خلف الحكايات: السنن التي تصنع مصير الأمم

حين نقرأ التاريخ الإسلامي، نشعر وكأننا نُقلّب ألبومًا من الصور؛ وجوهٌ بطولية، معارك ضارية، فتوحات تخطف الأبصار، وهزائم مؤلمة، غير أنّ ما يختبئ خلف هذه الصفحات هو المعنى الإنساني العميق الذي تنبض به كلّ تجربة. فقد تعاملنا مع التاريخ كثيرًا كقصة بطولات، ونسينا أنَّه ذاكرةٌ تختبر إنسانيتنا كلّ مرةٍ نقف فيها بين نداء الضمير وإغراء المصلحة.

وفي المنظور القرآني تُروى القصص والأحداث لتعلّمنا السنن الإلهية التي تحكم الحياة، ولتجعل من الماضي درسًا للحاضر ودليلًا للمستقبل، وتذكيرًا بمسؤولية الإنسان في تطبيق تلك القوانين والإفادة من دروسها.

وما نراه اليوم في واقعنا المعاصر استمرارٌ لتلك السنن التي تحدّث عنها الوحي. والتي تتكرر بصيغ جديدة في حياتنا اليومية؛ في الاقتصاد والبيئة والسياسة والتعليم. فحين يقام العدل والمساءلة تزدهر الأوطان، وحين يغيب الميزان يختلّ العمران ويعمّ الفساد. 

يقول تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ (الحشر: 2) وهذه الدعوة لا تقتصر على استحضار مشهد بني النضير كمجرد واقعة ماضية، بل تهدف إلى إدراك القانون الذي حكم مصيرهم: من تعالَى بالباطل سقط رغم حصونه.

وفي قصة فرعون وموسى أيضًا لا يهتم القرآن بتفاصيل الأنهار أو قصور البلاط، وإنَّما يوجّه النظر إلى السنّة التي تتكرر في كل زمان، ليعلّم الإنسان أنَّ مجرى الأحداث ليس صدفة، بل نتيجةٌ لقوانين ثابتة تُعلي من شأن العدل وتُسقط من استكبر بالظلم.

هذه النظرة القرآنية يمكن أن تمتدّ من فهم النص إلى فهم التاريخ نفسه. ففي التعليم مثلًا يمكن تحويل دراسة التاريخ من حفظ الأحداث إلى تحليل القوانين؛ فيسأل المعلّم تلاميذه: ما العوامل النفسية والاجتماعية التي جعلت حضارة الأندلس تنهض ثم تسقط؟ وكذلك يمكن النظر في انهيار الإمبراطورية الرومانية التي بلغت أوجها بالعلم والعمران، ثم انحطّت بالترف والصراع الداخلي؛ فالقانون الإلهي واحد لا يفرّق بين أمة وأخرى، بهذه الطريقة يتحوّل التاريخ من مادة للحفظ إلى وسيلة لتنمية العقل والنقد.

ومع تعاقب العصور تحوّلت تلك النظرة التأملية إلى روايةٍ تمجّد الوقائع أكثر مما تستكشف معانيها. فالمرويات التاريخية التي صاغت الذاكرة الإسلامية – في كتب الطبري والمسعودي وابن كثير وغيرهم – كانت جهدًا ضخمًا في التوثيق، لكنّ كثيرًا منها تحوّل إلى سردٍ بطوليّ يغلب عليه طابع الأسطورة. فقد جرى تضخيم الأشخاص والأحداث حتى غاب المعنى الإنساني العام الذي يربط بين التجربة والقانون.

ومن هنا يغيب جوهر العِبرة الحقيقي؛ فهي ليست خبرًا يُضاف إلى الذاكرة، بل تحوّل في زاوية النظر يجعل الإنسان ينتقل من متابعة التفاصيل إلى إدراك المقاصد التي تنظّم سلوكه وسلوك مجتمعه.

ويبدو ذلك واضحًا في مثال غزوة أُحد؛ إذ تُختزل أحيانًا في «هزيمةٍ عوقب بها الصحابة»، من غير تأملٍ في سنّة التداول والابتلاء، وفي حتمية المسؤولية الجماعية التي يذكّر بها قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ (آل عِمران: 165).

وهذا المثال يبيّن أنَّ المطلوب ليس إعادة رواية الوقائع، بل قراءة العلاقة بين السلوك والنتائج؛ فذلك قانونٌ يتكرّر في كل عصر، لا حدثٌ عابر في زمنٍ مضى.

لهذا تبرز الحاجة إلى استعادة المعنى السنني للتاريخ، لننتقل من النقد إلى البناء، ومن تفكيك الأزمة إلى وضع منهجٍ جديدٍ للفهم. 

أما التحوّل المقترَح هو أن نستبدل «الماضي المرويّ» بـ«الماضي المدروس». فالتاريخ يُفهم على ضوء مفهوم السنن في القرآن، التي حكمت حياة الأمم وحضاراتها كالعدل، والشورى، ومحاسبة الظلم، وتداول القوة وهي مبادئ ثابتة تمثل ضوابط العمران الإنساني.

وفي ضوء ذلك يصبح دور الباحث أو المفكر أن يستنطق هذه السنن في التجارب التاريخية: فقيام الحضارة الإسلامية في المدينة لم يكن صدفة ولا معجزة، إنَّه ثمرة تطبيق مبدأ التكافل والعدل وحرية الضمير. أما تراجعها في عصور الاستبداد فلم يكن قَدَرًا، بل نتيجة تعطيل سنّة الشورى وتمجيد السلطة.

إنّ التاريخ مرآة للواقع؛ وكلما أدرك الإنسان القوانين التي تحكمه، تحرّر من التبرير الغيبي واكتسب قدرة على الإصلاح الاجتماعي والسياسي. وهذه السنن لا تخص الماضي فحسب، وإنَّما نراها تعمل اليوم في حياتنا اليومية.

ففي الميدان الاقتصادي مثلًا يتجلّى أثر السنن بوضوح: عندما تُدار الثروات بعدلٍ ويُكرَّم العمل وتُصان كرامة الإنسان تزدهر البلدان، أمّا حين يُحتكر المال ويُهمل العمل والجد والاجتهاد يختلّ الميزان وتضيع مقاصد التنمية.

لقد جرّبت أممٌ كثيرة صدق هذه السنن فنهضت بالعلم والانضباط، بينما تدفع شعوب أخرى ثمن الاكتفاء بالشعارات دون جهدٍ حقيقي. فالخلل ليس في قلة الموارد، بل في غياب العدل والشفافية في إدارتها.

وعلى الصعيد البيئي يبرز قانون التوازن، فالتغيّر المناخي، والتصحّر، وتلوّث المياه والهواء ليست حوادث عشوائية، وإنَّما تجليات لقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ (الروم: 41).

إنّ الإفراط في الاستهلاك والجشع الصناعي والاستخفاف بالموارد الطبيعية كلّها صور من الفساد الذي يعيد التوازن قسرًا عبر كوارثه وإنذاراته. ولم يعد هذا القانون يُقرأ في المصحف فقط، وإنَّما يُتابع في مؤتمرات المناخ وتقارير العلماء؛ فالسنن التي نطق بها الوحي صارت اليوم لغة العلم ذاته: من يخرق ميزان الكون، يقع تحت قانون إصلاحه الإجباري.

يُقال إنّ رجلًا سأَل حكيمًا: كيف أعرف أني فهمت التاريخ؟

فقال: «حين ترى فيه نفسك، لا سيوفهم».

فالماضي لن ينفعنا إلا إذا صار مرآةً للحاضر، وعندها فقط نصبح من أولي الأبصار.

ليس التاريخ سردًا لما انتهى، بل نداءٌ لمن بدأ.

فكلما قرأناه بعين البصيرة ازددنا قربًا من العدل وصدقًا مع الواقع.

وحين يصبح الماضي مُعلّمًا للحاضر، يولد من العِبرة مستقبلٌ أكثر وعيًا وإنسانية.

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *