍ من الوعي والرحمة أن تعيد توجيه هذه الطاقة من مقاومةٍ تستهلكنا إلى إبداعٍ ينهض بنا؟
هذا المقال محاولةٌ للإصغاء إلى القلق الذي يختبئ خلف الضجيج، إلى الحاجة التي تتخفّى في شكل اختلافٍ عنيف، والبحث عن الطريق الذي يوقِظ الإنسان من وهم العِداء.
كثيرًا ما يضلّ الإنسان طريقه في محاولته فهمَ ذاته، فيربط – في أحيانٍ كثيرة – معرفته بنفسه بعدد ما يخوضه من صراعات، فينظر الإنسان إلى “الاختلاف” كضرورةٍ تدلّ على وجوده وشرطٍ للبقاء، لا كمساحةٍ للفهم والنموّ والارتقاء. لذلك حين يغيب الصراع من حياة مثل هذا الإنسان التائه يجد نفسه أمام مرآة السكون، فيرتبك، لأنّه لم يعتد أن يرى صورةً له خارج ضجيج المواجهة.
ومن هنا يتجاوز الأمر شكل العلاقة بالآخر إلى ما هو أعمق من ذلك: إلى تلك المسافة الخفيّة بين الإنسان ونفسه، حيث تنشأ أول بذرةٍ للخوف من مواجهة الذات، وتتشكل أول حاجةٍ إلى الصراع بوصفها محاولةً لملء فراغ. يصف علم النفس هذه الظاهرة بأنها نزعةٌ دفاعيّةٌ للاحتماء من مواجهة الذات، ويراها المتأمّلون نقصًا في الوعي، بينما يقرؤها الفكر الفلسفي بوصفها انقطاعًا مؤقّتًا عن مشروع الإنسان المسؤول الخلّاق. غير أنّ ما يجمع بين هذه الرؤى كلّها هو أنّ الإنسان حين يعجز عن الإصغاء لذاته، فالبديل هو الغرق في حلقةٍ مُفرغةٍ يلهث فيها هاربًا نحو “المواجهة” باعتبارها مَكمَنًا مريحًا، غير مدركٍ أن كلَّ انتصارٍ مصحوبٍ بصخب النفس هو لعنةٌ جديدةٌ تعيده إلى المنفى ذاته الذي يحاول الفرار منه.
حين تتسع هذه الحالة من حدود الفرد إلى فضاء المجتمع، تتحوّل إلى ما يمكن تسميته بـ “ثقافة العدوّ الدائم”: نمطٍ من التفكير في مجتمعٍ يجعل من الإنسان المختلف عنه فكرًا أو منهجًا أو سلوكًا مصدرًا للخطر بدل أن يكون شريكًا في بناء النسيج الإنساني المشترك. يتغذّى هذا الوعي الزائف من شعورٍ دائمٍ بالتهديد، تتحوّل فيه أدوات التعبير الثقافية والإعلامية والإيمانية إلى أذرعٍ لحراسة هذا الشعور، فيُعاد إنتاجه تحت عناوين “الفضيلة” أو “الحماية”، حتى يفقد الوعي الإنساني جوهره كأداةِ تعارفٍ وتلاقٍ إنساني، فيُستبدل فضاؤه الرحب بجدار الخوف والارتياب من الآخر، وهذا نمطٌ من الاغتراب تتسع دوائره ما لم يعِ الإنسان أنّ اكتمال وجوده الإنساني لا يكون عبر إقصاء الآخر أو اتخاذه عدوًّا، بل في حاجته الدائمة إليه ليصبح وجوده فعلَ مشاركةٍ لا فعلَ إقصاء.
من هذه الرؤية تتجلّى أهمية الوعي الثقافي الجمعي الذي تؤكد عليه جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية؛ فالتخلّص من ثقافة “العدوّ الدائم” ليس شأنًا فرديًا فحسب، بل مشروعُ مجتمعٍ يسعى إلى ترميم وعيه بالآخر وبناء وعيٍ جديدٍ يقوم على مبدأ المشاركة. فالمجتمعات التي تُبنى هويتها على الرفض تظلّ أسيرةَ خوفٍ شديدٍ يربكها، بينما المجتمعات التي تتصالح مع اختلافاتها تجد في تنوّعها سبيلًا للإبداع المشترك.
يقدّم التاريخ الإنساني قارةَ أوروبا نموذجًا حيًّا للحالتين؛ فحين ساد الخوف المتبادل بين الكاثوليك والبروتستانت إبّان الحروب الدينية الصليبية، عاشت أوروبا قرونًا من التناحر والتراشق بين مكوّناتها الاجتماعية. تشكّلت خلال هذه الفترة محاكم التفتيش وابتُدئت مجازر طائفية وحروبٌ أهلية، فذبل الفكر واضطُهد الناس وسُلب العقل، وهاجر كثيرٌ من علمائها ومفكّريها إلى بقاعٍ أكثر تسامحًا.
على النقيض من ذلك كانت الأندلس؛ ففي القرنين العاشر والحادي عشر احتوت الأندلس مجتمعًا متصالحًا مع تنوّعه الديني والفكري، إذ أتاح التعايش الآمن بين المسلمين والمسيحيين واليهود بيئةً فكريةً قلّ نظيرها، فأثمرت ترجمةً وفلسفةً وطبًّا وفلكًا وعمارةً، تشهد جميعها أن الاختلاف بين مكوّنات المجتمع الواحد حين يُدار بحكمةٍ ووعيٍ ويُحصَّن بعدلٍ يتحول إلى طاقةٍ خلاقةٍ ومُنتِجة.
هذا النوع من الميل إلى الصراع في جوهره ليس رغبةً في التدمير؛ هو طاقةُ حياةٍ ضلّت سعيها. إنها طاقةٌ تحرّكها إرادةٌ قويةٌ بلا وعيٍ يرشدها لوجهةٍ خلاقة، لذلك يمكن قراءة هذه الظاهرة بوصفها مرضَ وعيٍ، ذلك أن الإرادة موجودةٌ وفاعلةٌ ولكن في الاتجاه الخاطئ، فالطاقة التي تدفع الإنسان نحو المواجهة هي نفسها التي يمكن أن ترفعه نحو الخلق والإبداع إذا ما وجدت من يرشدها.
من هنا يبدأ التحوّل المطلوب، حين يكتشف الإنسان أن معاركه الخارجية لم تكن سوى امتدادٍ لصراعاتٍ داخليةٍ عالقة، وأنّ أولَ خطوات العلاج هي “المعرفة”؛ معرفةُ ما يخيف المرء وما يعطّله عن الإصغاء إلى ذاته.
العلاج في هكذا مواضع لا يتمّ بالوعظ ولا بالضغط الأخلاقي، بل بـ “الانتباه الصادق”، فالإنسان يحتاج أن يتأمّل نفسه حين يغضب أو يتوتر أو يدخل في صراعٍ لا يحتاجه، وأن يسأل: ما الذي أحاول حمايته بداخلي؟ وما الذي أخاف أن أراه فيَّ؟ هل أدافع حقًّا عن فكرةٍ أو حقٍّ أم عن صورةٍ صنعتها عن نفسي؟ بهذا الوعي البسيط والأسئلة الصحيحة يستعيد الإنسان نفسه التي ضلّت في ظلمات الضجيج، فتصبح كل تجربةٍ يمرّ بها طريقًا إلى معرفةٍ جديدة.
التاريخ في جوهره ليس حكاية أممٍ بعيدة، بل اختبارٌ دائمٌ لفهم الإنسان؛ فحين تضيق رؤيتُنا نعيد بناء الأسوار ذاتها التي هدمها الآخرون من قبل. ما بين أوروبا التي هجرت فكرها خوفًا، والأندلس التي فتحت نوافذها على التنوع، نرى ملامحنا اليوم مترددةً بين غريزتين: (الخوف) و(الفهم). لذا فإنّ الوعي لا يعود درسًا محصورًا في معرفة الماضي، بل شرطَ حياةٍ حاضرة، يذكّرنا أننا كلّما نسينا الإنسان فينا، عادت حاجتنا لإيجاد “عدوّ دائم” بلباسٍ جديد.
حاجة الإنسان إلى وجود “العدوّ الدائم” هي مرآةٌ لخللٍ في الوعي، فحين يربط وجوده بسلسلةٍ من الصراعات يستهلك نفسه ويبدو عاجزًا عن الخلق والإنتاج. لذلك لا بدّ من الإيمان العميق بأن الوعي والفهم والأسئلة الصحيحة التي على المرء أن يسألها نفسه هي الخطوات الأولى لاستعادة الاتزان المفقود، الذي يُعيد للإنسان القدرة على فهم ذاته والتصالح معها.
وما نماذج الأمم التي سبق ذكرها في المقال إلّا انعكاسٌ لمعارك الإنسان مع ذاته؛ فالتاريخ ليس سجلًّا من قصصٍ غريبةٍ عنّا، بل يحوي قصّتنا نحن بأحجامٍ أكبر وأبعادٍ أعمق. فهلا استخلصنا الدروس والعِبر واستلهمنا حكمة الدهر منها؟!
استجابات