يبدو أن الإنسان وُلد وفي صدره سؤالٌ لا ينطفئ. فمنذ اللحظة التي رفع فيها رأسه إلى السماء وشاهد برقًا أو نجمًا أو شهابًا يهوي، ارتجف قلبه. لم يكن يفهم بعد ما يراه، لكنه أحسّ أن شيئًا أعظم من كل ما يعرفه يحدّق إليه من هناك. تلك الرجفة الأولى، **ارتجاف القلب أمام الوجود**، كانت بذرةً أصيلةً للدين قبل أن تُمنح له أسماءٌ وكتبٌ وشعائر؛ حضورٌ بسيط ومضيء بين الإنسان وربّه، بين المخلوق وسرّ الوجود.
تجلّت تلك اللحظة حين تجاوبت السماء مع قلبِ محمدٍ ﷺ في غار حراء، حيث كان يعتكف بعيدًا عن صخب مكة وضجيج مصالحها، يُنصت في حضن الطبيعة على قمة الجبل إلى صرير أسئلته الداخلية، حتى جاءه النداء: “اقرأ”. كانت الكلمة نداءً لفتح البصيرة وقراءة الوجود كله: اقرأ نفسك، اقرأ العالم، اقرأ حضور الله في الأشياء. هناك، في غارٍ صغيرٍ تضيئه العزلة، استعاد الدين دهشته الأولى.
بمرور الزمن، تراجعت تلك التجربة الحيّة أمام تمدّد السلطة الدينية والسياسية. استبدلت الجماعة روح البحث بحراسة المعنى والجمود عليه، وامتدّ الخوف من العقاب إلى خوفٍ أشمل من المجتمع، فصار كثير من المؤمنين يرون في الدين سلطة تراقبهم عوضَ أن يكون أفقًا يحرّرهم. أحيانًا يكون اتباع السلطة الدينية بحثًا عن الأمان، وأحيانًا اتباع العرف خشية النبذ، ولكن كلاهما أطفأ شعلة الحرية التي قامت عليها العلاقة مع الله. وهكذا انقلب الدين من حركة تحرّرٍ عميق إلى نسقٍ مغلق، ومن طاقةٍ على الحياة إلى آليةٍ للدفاع عن الذات الجماعية.
وفي قلب هذا التحوّل ظلّ النصّ القرآني يذكّر الإنسان بدعوته الأولى إلى النظر والتأمل:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ (آل عمران 190‑191).
فالجمع بين الذكر والفكر هو ما يفتح الطريق، وهو معبرٌ يسير فيه القلب والعقل معًا إلى الله. وإذا تأملنا قوله تعالى: ﴿وسنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾، سنعرف أنه يرسم مسارين متوازيين نحوه: طريق العقل الذي ينظر في الآفاق، وطريق القلب الذي ينظر في الأنفس. فالتفكير المجرّد من المحبة يورث جفافًا مع الله، والمحبة المنفصلة عن العقل الواعي تسير بلا بوصلة تضبط الاتجاه إلى الله، ولذلك سُمّيت المعرفة في الوحي نورًا، لأنها تضيء الداخل والخارج معًا.
حين يُفهم الدين هكذا، يتحوّل من منظومة معاملات إلى طاقةٍ تقرأ الوجود. تصبح الصلاة تدريبًا على الحضور مع الحق، والصيام تمرينًا على الإصغاء إلى الصوت الداخلي وسط الصخب، والزكاة درسًا في المشاركة وكسر الأنانية، وتصبح كل عبادةٍ حركةَ وعيٍ تعيد الإنسان إلى أصالة وعيه الفطريّ الأعمق. وحين تُؤدَّى بهذه الروح، يصبح الدين بهجة وسعادة، ونافذةً يطلّ منها الإنسان على سرّ الحياة.
من هذا الفهم تتكوّن صيغةٌ جديدةٌ لحضور الدين في واقعنا. فالمشكلة ليست في جوهر العقيدة، بل في الطريقة التي تحوّلت بها إلى شعارِ انتماءٍ أو أداةِ سلطة، ويبدأ التعافي حين نستردّ للدين وظيفته الأصلية: أن يهب الإنسان نورًا داخليًا يقوده في اختياراته، وحين نربّي الأجيال على أن السؤال امتدادٌ للإيمان، وأن العقل رفيق للوحي، وحين يتخلى الخطاب الديني عن الوصائية ويغدو صوتًا مرافقًا للناس، يوقظ فيهم الشكَّ الجميل الذي يقود إلى يقينٍ حيّ، فما كانت رسالة الأنبياء تهدف إلا إلى إيقاظ الضمير قبل سنّ القوانين.
بهذه الروح يمكن للدين أن يعيد المعنى إلى الإنسان المعاصر الذي أرهقه اللهاث والسطحية. فالعالم الحديث أطلق العقل، لكن روحه ما زالت تبحث عن مأوى ومثابةٍ تعود إليها لترتوي؛ لذلك يحتاج إلى لغةٍ جديدةٍ للإيمان تُعيد إليه وجهه الإنساني، ترى في الوحي وعدًا بالرحمة وتعلّمنا كيف نهذّب خوفنا القديم. نحتاج إلى مؤمنٍ يقرأ الكون بعقله ويعانقه بقلبه، يرى في العلم عبادةً، وفي الفنّ صلاةً، وفي العدل رياضةً للنفس عن الظلم.
الفهم القرآني العميق يجعل من كل معرفةٍ طريقًا إلى الله: العلم آيةٌ في الآفاق، والرحمة في الأنفس، والإبداع تلاوةٌ أخرى للوجود. وحين نراها كذلك تتلاشى الحدود بين الروح والعقل، ويقترب المختلفون كباحثين عن حقيقةٍ واحدة.
نستحضر هنا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلَامُ﴾ (آل عمران 19)، حيث يشير في معناه الأعمق إلى أن كلّ تسليمٍ للحق وانفتاحٍ على المطلق هو وجهٌ من وجوه الإسلام الأشمل؛ إسلامٌ يحتضن أطياف النفس الإنسانية في نزوعها نحو الخير والمعنى. عندئذٍ يغدو المؤمن جسرَ طمأنينةٍ بين الأرواح.
بهذا الأفق يكتسب التنوع المذهبي بعده الإنساني، فالتوحيد في جوهره وعيٌ بوحدة الحياة والمصير؛ أن تدرك أن ما حولك يسير نحو الله كما تسير أنت، وعندها فقط تعلم أن العلم والإيمان طريقان متجاوران في مشروع إنسانٍ خُلق ليكون خليفةَ الله في الأرض.
آنَ أن نستعيد تلك الحالة الأولى التي انطلق منها كلّ شيء، فلْنَسأل كما سأل الأوائل، ونتفكّر كما أمر القرآن، ونتحرّر من الخوف الذي جعلنا نحتمي بالشكليات، فالحرية الروحية صفاءٌ من كل ما يحجبنا عن الله.
عندما يتصالح فينا العقل والحبّ نبلغ تلك اللحظة التي وصفها القرآن في الميثاق الأزلي:
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْۖ قَالُوا بَلَىٰ﴾ (الأعراف 172).
تلك الـ”بلى” القديمة المتجددة هي شهقةُ اعترافٍ بالمعنى الكامن فينا وفي كل الوجود؛ نفحةُ الدهشة الأولى التي تجعل الوعي الإنساني يقف على قدميه أمام الله ويقول: أنت الحقّ، وأنا شاهدك.
حين نصغي لصدى تلك الـ”بلى” في أعماقنا، ندرك أن الدين جناحٌ للروح، وشوقٌ إلى المجهول الذي ننتمي إليه، وأن كلّ ما في الحياة من عبادةٍ أو علمٍ أو حبٍّ أو عدلٍ هو صدى الفطرة التي جُبلنا عليها. فكلُّ ما نحاوله في رحلتنا القصيرة هو استعادة تلك الـ”بلى” الأولى، الفطرةِ الأولى، ذلك الاعتراف المملوء دهشةً: أننا عرفنا الله قبل أن نتعلّم اسمه، ومن يوقظ هذه المعرفة في قلبه يعيش إيمانًا نابضًا، وحبًّا يتجدّد كلّ يوم.
فلْتُصغِ الإنسانيةُ من جديد إلى تلك الرجفة القديمة، **رجفةِ القلب أمام الوجود**؛ فلعلّها تجد فيها طريقها إلى الله وإلى ذاتها معًا.
استجابات