على جسر الذاكرة: كيف نصالح الماضي ونمضي؟

في مساءٍ عاديٍّ من أمسيات هذا العصر السريع، كان شابٌّ يجلس في مقهى صغير يتأمل صورًا قديمة على هاتفه.
صورةٌ من أيام الدراسة، ضحكاتٌ واسعة، ووجوهٌ لم تمسّها بعدُ مسؤولياتُ الحياة. ابتسم قليلًا، ثم تنهد. سأل نفسه:
هل كانت تلك الأيام أجمل فعلًا، أم أن الذاكرة تضع عليها ضوءًا أدفأ مما كانت عليه؟

في الطاولة المجاورة، كانت أمٌّ تحكي لابنتها عن “الزمن الجميل”، تتحدث عن بساطة العيش، ودفء العلاقات، وهدوء الأيام. كانت الابنة تستمع باهتمام، لكنها تنظر حولها إلى عالمٍ مليءٍ بفرصٍ لم تكن متاحةً من قبل. ربما لكلِّ زمنٍ جمالُه، حتى لو اختلف شكلُه.

هكذا يعيش كثيرٌ منَّا بين حنينٍ يشدّنا إلى الأمس، ويومٍ حاضرٍ يطالبنا بالعمل، ومستقبلٍ ينتظر ما سنفعله به. نحن نقف جميعًا على جسرٍ بين ما كان وما سيكون.

اليوم لم يعد الماضي بعيدًا، فهو في هواتفنا، في إشعاراتٍ تذكّرنا بما نشرناه “في مثل هذا اليوم”. وتشير تقاريرُ حديثةٌ إلى أن نسبةً كبيرةً من المستخدمين يتفاعلون يوميًّا مع محتوى يُعيدهم إلى ذكرياتهم الرقمية (1). كأنَّ الأمس يزورنا باستمرار. لكن المشكلة ليست في أن نتذكّر، بل في السقوط في المقارنة. دراسةٌ من جامعة ستانفورد تشير إلى أن الإفراط في استرجاع الصور القديمة ومقارنتها بالحاضر قد يرتبط بانخفاض الشعور بالرضا عن حياتنا الحالية (2). فحين نقارن يومًا عاديًّا من حياتنا بلحظةٍ مميزةٍ من الماضي، يبدو الحاضر أقلَّ إشراقًا، وقد ننسى أن الماضي نفسه لم يكن خاليًا من القلق والتحديات.

الذاكرة بطبيعتها تختار، فتُضيء اللحظاتِ الجميلة وتخفف من حِدّة التفاصيل الصعبة، لذلك نحتاج أن نتعامل معها بوعيٍ، لكي نستطيع أن نراها كما هي: فيها الفرح، وفيها الألم، وفيها الدروس.

القرآن يضع قاعدةً واضحةً تساعدنا على هذا التوازن:
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ (سورة البقرة، الآية 134).
فمن سبقونا لهم أعمالهم وتجاربهم، ونحن لنا أعمالنا وتجاربنا؛ فلا نعيش على أمجادهم، ولا نظل أسرى نزاعاتهم، فلكل زمنٍ مسؤوليته، ولكل إنسانٍ سعيه.

هذا لا ينطبق على الأفراد فقط، بل على المجتمعات أيضًا. كما أن الذكريات الشخصية لا يجب أن تتحول إلى قيود، كذلك الخلافات التاريخية لا ينبغي أن تتحول إلى خطوطٍ فاصلةٍ بين أبناء الحاضر.

أتذكّر شابًّا عربيًّا قال لي يومًا إنه فقد صديق طفولته بسبب نقاشٍ حادٍّ حول حادثةٍ تاريخيةٍ وقعت قبل قرون. لم يكن أيٌّ منهما قد عاش تلك المرحلة، ولم يكن بينهما خلافٌ شخصي، لكن كلماتٍ متداولةً على وسائل التواصل أشعلت جدلًا، ثم تحولت إلى قطيعة. وبعد سنوات، قال بحسرة: “اكتشفت أننا اختلفنا حول الماضي، وخسرنا الحاضر”.

مثل هذه القصص تتكرر بصمت، لذلك علينا أن ندرك أن ما وقع في زمنٍ سابق، بين شخصياتٍ أو جماعاتٍ، هو جزءٌ من التاريخ، لكنه لا يجب أن يتحول إلى مقياسٍ دائمٍ نصنّف به بعضَنا اليوم، ولا ينبغي أن نُجرّم أهل زماننا بسبب صراعاتٍ لم يعيشوها، ولا أن نجعل من ذكرياتٍ قديمةٍ سببًا في تمزيق علاقاتنا الحاضرة أو تحديد اصطفافاتنا الحالية. فكثيرٌ من الخلافات التي نشأت في سياقاتٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ محددةٍ تحولت مع الزمن إلى هوياتٍ مغلقة، ومع تكرارها في بعض المنابر ووسائل التواصل تُستدعى المشاعر وكأن الأحداث وقعت أمس، وهذا ما يجعل من التاريخ مادةً للاصطفاف بدل أن يكون مادةً للفهم.

الحكمة تقول: من جعل التاريخ سيفًا على أخيه، ضاع في ظله؛ ومن جعله درسًا لقلبه، اجتمع بالناس على نورٍ أوسع. أن تبني اليوم بيدٍ ثابتةٍ لا ترتجف خوفًا من الأمس.

ليست المشكلة في دراسة التاريخ، بل في الطريقة التي نحمله بها؛ فإذا حملناه لنتعلم من أخطاء البشر وحدودهم نضجنا، وإذا حملناه لنوزّع الاتهامات على أهل حاضرنا خسرنا وحدتنا. فنحن في النهاية أبناءُ حاضرٍ واحد، مهما اختلفت قراءاتنا للماضي.

على المستوى الفردي، يؤكد علم النفس أهميةَ “إعادة تأطير الذاكرة”، أي النظر إلى التجربة الماضية باعتبارها مرحلةَ تعلّمٍ لا حكمًا نهائيًّا على حياتنا (5). الفرق أحيانًا ليس في الحدث نفسه، بل في المعنى الذي نعطيه له. والطريقة التي نفسّر بها ما جرى هي التي تحدد إن كان سيبقى عبئًا يثقلنا أم خبرةً تنضجنا، فحين نغيّر زاوية النظر يتغير أثر التجربة في داخلنا. فالتجارب لا تختفي من ذاكرتنا، لكنها تتبدّل في معناها، ومع الوقت، ومع شيءٍ من الوعي والعمل على أنفسنا، تصبح أكثر هدوءًا وأقرب إلى الفهم، فما كان حدثًا مربكًا قد يتحول إلى درسٍ، وما كانت لحظةُ فرحٍ عابرةٌ قد تصبح مصدرَ امتنان، وذلك يعلّمنا ألّا نسكن ذكرياتنا، بل نحملها معنا ونتقدم.

ذكرياتنا، المفرحة والمؤلمة، ليست هويتنا الكاملة، فهي فصولٌ من قصتنا، لا القصة كلَّها.

القرآن يذكّرنا بقاعدةٍ أخرى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (سورة الرعد، الآية 11)،
فالتغيير يبدأ من الداخل، من قرارٍ بسيطٍ بألّا نبقى أسرى صورةٍ قديمةٍ، أو خصومةٍ موروثة، أو تفسيرٍ واحدٍ للحياة.

في عالم الإعلام الرقمي، حيث تنتشر القصص العاطفية بسرعة، يصبح الوعي ضرورةً. وفي هذا الشأن يشير تقريرٌ صادرٌ عن جامعة هارفارد – مركز الدراسات الإعلامية إلى أن المحتوى المرتبط بالمشاعر القوية، خصوصًا الحنين والغضب، ينتشر أسرع من غيره (6). لذلك علينا أن نسأل قبل أن نشارك أو نعلّق: هل ما أفعله يبني وعيًا أم يعمّق انقسامًا؟

الحياة في جوهرها حركة، والتغيّر سنّةٌ من سنن الوجود، ولا شيء يبقى كما هو، لا أحزانُنا ولا أفراحُنا، ولا حتى صورُنا القديمة. ونحن لسنا مطالبين بأن ننسى الماضي، بل أن نضعه في مكانه الصحيح: أن نحمله كخبرة، لا كأغلالٍ معيقة. وأن نتعلم منه بدل أن نتخاصم بسببه، وأن نختلف عليه فهذا مقبول، دون أن نتفرّق بسببه. وأن نذكر التاريخ دون أن نشهره سلاحًا في وجه بعضنا.

كلُّ صباحٍ فرصةٌ لبدايةٍ صغيرة، وربما لا نغيّر العالم دفعةً واحدة، لكن يمكن أن نغيّر كلمةً نقولها، أو موقفًا نتخذه، أو طريقةَ نظرنا إلى الأمور. ومع تكرار الخطوات الصغيرة يتشكّل طريقٌ مختلف، فالعالم لا ينتظر منّا أن نبكي على ما فات، بل أن نضيف شيئًا لما هو آتٍ. وأفضلُ وفاءٍ للماضي أن نصنع حاضرًا أكثر عدلًا ورحمةً ووعيًا.

هكذا نعبر جسر الذاكرة: لا نهدمه، ولا نسكن فوقه، بل نمشي عليه بثبات، وعيونُنا مفتوحةٌ على المستقبل.


الهوامش:
(1) جامعة أكسفورد – معهد أكسفورد للإنترنت، تقرير المشهد الرقمي العالمي 2024، أكسفورد، المملكة المتحدة، 2024، ص 45–52.
(2) جامعة ستانفورد، دراسة الذاكرة الرقمية والرضا عن الحياة، كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأمريكية، 2023، ص 30–39.
(3) جامعة برلين الحرة، التعليم التاريخي والمواطنة النقدية، برلين، ألمانيا، 2023، ص 27–33.
(4) لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)، تقرير الاقتصاد الإبداعي في غرب آسيا، بيروت، 2023، ص 30–38.
(5) جامعة أكسفورد، دراسة إعادة تأطير الذاكرة وأثرها النفسي، أكسفورد، المملكة المتحدة، 2024، ص 22–29.
(6) جامعة هارفارد – مركز الدراسات الإعلامية، تقرير الخوارزميات والعواطف الجمعية، بوسطن، الولايات المتحدة الأمريكية، 2023، ص 55–61.

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *