حضرتُ مجلس عزاء قبل أسابيع، وقد كنتُ أراه فرصة نادرة للقاء أقارب لم أجتمع بهم منذ سنوات طويلة، دخلتُ المجلس وفي قلبي توقٌ للجلوس معهم، للسؤال، للحديث، لتجديد الروابط التي أضعفتها الأيام، لكنني فوجئت بأن العزاء اقتصر على يومٍ واحد، ولمدة ساعتين فقط. الدعوة محدودة، والمصافحات سريعة، ولا ضيافة ولا مجال للجلوس الطويل، يُقدَّم العزاء بإيجاز، ثم ينصرف الجميع في هدوءٍ أقرب إلى العجلة.
جلستُ لحظات أبحث بعيني عمّن كنتُ أرجو لقاءه، فلم أجده، وحين طال الصمت، أخرجتُ هاتفي أعاين آخر المنشورات، كما فعل كثيرون من حولي. تبادلنا الجلوس بلا حميمية، وبلا حديثٍ يتجاوز المجاملة.
لم يكن في الموقف خطأ شرعي، ولا تجاوز اجتماعي، لكنه كشف لي شيئًا أعمق، نحن نؤدي واجباتنا، لكننا نفقد دفئها، فنحضر لكننا لا نلتقي، ونتواصل لكننا لا نتوادّ.
ففي عالمٍ تتكاثر فيه وسائل التواصل ؛ تتراجع حرارة العلاقات، وتتسع فيه دوائر المتابعين، ويضيق فيه نطاق القلوب. وكأن الإنسان المعاصر أصبح محاطًا بالاتصال… ومحرومًا من الوُدّ.
تشير دراسات حديثة إلى أن الشعور بالوحدة الاجتماعية يتزايد عالميًا رغم الارتفاع غير المسبوق في استخدام وسائل التواصل. ففي تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية عام 2023، جرى التحذير من أن العزلة وضعف الروابط الإنسانية أصبحا من العوامل المؤثرة في الصحة النفسية والجسدية، بما يشبه أثر بعض الأمراض المزمنة.
وهنا تستحضرني الآية: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وُدًّا﴾ (سورة مريم – 96)، والوُدّ ميلٌ قلبي عميق، يستقر في النفوس ولا تزعزعه الأزمات.
ولم يقل: “سيكسبون وُدًّا”، وإنما: ﴿سيجعل لهم الرحمن وُدًّا﴾، لأن الودّ الحقيقي ليس مهارةً اجتماعية أو صناعة علاقات عامة، وإنما أثر يخلقه الله في القلوب نتيجة قانون إلهي؛ إيمانٌ صادق، يتجسد في عملٍ صالح.
إن المجتمع الذي تضعف فيه المودة قد يكون عامرًا بالعبادات الظاهرة، وتُؤدَّى فيه الواجبات بدقة، غير أن روح الإحسان فيه تخفت، فتبهت العلاقات وتفقد دفئها.
وقد جسّد النبي ﷺ هذا القانون قبل أن يُبعث.
عُرف بين قومه بالصادق الأمين، رعى الغنم فتعلم الصبر والرفق، وتاجر فعرف أثر الأمانة والعدل في النفوس. وقبل أن يتلقى الوحي، كان قد بنى رصيدًا من الثقة والمصداقية. حتى إن اعتكافه في غار حراء كان رحلةَ تأملٍ وبحثٍ عن علاجٍ لواقعٍ اجتماعي مضطرب.
وهذا القانون لا يقتصر على الشخصيات التاريخية الكبرى، فما يزال يتكرر بأشكال مختلفة في واقع الناس إلى اليوم.
محمد يونس في بنغلادش لم يبدأ بخطابٍ سياسي، وإنما بمبادرةٍ بسيطة لإقراض الفقراء مبالغ صغيرة تساعدهم على العمل. فتحولت الفكرة إلى “بنك غرامين”، وأصبح رمزًا عالميًا لأنه قدّم عملًا صالحًا مسّ حياة الناس مباشرة. المودة التي نالها لم تكن نتيجة دعاية، وإنما نتيجة أثر.
إن العمل الصالح حين يكون حقيقيًا، غير مشروط، وغير مستثمر لمصلحة آنية، يخلق شبكة وُدٍّ عميقة في المجتمع، شبكة لا تتأثر سريعًا بفتنةٍ أو تحريض، لأنها مبنية على تجربة خيرٍ واقعية.
وفي دوائرنا الأصغر، يمكن لهذا القانون أن يعمل أيضًا:
• في الأسرة: حين يشعر الأبناء أن بيتهم مساحة أمان، وأن النصيحة تأتي ممزوجة بالرحمة والاحتواء، تنشأ مودة حقيقية تجعل القلوب أقرب إلى بعضها. فالكلمة اللينة، والإنصاف عند الخلاف، والاعتذار عند الخطأ، كلها أعمال صغيرة يصنع الله بها وُدًّا بين أفراد الأسرة. وقد تختلف أساليب التواصل بين جيلٍ وآخر، لكن حاجة الإنسان إلى المودّة الحقيقية تبقى واحدة مهما تغيّرت الوسائل.
• في العمل: حين يُعرف الإنسان بالأمانة، واحترام جهود الآخرين، والوفاء بالوعود، والحرص على نجاح الفريق لا على الظهور الشخصي فقط، يجد قبولًا صادقًا في القلوب. فبعض الأشخاص يرتاح الناس للتعامل معهم لأنهم يشعرون بالأمان في حضورهم.
• في الحيّ والمجتمع: حين يبادر الإنسان بالسؤال عن جاره، أو يخفف أذى الطريق، أو يحفظ أسرار الناس، أو يقف مع من يمر بضيق دون ضجيجٍ أو استعراض، يصبح وجوده مصدر طمأنينة لمن حوله، فيجعل الله له وُدًّا بينهم.
• في العمل العام والجمعيات: حين يكون الهدف خدمة الناس بإخلاص، بعيدًا عن طلب الظهور أو احتكار الإنجاز، يبارك الله في الجهد، ويجعل للكلمة والمشروع قبولًا يتجاوز الإمكانات المادية نفسها.
لسنا مطالبين بصناعة المودّة مباشرة، وإنما مطالبون بالعمل الصالح، أما القلوب، فيتولاها الرحمن.
لنراجع أنفسنا:
هل نسعى لأن يُحبّنا الناس؟
أم نسعى أن نكون أهلًا لأن يجعل الله لنا في القلوب وُدًّا؟
استجابات
التفاتة جميلة من الكاتبة، ولعلّه من المهم إضافة بُعدٍ آخر لما تفضلت به، وهو أن غياب اللقاء لا يحدث فقط بسبب الانشغال الخارجي، بل أحيانًا لأسباب نفسية داخلية، كالخوف من الانكشاف على الآخرين. فالحضور الحقيقي يقتضي قدرًا من الصدق، والصدق يجعلنا عرضة للهشاشة. لذلك نختبئ أحيانًا خلف المجاملات السريعة والحوارات السطحية، لأنها أقل كلفة نفسيًا.
لذلك من المهم أن نتحلى بالشجاعة لنستعيد اللقاء، وأعني الشجاعة أن نُصغي دون دفاع، وأن نتكلم دون تصنّع، وأن نقبل بأن العلاقة الحقيقية لا تُبنى في المساحات الآمنة فقط، بل في لحظات الصراحة الهادئة.