حين يصبح الظن وعيًا زائفًا

هل سبق أن شاهدتَ مقطعًا قصيرًا أثار انتباهك، فبادرتَ إلى نشره لأنه لامس فيك معنى أو أثار دهشة؟ ثم لم تَمضِ لحظاتٌ حتى بدأت التعليقات تصل: هذا المقطع قديم… أو غيرُ دقيق… أو صُنِع بالذكاء الاصطناعيّ. في تلك اللحظة، يتسلّل سؤالٌ هادئ إلى الداخل: هل كان يمكن أن أَتَرَيَّث قليلًا قبل النشر؟ وهل ما نقلتُه كان معرفةً أم انطباعًا عابرًا؟

في مثل هذه المواقف اليومية، تتجلّى لنا دقّةُ التوجيه القرآنيّ في قوله تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: 36)

ففي عصرٍ تتكاثر فيه المعلومات، لم تَعُد المشكلة في نقص المعرفة، وإنما في جُرأة الحكم. ولم يَعُد السؤال: ماذا نعرف؟ إنّما كيف نحكم بما نعرف؟ فقد أصبحنا نملك معطياتٍ أكثر من أيّ وقتٍ مضى، ومع ذلك نزداد استعجالًا في الاستنتاج، وكأننا في دوّامةٍ صاخبةٍ وسط المعرفة.

هذه الآيةُ تؤسّس لقاعدةٍ معرفيةٍ وأخلاقيةٍ في آنٍ واحد: لا تتبنَّ موقفًا قبل أن يكتمل لديك العلمُ به. فالقرآنُ يدعو إلى النظر والتفكّر، ويحثّ على السعي للفهم، لكنه في الوقت ذاته يُحذّر من حالةٍ دقيقة: أن يتحوّل البحثُ إلى يقينٍ سريع، والظنُّ إلى موقف.

لذا فإنّ التقفّي الذي تنهى عنه الآية هو الانحيازُ لمعلومةٍ غير مكتملة، ثم البناء عليها وكأنها حقيقة. فهو استعجالٌ في الوصول إلى النتيجة قبل اكتمال الصورة، بينما البحثُ الحقيقيّ يحمل في داخله تواضعًا، ويترك مساحةً لاحتمال الخطأ، ولا يُسارع إلى إصدار الأحكام.

وتختم الآيةُ ببيانٍ يلفت الانتباه: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾
وكأنّ المعرفة لا تتكوّن من معلومةٍ واحدة، وإنما تمرّ عبر ثلاث بوّابات: ما نسمعه، وما نراه، وما نفسّره في داخلنا. وهذه البوابات ليست دائمًا صافية؛ فقد يشوبها نقصٌ أو تحيّزٌ أو تأويلٌ غيرُ دقيق.

وفي واقعنا اليوم، تظهر آثارُ ذلك بوضوح. في بيئةِ العمل قد تتحوّل ملاحظةٌ عابرة إلى قناعةٍ راسخة، وفي العلاقات قد يُفسَّر الصمتُ على أنه موقفٌ سلبيّ، وفي التربية قد تُحمَّل كلمةُ طفلٍ نقلها معنىً أكبر من حقيقتها. تتصدّع علاقات، وتُبنى جدران، ليس بسبب الوقائع، وإنما بسبب التفسير.

ولا يقف أثرُ هذا التوجيه عند حدود العلاقات الشخصية أو بيئة العمل، بل يمتدّ إلى حياة المجتمع بأكمله، خاصّةً في الأوقات التي يَشتدّ فيها التوتّر وتكثر فيها الروايات المتداولة. فكثيرٌ من الأزمات لا تبدأ من الوقائع نفسها، وإنما من تتبّع ما يُقال عن فئةٍ من الناس، ثم التعامل معه وكأنه حقيقةٌ مكتملة.

حين تنتقل الأخبارُ والانطباعات بين الناس دون تحقّق، تتسلّل الشكوكُ إلى النفوس، وتتّسع المسافاتُ بين مكوّنات الوطن الواحد، ويصبح الظنُّ مادّةً جاهزةً لصناعة الانقسام. ولو استشعر كلّ فردٍ مسؤوليته أمام سمعه وبصره وفؤاده، كما تُذكّرنا الآية، لخفّت حدّةُ كثيرٍ من التوترات التي تتغذّى على التفسير المسبق وسوء الظن.

إنّ مجتمعًا يلتزم بهذا الأدب القرآنيّ في التثبّت، ويُقاوم الانجرارَ وراء الروايات غير المتحقّقة، يصون نسيجه من تصدّعاتٍ نحن في غِنى عنها، ويَحفظ للأزمات حدودها دون أن تتحوّل إلى شرخٍ في الثقة أو السكينة العامّة.

وليس أثرُ التقفّي خارجيًّا فقط، بل يمتدّ إلى الداخل. فحين تتراكم الظنون، يتحوّل الإنسانُ إلى مراقبٍ دائمٍ للنوايا، يقرأ ما لا يُقال، ويُفسّر ما لا يحتاج إلى تفسير، فيُرهِق نفسه قبل غيره. بينما التثبّتُ يمنح القلبَ راحة، ويُعيد للعقل توازنه.

وهنا تتجلّى قيمةُ فضيلةٍ يغفل عنها كثيرون: القدرة على قول “لا أعلم”. هذه الكلمة ليست نقصًا، وإنما وعيٌ بالحدود. فالنضجُ لا يُقاس بكمية ما نعرف، وإنما بقدرتنا على التمييز بين ما نعلمه حقًّا، وما نظنّ أننا نعلمه.

وفي زمنٍ تتسارع فيه الروايات، وتُبنى فيه القناعاتُ بسرعة، قد يكون أعظم أشكال الوعي أن نتوقّف لحظة…
قبل أن نتّبعَ ما لم نُحطْ به علمًا.

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *