حتى لا يذبلُ الإيمانُ في قوالبه

الإيمان لا يذبل فجأة، بل يتدرّج في البرود… خطوةً بخطوة، حتى يصبح سلوكًا بلا حرارة. 

نبدأ من حرارة الحضور والإحساس، ثم نصير حافظين نكرّر عباراتٍ بلا حرارة عشقٍ وشوق. 

كيف حدث ذلك؟ وكيف يمكن أن تعود الروح التي جعلت الإيمان حياةً لا وصفًا؟ 

الإيمان في جوهره ليس خوفًا ولا انغلاقًا، بل ثقةٌ حيّةٌ تولد من شعور الدهشة أمام الوجود الساحر، ومن رغبة الإنسان في فهم علاقته بالخالق. وتنتهي، عند كثيرين، بعادةٍ مكرّرةٍ أو طقسٍ آليٍّ بلا حياة. هناك يُصاب الإيمان بالذبول: يصبح حركةَ شفتين بدل أن يكون نبضًا وسلوكًا. 

إنَّه طريقٌ نسير فيه لنقترب من الله، لا رايةً نرفعها في وجه الآخرين. لكنّ هذه الروح الصافية تضعف عندما نحاول أن نحميها بالمبالغة في الخوف، بدل أن نغذّيها بالثقة والحبّ. 

فعندما تتحوّل الصلاة إلى توقيتٍ زمنيٍّ لا إلى لقاء، تختزل في فردٍ يؤدّي صلاته بدقةٍ تامةٍ في المواعيد، لكنَّه يخرج منها كما دخل؛ لا أثر للطمأنينة في ملامحه، ولا حضور في قلبه. هنا، في هذا المشهد المكرّر، لم يمت الإيمان، لكنَّه ذبل داخل القالب الطقسي، فقد اختُزلت الصلاة – بوصفها لقاءً مع الله – إلى أداءٍ ميكانيكيٍّ جامد. 

وعندما تتحوّل الأخلاق إلى التزامٍ اجتماعيٍّ لا إلى انفتاحٍ وجدانيٍّ، كمثل الشخص الذي يتحدث في كل مجلسٍ عن الصدق والأمانة، لكنَّه لا يقوى على الاعتراف بخطئه في موقفٍ حقيقي. الأخلاق هنا لم تعد نتاجَ وعيٍ حيٍّ، بل انعكاسًا لقوالبٍ ثقافيةٍ قيل له إنَّها “الصواب”. ذبول الإيمان يظهر حين تفقد الممارسة اتصالها بعمق الإنسان، وتصبح مجرّد مظهرٍ للقبول الاجتماعي. 

وعندما تصبح العقيدة سرديةً محفوظةً لا سؤالًا حيًّا، فهناك من يحفظ نصوصًا كثيرة، ويملك ردودًا جاهزة، لكنَّه لا يسمح لنفسه أن يتساءل حقًّا. في اللحظة التي يُمنع فيها السؤال، تُغلق نوافذ الروح، لأنَّ الإيمان ينمو فيما يُكتشَف مجدّدًا كل يوم. 

وعندما يُختزل الدين إلى هويةٍ لا إلى علاقة، كمن يتحدث عن “نحن المؤمنين” في مقابل “الآخرين”، فيصير الإيمان بطاقةَ هويةٍ وقد جعله الله مجالًا للرحمة. فالقالب هنا يُستعمَل لتثبيت الذات في مواجهة الآخر، فيما الإيمان الحقيقي يفتح الإنسان على الكون والإنسان معًا. 

وفي التجربة اليومية الصغيرة، حين يُطلَق وعدٌ باسم الله ثم يُنسى مع أول مصلحة، فالإيمان لا ينهار فجأة، بل يذبل بالتدريج حين تذوب حرارة الصدق الداخلي في اعتياد التبرير. فكل مرةٍ ننسى أن تكون الكلمة وفاءً، يذبل فينا جزءٌ من ذلك الرباط الوثيق. 

في بدايات الدعوة الإسلامية وقيام حضارتها، كان الإيمان حافزًا على السؤال والاكتشاف؛ فالمؤمنون الأوائل لم يكتفوا بالتسبيح، بل بحثوا في أسرار الكون والفكر والفن، معتبرين كل معرفةٍ طريقًا إلى معرفة الخالق. أمّا اليوم، فكثيرًا ما نحشر الإيمان في زوايا ضيقة، ونحوّله إلى هويةٍ ضدّ الآخر بدل أن يكون جسرًا نحوه. نخاف من الفكر المختلف، ونظنّ أننا نحمي الدين، بينما نحن نحمي جمودنا، فنسمح للجمود بأن يبدأ الإيمان بالذبول، لأنَّه يفقد قدرته على الإلهام. 

انظر إلى ما يجري على وسائل التواصل: رأيٌ فقهيٌّ أو فكريٌّ يُطرح فيتحوّل خلال دقائق إلى معركةِ اتهاماتٍ متبادلة. يتعامل الناس مع الفكرة المخالفة كأنّها تهديد، لا فرصةٌ للفهم. ستجد أنَّ الشابّ الذي يحاول طرح سؤالٍ أو قراءةٍ مختلفةٍ يُوسَم سريعًا بالانحراف أو الانبهار بالغرب، ومع الوقت يتعلم أنَّ الصمت أسلم، فيختفي الحوار ويولد التطرّف والتعصّب. 

تلك اللحظة الصغيرة تكشف مأساةً كبيرة: الخوف من الخروج على القالب صار أقوى من الشغف بالبحث عن الله. صحيحٌ أنَّ القوالب تمنح أمانًا شكليًّا؛ تُريحنا من عناء التفكير وتجعل الانتماء أسهلَ من الفهم. لكنَّها مثل الهواء الراكد: تضمن البقاء، لكنَّها تقتل النموّ. فالإيمان مثل النهر؛ إنْ لم يتحرك تعكّر، وإنْ لم يجد طريقًا إلى الواقع صار مجرّد حكاية. فما نفع العقيدة إن لم تُثمر عدلًا ورحمة؟ وما قيمة اليقين إن لم يتحوّل إلى سلوكٍ يُثمر حياةً وخيرًا؟ 

بعد تشخيص علّة الذبول، يبقى السؤال الأهم: كيف نعيد إلى الإيمان نبضه الأول؟ 

  1. تكسير القالب لا يعني رفضه 

ليس المطلوب أن تهدم الشكل، بل أن تستعيد الروح داخله. فالصلاة لا تُستبدل لكنها تُستعاد. فابدأ بسؤال نفسك في كل ممارسةٍ: “ما الذي أبحث عنه حقًّا وأنا أفعل هذا؟” إذا وجدتَ حرارة، فهناك حياة. وإن وجدتَ برودًا، فابدأ من هناك. 

  • التماس الله في الإنسان 

الإيمان لا يُستعاد في الكتب فقط، بل في وجوه الناس وأعمال الرحمة. افتح قلبك لتكتشف الله في الآخر، لا فيما تقوله عنه فحسب. فالإله الذي لا يُرى في الإنسان يظل فكرة، والإيمان الذي لا يُثمر رحمةً مجرّد اعتزازٍ بالذات. 

  • اعبر من الخوف إلى الحضور 

كثيرون يتديّنون خوفًا من العقوبة أو فقدان الهوية، لكنّ الإيمان الحقّ يولد من الحبّ لا من الرهبة. جرّب أن تصلّي بلا طلب، أن تسبّح بلا سبب، أن تسكت لتسمع قلبك. فالإحياء لا يحدث في الضجيج، بل حين تعود إلى حضورك الداخلي. 

  • مارس الإيمان كفعلٍ حرٍّ يومي 

إحياء الإيمان عودةٌ يوميةٌ إلى الصدق والنوايا. أن تصدق حين يسهل الكذب، أن تعفو عند الغضب، أن تمنح حبًّا دون شرط… فهناك، في الأفعال الصغيرة، تعود الروح إلى معناها الأول. 

القوالب ليست خطأ في ذاتها، لكنَّها موتٌ إذا لم تُجدَّد من الداخل. فاسأل نفسك، في كل ممارسةٍ أو قناعةٍ أو عادةٍ: هل تنبض؟ أم تؤدّي الدور فحسب؟ 

ليس نقد القوالب رفضًا للعقيدة، إنَّه إحياءٌ لجوهرها. والإيمان لا يُختزل في طاعةٍ عمياء، إنَّه يتجلّى في عقلٍ يفكّر وقلبٍ يحبّ. والإيمان الذي يضيق بالاختلاف لا يعبّر عن الله، إنَّما عن خوف الإنسان من ذاته. 

إحياء الإيمان ليس في اختراع طريقٍ جديد، بل في أن تمشي في الطريق القديم بروحٍ جديدة. أن تجعل كل لحظةِ عبادةٍ لقاءً، وكل لقاءٍ بحثًا عن الله. 

ما نحتاجه اليوم ليس إيمانًا جديدًا، بل قلبًا جديدًا ينبض بالإيمان؛ قلبًا يتّسع للأسئلة كما يتّسع للدعاء. وحين نعيد إلى الإيمان روحه الحرّة، نكتشف أن الطريق إلى الله يمرّ دائمًا عبر الإنسان، وأنّ حبّ الخالق لا يُختبَر إلاّ حين نحسن إلى خلقه. فحين نحسن إلى الخلق، نكتشف الطريق الأصدق إلى الخالق، وأيّ إحسانٍ أوسع من استقبال السؤال بسماحةٍ واستيعابِ الاختلاف بتقبّلٍ: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ…﴾ [النحل: 125].

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *