حين تتغيّر نظرتنا… يتغيّر العالم من حولنا

في صباحٍ رماديٍّ على رصيفِ مدينةٍ مزدحمة، كنتُ أراقب رجلًا في منتصفِ العمر يحاول عبورَ الشارع، بينما ينتشر المطرُ كغلالةٍ شفّافةٍ فوق الوجوه. بعضُ الناس كان يتبرّم من البلل، يتّقيه بالمظلّات، وتعلو ملامحَه مسحةُ غضبٍ، وآخرون رفعوا هواتفَهم ليلتقطوا صورًا لذات المطر كأنّه عيدٌ صغير. المطر لم يتغيّر، ولكن ما رآه الناسُ فيه تبدّل تمامًا. عند تلك اللحظة البسيطة قلتُ في نفسي: كم مرّةٍ تتبدّل حياتُنا لأنّنا بدّلنا زاويةَ النظر للأمور أو الأشياء؟  

ربما لم يكن الرجلُ العابرُ ولا الواقفون حوله يدركون أنهم يعيشون درسًا في التحوّل الداخلي، ذلك التحوّل الذي يجعل من المشهد الواحد عوالمَ مختلفة. نحن نميل إلى الظن بأن الخارج هو السبب فيما نمرّ به — الظروفُ، والآخرون، والحظ — لكن شيئًا فشيئًا نكتشف أن العقل هو العدسة التي تُشكّل الصورةَ كلَّها، فالعدسةُ نفسها قد تُظهر الطريقَ مظلمًا وقد تملؤه بالفرص، وهذا التبدّل في الرؤية هو ما يصنع الفرق الحقيقي في تجربتنا.  

كم يتكرّر هذا الدرس في حياتنا اليومية دون أن ننتبه إليه! نصحو أحيانًا على ضيقٍ يجعل كلَّ ما حولنا كئيبًا، وبعد ساعاتٍ أو في اليوم التالي يتغيّر المزاج، فيبدو كلُّ شيءٍ ألطف: فالوجوهُ تبدو ودودةً، والعالمُ من حولنا يبدو أكثرَ احتمالًا للاختلاف. وفي الحقيقة لم تتبدّل الأشياءُ ولا الناس، بل تغيّرنا نحن، وهذا التغيّرُ البسيط في الداخل انعكس على كلِّ ما نراه في الخارج.  

يقول عالمُ النفس الإيجابي مارتن سِيلجمان إنّ طريقةَ تفسيرنا للأحداث لا تقلُّ أهميةً عن الأحداثِ نفسها في تحديد سعادتنا طويلةِ الأمد (1)، ولعلّ هذا ما توضّحه الحكمةُ الكونية في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾(سورة الرعد: 11) — فالتغييرُ الحقيقي يبدأ من الداخل لا من الخارج.  

مع مرورِ الوقت وتقدّمِنا في الحياة نحمل في داخلنا تراكماتٍ من الأفكار والمعتقدات، بعضها تشكّل منذ الطفولة وبعضُها ورثناه من المجتمع دون تفكيرٍ عميق. ومع الأيام، تصبح هذه المعتقداتُ نظّاراتٍ نرى بها كلَّ شيء، لكن حين تتغشّى هذه العدسةُ بغبارِ التجارب والأحكامِ القديمة نرى الواقعَ مشوَّهًا من خلالها، وإن لم ننتبه إلى هذا التشويه نَظلّ نتصرف وفقه بغير وعي، كمن يمشي في الضباب ظانًّا أنّ العالمَ كلَّه ضبابيّ.  

تُبيّن دراساتُ “عقلية النموّ” في جامعةِ ستانفورد أنّ الطالبَ الذي يرى فشلَه مؤقتًا قابلًا للتعلّم، يتقدّم أسرع ممّن يراه دليلًا على عجزٍ دائم (3). والتغيير هنا لم يكن في المعلّم ولا في المادة، بل في زاويةِ الرؤية ذاتها، وهذا المبدأ ينسحب على حياتنا كلِّها — في علاقاتنا وفي نظرتنا إلى أنفسنا.  

كثيرًا ما نحبس أنفسنا داخل أفكارٍ جامدةٍ نعدّها حقائقَ مطلقة، نقول: “العالم لا يُنصف”، أو “الناس لا تتغيّر”، فنغلق الأبوابَ قبل أن نطرقها. غير أنّ هذه الجمل ليست حقائقَ كونيّة، بل مرايا لمخاوفِنا وتجاربِنا المحدودة. والتاريخُ يشهد أنه لم يتغيّر فيه شيءٌ عظيم إلّا حين قرّر أحدُهم أن يرى الإمكان بدلَ العجز.  

نيوتن رأى في سقوط تفاحةٍ بسيطةٍ قانونًا عظيمًا للجاذبية بعد أن حرّر نظرته من المصادفة، وجابرُ بنُ حيان رأى في تفاعلٍ كيميائيٍّ بسيط بذرةَ علمٍ سيغيّر وجهَ الحضارة. وفي عصرنا الحديث، حين واجه الدكتور أحمد زويل تحدّيات البحث العلمي في مصر، لم ير في الإمكانات المحدودة عجزًا، بل دافعًا للإبداع؛ فكانت رؤيته الجديدة لعلم الكيمياء سببًا في حصوله على نوبل وفي فتح آفاقٍ جديدةٍ للعلم العربي (4). فالرؤية هي التي تصنع الاكتشاف، والنظرةُ الجديدة هي التي تفتح آفاقَ المستحيل.  

وحين ينهض إنسانٌ من عثراته لا يكون قد غيّر العالم، بل غيّر نظرته إلى نفسه والعالم، وحين نتجاوز خيبةً ما، فنحن في الحقيقة نُعيد تصميم علاقتنا بما حدث لنا. هذا لا يعني أن ننكر الألم أو نتزيّن بتفاؤلٍ قسريّ، بل أن نتعامل معه بوعيٍ جديد، فهناك فرقٌ جوهريٌّ بين تجاهل الظلمة وبين الإيمان العميق بأنها ليست نهايةَ الطريق.  

حدّثني صديقٌ فقد عملَه ذاتَ يومٍ كيف شعر أولًا بالانكسار التامّ، ثم أدرك بعد شهورٍ من التأمل أن تلك الخسارة كانت بوّابتَه ليُبصر نفسَه من جديد، ويكتشف إمكاناتٍ لم يكن يعرف أنها موجودة فيه. كلّنا نمرّ بمثل هذه المحطّات المؤلمة، نحسبها نهايةَ العالم، ثم نكتشف بعد حين أنها كانت بدايةَ فصلٍ جديدٍ من حياتنا. فالحياة كثيرًا ما تستخدم الصدماتِ لتوقظَنا من سباتِ الرؤية القديمة، كأنها تهزّنا برفقٍ وتقول: انظر مرةً أخرى، هناك ما لم ترَه بعد.  

والمفارقة العجيبة أنّ الإنسانَ المعاصرَ، رغم كلِّ التقدّم الماديّ والتكنولوجيّ الهائل، يعيش أزمةَ رؤيةٍ حقيقيّة. فكثرَةُ الشاشات جعلتنا نرى صورًا أكثر من أيِّ جيلٍ سابق، لكنّنا صِرنا نفكّر أقلَّ فيما نراه. نتصفّح الأحداثَ والأشخاصَ كأنّنا نمرّ على وجوهٍ رقميّةٍ بلا عمقٍ أو تأمّل. ولعلّ هذا ما يفسّر ارتفاعَ معدّلات القلق والاكتئاب عالميًّا، بحسب تقاريرِ منظمةِ الصحةِ العالمية الأخيرة (5). فالعينُ الممتلئةُ بالصور لا تساوي شيئًا إن لم يُصغِ القلبُ بصدقٍ لما يراه، وبتمعّنٍ فيما فيه. فنحن نعيش في عصرِ الإفراطِ البصريّ والفقرِ التأمليّ، حيث تكثر المعلومات وتقلّ الحكمة، وتتزايد الصور وتتناقص البصيرة.  

كتب الفيلسوفُ الفرنسي ألبير كامو ذاتَ مرّةٍ أن: “الشتاء هو الذي يجعل القلبَ يكتشف في داخله صيفًا لا يزول” (6). وقال الشاعرُ الصوفي جلال الدين الرومي: “الجروح هي المكان الذي يدخل منه النور” (7). هاتان العبارتان تلخّصان بعمقٍ التجربةَ الإنسانية كحركةٍ مستمرةٍ بين الرؤية والعتمة، بين إعادةِ النظر واستقرارِ الوهم، بين اليقظة التي تكشف المعنى والغفلةِ التي تحجبه. والحياةُ مدرسةٌ نتعلّم فيها أن أصعبَ اللحظات قد تكون أكثرَها إنارةً إذا نظرنا إليها بعينِ القلب، لا بعينِ الخوف فقط.  

لكن كيف نُغيّر نظرتنا عمليًّا في خضمِّ هذا الزحامِ اليوميّ؟ ربما البدايةُ الحقيقية تكمن في الوعي بالعدسةِ التي نستخدمها في رؤية الأشياء والأشخاص. حين نرى في شخصٍ ما خصمًا، يبدأ دماغُنا مباشرةً بالبحث عن أخطائه وعيوبه. وحين نقرّر أن نراه إنسانًا يحاول ويجتهد مثلنا، يتغيّر شعورُنا وسلوكُنا نحوه فورًا.  

وفي هذا الصدد يُثبت علمُ الأعصاب الحديث أن الدماغَ البشريَّ يُعيد تشكيلَ نفسه باستمرار تبعًا لأنماط التفكير التي نمارسها (8). ومع التمرين المتواصل على النظرة الواقعية المتفائلة — لا الساذجة — تتكوّن مساراتٌ عصبيّةٌ جديدةٌ تجعل رؤيةَ الأمل والإمكان عادةً طبيعيّة، لا مجرّد صدفةٍ عابرة.  

وعلى مستوى المجتمعات والثقافات، تُجسّد اليابان هذه الفكرةَ في نظام “كايزن” القائم على التحسينِ المستمرّ ولو بخطواتٍ صغيرةٍ جدًّا (9). وليس هذا المفهومُ غريبًا عن ثقافتنا العربية؛ فقد عبّر عنه أجدادُنا في حكمةٍ تقول: “من طلب العُلا سهر الليالي”، و”الصبر مفتاح الفرج”. بل إنّ مبدأ التدرّج في التحسين يجد صداه في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾(سورة العنكبوت: 69) حيث يأتي الهدى تدريجيًّا مع المجاهدة والسعي المستمرّ.  

الفكرةُ الجوهريّةُ فيما سبق أنّ التغييرَ العظيم لا يحتاج دومًا إلى ثوراتٍ ضخمةٍ أو انقلاباتٍ جذرية، بل يكفي أحيانًا سؤالٌ يوميٌّ بسيط: كيف يمكن أن يكون هذا الأمر أفضلَ قليلًا ممّا كان عليه بالأمس؟ وحين ينتقل هذا الوعي من الفرد إلى الجماعة، ومن البيت إلى المؤسسة، يُصبح فرقًا هائلًا في الواقع المعاش.  

وفي البُعد النفسي الشخصي، يدعو علماءُ السلوكِ إلى ممارسةِ ما يسمّونه “الامتنان الواعي” (11)، أي أن نحاول في نهايةِ كلِّ يومٍ تدوينَ ثلاثِ نِعَمٍ بسيطةٍ شعرنا بالامتنان لها. فهذا التمرينُ البسيط لا يُغيّر الأحداث التي مررنا بها، لكنه يُغيّر بشكلٍ تدريجيٍّ طريقةَ استقبالنا لها وتفسيرَنا لمعناها، ومع الوقت والممارسة يتبدّل تركيزُ النفس تلقائيًّا: بدلًا من الانشغال الدائم بما ينقصنا، تبدأ العينُ بإدراك ما هو موجودٌ فعلًا، وبدلًا من التركيز على الفراغات، تتعلّم الروحُ رؤيةَ الامتلاء الخفيّ في التفاصيل الصغيرة.  

قد يبدو هذا الأمرُ سهلًا للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة يحتاج إلى شجاعةٍ داخليةٍ حقيقيةٍ ومثابرةٍ صادقة. فدائمًا هناك ذلك الصوتُ الخفي الذي يهمس في أعماقنا قائلًا: “لقد كنتَ هكذا منذ زمنٍ طويل، طبعُك لن يتغيّر، لا فائدةَ من المحاولة، الناسُ لا تتبدّل.” ولكن حين ندرك بوضوحٍ أنّ النظرةَ والرؤيةَ مهارةٌ تُكتسَب وتُطوَّر، وليست قدرًا محتومًا أو طبعًا ثابتًا، نبدأ فعلًا في التجربةِ بقلبٍ مفتوح. وكلُّ خطوةٍ صغيرةٍ ناجحة، وكلُّ لحظةِ وعيٍ جديدة، وكلُّ تغييرٍ طفيفٍ في الاستجابة، تفتح أمامنا أفقًا أوسع، وتمنحنا ثقةً أكبرَ في قدرتنا على إعادةِ تشكيلِ تجربتنا الداخلية.  

وفي النهاية ندرك حقيقةً بسيطةً لكنها عميقة: ربما لا يمكننا التحكّمُ بكلِّ ما يقع في الواقع الخارجي، لكنّنا نملك دومًا حرّيةَ النظر إليه واختيارَ زاويةِ التفسيرِ والاستجابة. هذه الحرّيةُ الداخلية، حين نمارسها بوعيٍ وقصدٍ، تجعلنا أقلَّ هشاشةً وأكثرَ مرونةً أمام تقلباتِ الحياة وتغيّراتِها المستمرة. فمن يُغيّر نظرتَه يُغيّر حتمًا تجربتَه، ومن يُغيّر تجربتَه الداخلية يُسهم من حيث لا يدري في تغيير العالمِ من حوله، لأنّ الطاقةَ التي نشعّها والموقفَ الذي نحمله ينتقلان بطرقٍ خفيّةٍ إلى كلِّ من نلتقيه.  

أتذكّر جيّدًا حوارًا قديمًا مع مسنٍّ حكيمٍ قابلتُه في مقهًى شعبيٍّ، كان يحتسي قهوته العربيةَ بهدوءٍ وتأمّل، وقال لي وهو يتأمّل الشارعَ المزدحمَ أمامَنا بنظرةٍ صافية: “تعلّم يا بُنيّ، الحياة لا تصير أسهلَ مع الوقت، نحن فقط نُصبح أبصرَ وأحكمَ في التعامل معها.” يومَها ابتسمتُ مجاملةً ولم أفهم تمامًا عمقَ ما قاله. أمّا اليوم، فكلّما هطل المطر، ورأيتُ الناسَ يتفاعلون معه بين الغضب والفرح، بين الشكوى والامتنان، أدركتُ أنّ حكمَ ذلك الرجلِ العجوز لم يكن على المطر أو على الحياة، بل كان حُكمًا لطيفًا علينا نحن، وعلى قدرتنا على التعلّم من التجربة.  

وهكذا تدور دائرةُ الفهم وتكتمل: يبدأ المشهدُ بمطرٍ بسيطٍ لم يتغيّر في طبيعتِه منذ ملايين السنين، وينتهي بنا وقد تغيّرنا نحن، وتطوّرت نظرتُنا وتعمّقت حكمتُنا. عندها ندرك أن أجملَ هديّةٍ يمكن أن نمنحَها للعالم وللأجيال القادمة هي أن نحمل في قلوبِنا روحًا ترى في كلِّ غيمةٍ احتمالًا مشرقًا للنور، وفي كلِّ نهايةٍ بدايةً واعدةً لفصلٍ جديد، وفي كلِّ جرحٍ وألمٍ طريقًا محتملًا إلى وضوحٍ أعمقَ، وامتنانٍ أشمل، وحكمةٍ أنضج. هذا هو السّر الحقيقيُّ للتحوّل: أن نتعلّم كيف نرى، لا فقط كيف ننظر.  


الهوامش:

(1) مارتن سيلجمان، تعلم التفاؤل: كيف تغير تفكيرك وسلوكك من أجل حياة أفضل، دار هوتن ميفلن، بوسطن، 1990.

(2) سورة الرعد، الآية 11. وهي حكمة كونية تؤكد أن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل قبل أن ينعكس على الخارج.

(3) كارول دويك، عقلية النمو: علم النفس الجديد للنجاح، دار راندوم هاوس، نيويورك، 2006.

(4) أحمد زويل، رحلة عبر الزمن: الطريق إلى نوبل، دار الشروق، القاهرة، 2002.

(5) منظمة الصحة العالمية، تقرير الحالة النفسية في العالم: البيانات والمؤشرات الأساسية، جنيف، 2023.

(6) ألبير كامو، *ت

(6) ألبير كامو، تأملات في الصيف والشتاء، منشورات غاليمار، باريس، 1953.

(7) جلال الدين الرومي، المثنوي المعنوي، ترجمة محمد عبد السلام كفافي، دار المعارف، القاهرة، 1981.

(8) نورمان دويدج، الدماغ الذي يغيّر نفسه، دار بنغوين، لندن، 2007.

(9) ماساكي إماي، كايزن: المفهوم الياباني للتحسين المستمر، دار ماكغروهيل، نيويورك، 1986.

(10) سورة العنكبوت، الآية 69. وهي حكمة كونية تؤكد أن الهداية والتطور يأتيان تدريجيًا مع السعي والمجاهدة المستمرة.

(11) روبرت إيمونز، شكراً! كيف يمكن للامتنان أن يجعلك أكثر سعادة، دار هوتن ميفلن، بوسطن، 2007.

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *