في أحد مشاهد فيلم “مولانا” يقف الشيخ حاتم الشناوي “وهو داعية تلفزيوني شهير” أمام الكاميرا متردّدًا، ثم يختار أن يتكلم من قلبه لا من النص المعدّ له.
يتحدث إلى الناس عن الحبّ بدل الخوف، ويقول بمعناه إنَّ الله لا يُعبد بالكره أو الغضب، وإنَّما بالصدق في الرحمة، لأنَّ من لا يرحم لا يرى الله في الوجوه التي يختلف معها.
كانت تلك اللحظة نقطة تحوّله من واعظٍ إلى إنسانٍ يرى في كلّ اختلافٍ احتمالاً للإيمان، لا تهديدًا له.
هذا المشهد يذكّرنا بأنَّ تحرير الدين من الخوف والكراهية هو أول خطوة لتحرير الإنسان نفسه، وأنَّ الحبّ هو أعلى درجات الإيمان والوعي. ولأنَّ الكلمة تصنع الوعي، فإنَّ تفكيك خطاب الكراهية هو محاولة لاستعادة إنسانيتنا ولتحويل اللغة من جدارٍ يفصل إلى جسرٍ يصل.
منذ المراحل الأولى من الحياة، يتعلّم الطفل كيف يُنظّم مشاعره تجاه من حوله من خلال ما تُقدّمه له الأسرة والمجتمع. حين ينشأ في بيئة تُربّيه على الخوف من كلِّ ما يخرج عن المألوف، يتكوّن في داخله ارتباط شرطي بين الخطر والاختلاف، ومع الزمن، يتعمّق هذا الربط في لا وعيه: المختلف يساوي مهدِّد.
وعندما يواجه في الكِبر إنسانًا يعيش بحرية أو بطريقة مغايرة تستيقظ في داخله مشاعر خوفٍ قديمة لم يُسمح له أبدًا بالتعامل معها حين كان طفلًا. ولأنه لم يتعلّم الاعتراف بالاختلاف كأمر طبيعي، يلجأ العقل الباطن إلى حماية الذات عبر آلية تعرف في علم النفس بـ “الإسقاط” فينقل للآخر ما لا يريد الاعتراف به في نفسه، فيصفه بالخطأ أو الفساد أو الانحراف.
أي أنَّ الكراهية تبدأ من تربية الخوف وهي ثمرة بيئة علّمت الإنسان منذ صغره أنَّ الأمان لا يتحقّق إلا داخل الجماعة المتشابهة وأنَّ المختلف خطر، لا مرآة يمكن أن نتعرّف فيها على اتّساع الإنسان فينا. فعندما يظهر التعصب ضد فئة دينية أو عرقية أو فكرية، كثيرًا ما يكون الدافع الخفي هو الخوف من التهديد بالزوال أو فقدان المكانة والهوية.
ينتشر خطاب الكراهية في البيئات التي تفتقد للحوار والنقاش الحرّ، فحين تغيب المساحات التي تسمح بالاختلاف والتفكير النقدي، تتحول الهوية من مساحة للتعايش إلى درعٍ للدفاع والخوف من الآخر.
وتتجلّى خطابات الكراهية في وسائل التواصل الاجتماعي وفي الواقع اليومي من خلال ممارسات تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنَّها تحمل في عمقها خطرًا كبيرًا مثل التحريض ضد جماعات دينية أو عرقية بوصفهم «أقل إنسانية»، أو السخرية من لهجاتهم وأصولهم عبر نكات وصور مهينة، والتعميم السلبي الذي يُحمَّل فيه ذنب فرد واحد لجماعة كاملة، إضافة إلى التحريض ضد الوافدين وتصويرهم عبئًا أو خطرًا، والحملات المنظّمة عبر الوسوم التي تستهدف أشخاصًا أو جماعات لمجرد اختلافهم في الرأي أو المعتقد.
وهكذا يتحوّل الفضاء الرقمي والاجتماعي إلى مساحة ينتشر فيها الخوف والانقسام بدل الفهم والاحترام، ليكشف جوهر خطاب الكراهية: حين تُستبدل المعرفة بالظنّ، والحوار بالخوف، والفضول الإنساني بالاتهام، بينما تبدأ مقاومته الحقيقية بالوعي والمسؤولية في الكلمة، وبالقدرة على رؤية المختلف بوصفه جزءًا من إنسانيتنا لا تهديدًا لها.
ولا يمكن مواجهة الكراهية بالكراهية، بل بلغةٍ تُطفئ نارها وتفتح باب الفهم، يبدأ تفكيك خطاب الكراهية عندما ننظر إلى الآخر كفرصة للتعلّم، وعندما نحوّل الكلمة من الهجوم والانفعال إلى الحوار والتفكير.
لهذا تلعب التربية والفن والوعي النقدي دورًا أساسيًا في بناء لغة جديدة، لغة تُعبّر عن الحياة والانفتاح بدل الخوف والانغلاق. فالفن قادر على كسر دائرة الكراهية لأنَّه يخاطب الإنسان في عمقه، فهو لا يقدّم خطابًا مباشرًا، ولكنَّه يوقظ الإحساس، ويفتح مساحة للتأمل والمشاعر المشتركة، فعندما نرى فيلمًا أو نسمع أغنية أو نشاهد لوحة تعبّر عن معاناة إنسان مختلف عنا نبدأ في الشعور بما يشعر به، ومع هذا الإحساس تسقط المسافات بيننا وبينه.
الفن يصنع الجسور التي تعجز السياسة أو الخطابات الفكرية عن بنائها، وقد تجلّى ذلك في رواياتٍ عالمية، مثل رواية البؤساء لـ فيكتور هوغو، التي تُنمّي التعاطف مع الفقراء والمهمَّشين، وتقرّب القارئ من أشخاصٍ ينتمون إلى بيئاتٍ وثقافاتٍ مختلفة، فتوسّع أفقه الإنساني وتُضعف أحكامه المسبقة تجاه الآخر.
الفن لغة القلب التي تذكّرنا بأنَّ الإنسان واحد مهما اختلف شكله أو لغته أو إيمانه. لذلك؛ كل عملٍ فنيّ صادق هو مقاومة صامتة للكراهية، لأنه يعيدنا إلى إنسانيتنا، ويذكّرنا أنَّ الجمال لا يعيش إلا في ظلّ المحبة.
خطاب الكراهية ليس شيئًا حتميًا، إنَّه نتيجة لغياب الوعي والقدرة على التفكير الحرّ، ومواجهته تكون بتغيير الكلمات والتي يسبقها تغيير نظرتنا للإنسان وللحياة، فحين نتعلم أن نصغي للآخر بصدق، يقلّ الخوف ويختفي العداء.
إنَّ مقاومة الكراهية رحلة لاكتشاف إنسانيتنا المشتركة، رحلة تذكّرنا بأنَّ الرحمة والفهم هما الطريق الحقيقي للعيش معًا بسلام، فهل نملك شجاعة أن نرى المختلف مرآةً لا تهديدًا؟
استجابات