حين تتكلم النظرة وتسكت الهويات

ربما حدث لك أن جلست بجوار شخص غريب أثناء رحلة، وانفتح حديث بسيط، لكنه كشف مسافة غير متوقعة بين العادات والقلوب.

في إحدى تلك اللحظات العابرة، وجدت نفسي على مقعد في باص صغير متجه لمطار سيؤول، إلى جواري شابة تعمل بإحدى منظمات الأمم المتحدة. كنا عائدين من مؤتمر دولي، كان الحديث يدور عن العائلة والعادات، عن الأمومة والترابط، عن الدفء الذي نحمله في تفاصيلنا رغم كل ما نمرّ به. كانت تستمع إليّ بتعجّبٍ فيه شيء من الحنين، كأنها كانت تكتشف حكاية قديمةً نُسيت في عالمها العملي المنضبط. وعندما نزلنا، احتضنتها كما أحتضن ابنتي. فوجئت… تجمّدت قليلاً، ثم ارتخت بين ذراعيّ، وكأنها تذوّقت طعم حضن منذ زمنٍ لم تعرفه.

في تلك اللحظة، لم يكن بيني وبين تلك المرأة الشابة دينٌ مشترك، ولا لغة أمٍ واحدة، ولا تاريخٌ مشترك. وكان يمكن أن تبقَى “أخرى” غريبة، عابرة في لائحة الأسماء التي نلقاها وننساهُم. لكن الحنان، ذلك الجزء العميق من إنسانِيْتنا، كسر الحواجز كلها. لحظة فيها شيء من المعجزة البسيطة؛ أن نلتقي معًا كبشر، لا كعناوين أو هويات جاهزة. هذه الذكرى جعلتني أستعيد آيةً طالما مررتُ بها مرور العادة

﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ، وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ العنكبوت: 46

هذا الخطاب الإلهي لا ينطلق من تقسيم الناس إلى فئات، وإنما يؤسس على مبدأ الوحدة، إذ يبدأ بـ”الله الواحد” الذي يجمعنا، وبه يتضح معيار الصواب والخطأ، إنه يرشدنا إلى أسلوب في الحديث لا يقوم على الانتصار، بل على الإحسان. وكأن الآية تقول لنا: إن أردتم الوصول إلى قلوب الآخرين، فاختاروا أجمل السلوكيات، لا أقوى الحجج؛ وكونوا أهل تواضع، لا أصحاب تعالٍ؛ وادخلوا بذوات متصالحة، لا متعالية، فهذا المعنى لا يبقى داخل القاعات أو المؤتمرات، بل تجسّده شخصيات في لحظات تاريخية حاسمة. 

أتذكّر مثالًا حقيقيًا من التاريخ القريب، قائدًا عُرف بشجاعته الأخلاقية، لا العسكرية فحسب، أُرسل إلى منطقة مضطربة، تتصارع فيها الفصائل على السلطة والتفرّد، مهمته كانت حساسة، المحافظة على الأرواح. لم يختر طريق الحسم بالسلاح، وبدلا عنه أعلن أن الأهم هو “فهم الآخر قبل الصدام معه”. فبدأ بالتعرّف على ثقافات المكوّنات المختلفة، التفاوض معهم، واحترام خصوصياتهم. دخل إليهم بـ “التي هي أحسن”، بلغة لا يشهدها التاريخ العسكري كثيرًا، لغة المروءة في إدارة الخلاف.

لقد كان يعرف أن نشر السلام لا يتم سوى باحترام مشاعر الضدّ، وإحياء القيم المشتركة، وليس عبر فرض تصور فوقي للسلطة أو الهوية.

وإذا كان ممكناً أن نجد كل هذا التقارب الإنساني في حوارٍ عابر مع الغرباء، فكم من الجراح يمكن أن نُغلقها لو مارَسنا هذا النوع من الإحسان مع من نشارِكهم اللغة والعروبة والتاريخ؟

في الكثير من اللقاءات التي يُفترض أن تجمع أبناء اللسان الواحد، تكون المشاعر متأرجحة بين التلاقي والتباعد. ينشأ هذا الشعور أحيانًا لدى كثيرين، حين لا يُقابل الاختلاف بتواضعٍ، بل بتصلبٍ هوياتي، وكأن اشتراك اللغة يُبيح السجال بدل الإصغاء. مررتُ بأمثلة على ذلك في مناسبات عربية متفرقة، وفي كل مرة، كان التحدي نفسه يعود، كيف نختلف دون أن نتجاهل القيمة المشتركة التي جمعتنا أساسًا؟ نلتقي والإيماءات واحدة، والأمثال ذاتها، حتى التفاصيل المنزلية تتشابه. لكن ما إن يبرز الخلاف في الرأي أو التصور أو القيمة، حتى يَحدث انغلاق، ويتحوّل الحوار بسرعة إلى منافسة على “الصواب”، وليس سعيًا للقاء في المساحات المشتركة.

وكأننا – من كثرة تشابهنا – رفضنا أن نختلف بأدب، أن نُصغي مع احترام. هذا السلوك لا ينسجم مع أخلاق العقلاء، ولا مع روح دينٍ يقول ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ…﴾. فالحوار لا يحتاج نفي الآخر، وإنما الاعتراف بحقه في السعي إلى الحقيقة مثلنا، كلٌّ بطريقته.

حين يُمنح التلاميذ منذ الطفولة فرصة التعرف على المعتقدات العالمية برؤية منفتحة ومحترمة، كما يفعل منهج مونتيسوري، يتعلمون أولًا كيف ينظرون إلى المختلف ككائن يتحرك من منطق وقيم، لا من سطح صورة نمطية. وقد يخوض الراشد مثلي هذه التجربة متأخرًا، لكنه يختبر مقدار ما يخسره الإنسان حين يُربّى على الخوف من الآخر وكبح الفضول لفهمه. تعرفت على معتقدات لم أكن أسمع عنها إلا بصورة مشوهة أو خائفة؛ البوذية، الهندوسية، معتقدات شرق آسيا… لم أدرسها في مناهجنا يوماً، بل كانت ممنوعة من الوعي باسم الحماية، لكنها كانت محرومة من الإنصاف باسم التبسيط. فنحن لا نخاف من الآخر لأنه مختلف، وإنما لأننا لم نعطِ أنفسنا الفرصة لنفهمه. فالمشكلة ليست في الآخر، بل في ذواتنا التي تعلّمت أن تتعالى بدل أن تتحاور.

ربما لا نحتاج أكثر من لحظة صدق، أو حضن عفوي، أو كلمة لينة تقال في موضع التوتر، حتى نعيد إحياء المعنى الكبير المبثوث في هذه الآية: ﴿إِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ﴾. فالله واحد، لكن قلوبنا هي التي تفرّقت.

لسنا بحاجة لتغيير العالم من عليائنا، لكن ربما يكفي أن نراقب نبرات صوتنا حين نعرض أفكارنا؛ أن نسأل أنفسنا بهدوء: هل قلتُها كما أحبُّ أن تُقال لي؟ هل استعملتُ ﴿التي هي أحسن﴾ ليس في الجدال الديني فقط، وإنما في حوار الحياة اليومية؟

من يُجرّب ذلك، قد يكتشف ـ ربما لأول مرة ـ أن قرب الآخر ليس تهديدًا، بل مرآة… لها ما للمرآة من صدقٍ، وما فيها من استعداد ليجعلك ترى نفسك ذاتها بطريقة لم تعهدْها من قبل.

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *