حين تتيه مجموعةٌ في صحراء، لابدّ أن تسلك درباً ما، هذا الدرب ستوطّئه خُطى المسير، وسيصير جادّةً للآتين مستقبلاً، لتعبُّده من كثرة المشي، لا لأنّه أفضل درب وأقصره، بل لطروئه تلك اللحظة التاريخيّة اتّفاقاً على دماغ أحدهم، فحسب!

هكذا معظم الخيارات التي صارت سنّةً، قواعد، مذاهب، ومنها (الديمقراطية) كأفضليّة متاحة بين خيارات يومها، اختراعٌ الحاجةُ أمُّه، سلعةٌ وبرنامجٌ تطبيقيّ كـ(الويندوز) قد تجِد له منافسين أفضل.

اليوم، يكاد الجميع يُجزم أن لا خيار لنا سوى الديمقراطية، وكلمة (ديمقراطية) نُحصيها كأكثر الكلمات شيوعاً وتداولاً، طبعاً مع أختها، كلمة (إرهاب)!

فتحسيننا خيار (ديمقراطية) مقابل (استبداد)، أمرٌ محسوم، لكنْ لو تجاوزنا اسم (ديمو-قراطية) التي ترجموها (حكم الشعب)، وهي لا تعني إلاّ (الناس المسجّلين) أي السجلّ السكاني (المواطنة) يومئذ، وتجرّدنا من البعد الفلسفي والتاريخي للديمقراطية، وعن أشكال الممارسات (الديمقراطية) الدوليّة الصائب منها والخائب، وتركنا الجدل في مسلّمات مفاهيمها وأصولها التي أنتجتها، للاختصار، فإنّ الديمقراطية بوصفها اليوم نظام حكم وسياسة دولة، هي فنّ إدارة اختلاف وصراع، يعتمد نفي العنف، والتماس قبول سطحيّ لأكثريّة الناس، نوعٌ من تعاقد اجتماعيّ لتسيير أمورهم بمجالهم الحيوي وثرواته لرخائهم وأمنهم وحفظ حقوقهم الرئيسيّة، بمسمّى (إرادة الشعب)، عبر ممثّلين ينتخبونهم يُسيّرون إدارة وطنهم (تشريعيا، تنفيذيا، قضائيا)، الديمقراطية منهج تراضٍ إداريّ للسلطة ليس إلاّ.

أمّا في أجواء بيوتنا ومؤسّساتنا، فمبادئ التراحم والتسامح والتشاور والتعاون والثقة والإحسان والإخلاص والخدمة وحُسن الإدارة، تكفينا عن تحضير (الديمقراطية) كوصفة لكلّ الأوجاع!

فلو عُدْنا إلى صحرائنا الأولى، وتغاضيْنا وجود وطء أقدام لطريقٍ معيّن، هل نستطيع التفكير ثانيةً بتجرّد، بشيء غير (الديمقراطية)؟! بطريقٍ أقصر مثلاً؟!

من حيث واقع جشعنا، حبّنا للتملّك والسلطة والأتباع، عدم تسامحنا، ميلنا لحسم الأمور بالعنف، كراهتنا للآخر، ضمور إنسانيّتنا، تحزّبنا، تكالبنا على المادّة، تشنّجنا في الرأي والدين الحزبيّ، فساد اعتقادنا بالله والكون وجهلنا بأنفسنا، واقعٌ مريضٌ كهذا، أثبت أنّ الديمقراطية حلّ واقعيّ ومطلوب، لنزع فتيل الأزمات، الديمقراطية تقييدٌ للوحش لا ترويضه، احتيالٌ في الممكن المتردّي المأزوم، وليس أفضل حال.

فلنفكّك أصول (غايات) الديمقراطية، ولننسَ (قدسيّتها!) لوهلة، ونتساءل: ماذا نريد؟ أليس حرّية دون عدوان، أمن، عدل ومساواة، صيانة الكرامة والحقوق، تكافؤ فرص، إدارة حكيمة مأمونة للبلاد، صيانة أخلاقنا وديننا، رخاء اقتصادي، سلم اجتماعي، رفاه وضمان مستقبلي للأجيال؟!

هذا لبّ ما تريده الناس في الحقيقة، لا التدخّل في السياسة كهواية، فلو كان كلّ الناس ساسة فأين المُساسون؟ الناس تبتغي الأمن على مصائرها، وهي اليوم تشعر بالتهديد، وربّما لديها حياة بائسة فعلاً، فيستغلّها المتنافسون في السياسة بيادق وأدوات ضغط، مركباً لمآربهم غالباً، عبر التسلّق (الديمقراطي) والخداع بالشعارات، والمتاجرة بقضاياها، وبيْع معسول الكلام والأحلام، وهو الحاصل دائماً بكلّ مكان.

العجيب، أنّ توفير تلك الضرورات بدون (ديمقراطية) ليس بعسير، لكنّه يقتضي تخفيف شرور نفوس البشر، ومسح أكثر البرمجات الحزبية والطائفية والدينية والسلطوية، المنفوثة في عُقَد الناس لتحريشها فتتصارع، فبهذا الحال (الديمقراطية هي الحلّ)، أو أحد الحلول المؤقّتة بإلحاح.

إنّ توفير ثقافة مُزيلة لشرور الناس هو العسير، وجِدّاً، سيّما وأنّ أبواقاً تصخّ السماء باسم الولاء والفخر وربّما الدّين، تصرخ بقدسية الشرور وبوجوب الخصومات شرعاً، سيّما وأنّ السلطات التاريخيّة لا ترضى بالمنافسة للترجّل لإصلاح حقيقيّ جذريّ، سيّما وأنّ الأنظمة تفرّق وتخوّف لتظلّ تسود، سيّما وأنّ الناس لا تثق بمن يتولّى عليهم، ويظنّونه يركبهم ليهرسهم، لأنّه هكذا دائماً!

لكن، نزولاً من هذا الخيال السامي إلى واقعنا (البشري) المرّ، لنتداوى بالديمقراطية، فما دامت الديمقراطية تُطوّر نفسها، وما دُمنا نعرف مطالب الناس الحقيقيّة، نعرف داءنا ومادّيتنا وأنّ الذي سيركب السلطة النيابية أو الوزارية، قد يُودّع صلاحه للوجاهة والراتب المغريّ والتقاعدي الجشع، إن لم يكن هذا غرضه منذ البدء، فنقترح اقتراحاً أصوب وأزكى:

أن ينتخب الناس ممثّليهم في المناطق ليُخرِجوا عقلاءهم، هؤلاء العقول ولنفرضهم (ثلاثين)، بمثابة (مجلس شيوخ)، يضع مستعيناً بخبرات عالميّة نزيهة معايير النائب التشريعي، والوزير التنفيذي؛ خُلقه، وعيه، وطنيّته، نزاهته، مشاركته، حبّه الخدمة … يُحدِّد نوعية المطلوبين بحسب المصلحة، ويُحدّد راتب شاغل الوظيفة، ليوازي راتب مدير المدرسة لا أكثر، رعايةً للنزاهة والوطنيّة والمال العام! ثُمّ تُعرَض المناصب كوظائف على الناس رجالاً ونساءً، ويقوم المجلس بالمفاضلة بين الذين يجتازون تلك المعايير ثمّ تعيينهم، سنحظى عندها بنوّاب من كلّ مشرب واختصاص، في مؤسّسة قرار، شرطها الأوّل الصلاح اللائق بالمجتمع، وسننأى بالوزارات وبالنواب، عن متاهات التسييس بين سلطة ومعارضة، وعن طائفية، وحزبية، ومناطقية، وتضليل الناس، وغطرسة الكثرة، لتُولَد إدارةٌ ناجحةٌ كالشركات برامجها علمية وتخضع لاستطلاعات آراء الناس، وطنيّة فعّالة بلا صخبٍ، توفّر مطالب كلّ الناس، لا الأكثرية فقط، بهذا سنضع كلّ أحصنتنا أمام العربة لتسير قافلة التقدّم والصلاح، بدلاً من ربْطها بكلّ الاتّجاهات، وعربة البلاد والعباد تتقلقل في المنتصف من الشدّ والجذب وكثرة (الفحْص) والمصاهلات!

شارك بتعليقك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.

عصى آدم..الحقيقة دون قناع
  • معصية آدم، نموذج لمفردة في البناء المعرفي! وحلها سيعيد لإنساننا خارطة نفسه وهويته الضائعة وهدف وجوده
  • معرفة هذه الحقيقة صدمة تعيد الوعي، نعقد بها مصالحة بين التراث والمستقبل لنعيش لحظة الحاضر بيقظة أننا على جسر التحول الإنساني، الذي بدأ في الأرض بالإنسان الهمج ليختتم بالخليفة "الإنسان الإنسان"
مسخ الصورة..سرقة وتحريف تراث الأمة
  • أخذت الحركة الصهيونية على عاتقها غرس دولة لليهود في خاصرة الأمة فزوروا التاريخ العربي ونسبوه لليهود
  • اختلقوا لغة بسرقة إحدى اللهجات القبلية العربية البائدة وأسموها اللغة العبرية
  • أقحم الدين والتاريخ للسيطرة على عقول الناس ونقلت رحلات الأنبياء من مواقعها ليأسسو لاحتلال فلسطين فساهم هذا التزوير في مسخ صورة العربي والمسلم في الثقافة الغربية
مفاتيح القرآن و العقل
  • إذا كان كلام الله واحداً ودقيقاً، كيف حصل له مائة تفسير؟
  • ماذا لو كانت أمتنا تقرأه وتترجمه معكوساً، كلبسها إسلامها مقلوباً؟
  • أصحيح هذا "المجاز" و"التقديرات"،و"النسخ" و"التأويل" و"القراءات"؟
  • هل نحن أحرار في قراءة القرآن وتدبره أم على عقولنا أقفال؟
نداء السراة..اختطاف جغرافيا الأنبياء
  • ماذا يحدث عندما تغيب حضارة عريقة
  • هل تموت الحقيقة أم تتوارى عن الأنظار لتعود .. ولو بعد حين؟
  • هل تقبل بلاد وادي النيل بعودة حضارة القبط الغريبة؟
  • هل تقبل نجد بعودة موطن آباء الخليل إبراهيم وبنيه إسحاق ويعقوب؟
الخلق الأول..كما بدأكم تعودون
  • إن البشر الأوائل خرجوا قبل مئات آلاف السنين من "قوالب" الطين كباراً بالغين تماماً كالبعث
  • جاء آدم في مرحلة متأخرة جداً من سلالة أولئك البشر اللاواعي، فتم إعادة تخليقه في الجنة الأرضية ونفخ الروح فيه
  • آدم أبو الناس ليس هو آدم الرسول الذي أعقبه بمئات القرون
الأسطورة..توثيق حضاري
  • الأساطير وقائع أحداث حصلت إما من صنع الإنسان، أو من صنع الطبيعة، أو من صنع السماء
  • لكل اسطورة قيمة ودلالة وجوهراً وتكمن فيها أسرار ومعاني بحاجة إلى إدراك وفهم
  • من الضروري العودة إلى اللغة العربية القديمة بلهجاتها المختلفة لفك رموز الأساطير التي غيب الكثير من مرادها ومغازيها
التوحيد..عقيدة الأمة منذ آدم
  • لو أنا أعدنا قراءة تراثنا بتجرد لأدركنا حقيقة اليد الربانية التي امتدت لإعداة الانسان منذ خطواته الأولى على الأرض بما خطت له من الهدى
  • التوحيد منذ أن بدأ بآدم استمر في بنيه يخبو حيناً ويزهو حيناً آخر، ولكنه لم ينطفئ
بين آدمين..آدم الإنسان وآدم الرسول
  • هل هما (آدمان) أم (آدم) واحد؟
  • من هو (آدم الانسان) الأول الذي عصى؟
  • من (آدم الرسول) الذي لا يعصي؟
  • ماهي شريعة (عشتار) وارتباطها بسقوط آدم الأول حين قارب شجرة المعصية؟
طوفان نوح..بين الحقيقة و الأوهام
  • ما قاله رجال الدين والمفسرون أعاجيب لا يقبلها المنطق ولا العقل السليم في محاولتهم لإثبات عالمية الطوفان
  • استثمر المستنفعون من اليهود هذه القضية ليبتدعوا القضية السامية ويرجعوا نسبهم إلى سام بن نوح (ع)
  • قضية طوفان نوح (ع) لا تكشف التزوير اليهودي فحسب، بل تضع يدها على موضع الداء في ثقافة هذه الأمة