في مساءٍ هادئٍ من أمسيات الخريف، كنتُ أجلس مع مجموعةٍ من الأصدقاء في مقهى صغيرٍ يطلُّ على شارعٍ مزدحمٍ بالحياة، نتبادل الحديث حول أمورِ الحياةِ العادية، عندما أخرج أحدُنا هاتفَه وقرأ بصوتٍ مرتفعٍ منشورًا انتشر على وسائلِ التواصل الاجتماعي. كان المنشورُ يحتوي على نصٍّ قديمٍ يدعو إلى “سبِّ أهلِ البدع والوقيعةِ فيهم ومباهتِهم حتى يحذرَهم الناس”، مقدِّمًا هذا السلوكَ على أنه طريقٌ للحسنات ووسيلةٌ لحمايةِ الدين.
ساد صمتٌ قصيرٌ حول الطاولة، ليس صمتَ خوف، بل صمتَ حيرةٍ عميقة. نظر بعضُنا إلى بعضٍ وكأن السؤالَ واحدٌ في أعيننا جميعًا: كيف يمكن أن تكون الكراهيةُ والسبُّ طريقًا إلى الخير؟ وكيف يمكن أن يكون البهتانُ والوقيعةُ في الناس وسيلةً لنشر الرحمة التي جاء بها الدين؟
لم نكن في تلك اللحظة علماءَ أو فقهاء، كنا مجرّد أناسٍ عاديين نحاول أن نفهم كيف نجمع بين ما تعلّمناه من قيمٍ إنسانيةٍ أساسيةٍ وبين نصوصٍ تبدو وكأنها تدعو إلى عكس ذلك تمامًا. شعرنا جميعًا بذلك الانقباضِ الغريب في الصدر الذي يأتي عندما نواجه تناقضًا صارخًا بين ما نؤمن به في قلوبنا وما يُعرَض علينا على أنه جزءٌ من تراثنا الديني. وربما نجد أنفسنا كثيرًا في مواقف مشابهة، عندما نقرأ أو نسمع دعواتٍ تزعم أن إيذاء الآخرين لفظيًّا أو معنويًّا يمكن أن يكون عملًا صالحًا يقرّبنا إلى الله.
الفيلسوفُ الألماني إيمانويل كانت وضع قاعدةً أخلاقيةً بسيطةً لكنها عميقةٌ لاختبار صحة أي سلوك: “تصرف فقط وفقًا لذلك المبدأ الذي يمكنك أن تريده أن يصبح قانونًا عالميًّا” [1].
عندما نطبق هذا المعيار على الدعوات التي تحثّ على سبِّ المخالفين والوقيعة فيهم، نجد أنفسنا أمام تناقضٍ واضحٍ وخطيرٍ. فلو أردنا أن يصبح السبُّ والبهتان قانونًا عالميًّا، فهذا يعني أن كلَّ إنسانٍ سيصبح عرضةً للسبِّ والإهانة من قِبل كلِّ من يختلف معه. تخيّلوا عالمًا يسود فيه هذا المنطق: الطبيبُ يسبُّ المهندس، والمهندسُ يسبُّ الأديب، والشابُّ يسبُّ الكبير… وهكذا في دوّامةٍ لا تنتهي من العداء المتبادل.
دراسةٌ أجراها مركزُ “بيو” للأبحاث على أكثر من عشرة آلاف شخصٍ في خمسة عشر بلدًا أظهرت أن 73% من المجتمعات التي يَشيع فيها خطابُ الكراهية تعاني معدلاتٍ أعلى بثلاث مراتٍ من الاكتئاب والقلق، وأن الأطفال في هذه البيئات يصبحون أكثرَ عرضةً للسلوكِ العدواني بنسبة 60% [2].
ليس هذا مجردَ رقمٍ بارد، بل واقعًا نلمسه يوميًّا. كم مرةً شعرنا بالإرهاقِ النفسي بعد قراءةِ تعليقاتٍ مليئةٍ بالسبِّ على وسائل التواصل؟ كم مرةً أحسسنا أن شيئًا طيبًا في داخلنا قد تلوث عندما شاركنا في حملةِ تشهير؟
المفارقةُ الكبرى أن الذين يدعون إلى السبِّ باسم الدين يتناقضون مع أبسطِ تعاليمه. يقول القرآن الكريم:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [3].
وفي آيةٍ أخرى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [4].
هذه النصوصُ تضع قيودًا واضحةً على طريقةِ تعاملنا مع الآخرين، حتى مع من نختلف معهم.
عندما نقرأ سيرةَ النبيِّ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، نجد نموذجًا مختلفًا تمامًا. فحين أُوذي من أهل الطائف وضُرِب بالحجارة حتى سال الدمُ من قدميه، لم يدعُ عليهم بالسوء، بل قال: “اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون” [5].
هذا الموقفُ يعلّمنا أن القوةَ الحقيقيةَ تكمن في الرحمة، لا في الانتقام.
لعلّنا نتساءل: من أين جاءت هذه النصوصُ التي تدعو إلى السبّ؟
الحقيقةُ أن كثيرًا مما نعدّه اليوم “نصوصًا مقدّسة” لم يكن في الأصل إلّا محاولاتٍ بشريةً لفهمِ الوقائعِ التاريخية في زمانها. ففي القرن الثالث الهجري، عندما كانت الدولةُ العباسية تواجه فتنًا داخليةً وتحدياتٍ فكريةً معقّدة، ظهرت نصوصٌ تدعو إلى “البراءة من المخالف” كوسيلةٍ للحفاظ على تماسكِ الجماعة.
لكن ما كان مناسبًا لزمن الفوضى السياسية قد لا يكون مناسبًا لزمن الحوار والانفتاح.
حين نقرأ التاريخَ بأعيننا لا بعدساتِ الخوف، نكتشف أن فكرةَ “البراءة من المخالف” لم تكن دينيةً صِرفًا، بل سياسيةً واجتماعيةً أيضًا.
المفكرُ الفرنسي رينيه جيرار، الذي درس ظواهرَ العنفِ في أكثر من خمسين مجتمعًا عبر التاريخ، وجد أن الجماعاتِ البشريةَ عندما تشعر بالتهديد تميل إلى البحث عن “كبشِ فداء”، شخصٍ أو مجموعةٍ تُلقى عليها اللومُ ويُبرَّر العنفُ ضدّها للحفاظ على تماسك الجماعة [6].
في أوروبا القرون الوسطى كان اليهودُ كبشَ الفداءِ عند كلّ أزمةٍ اقتصادية، وفي رواندا عام 1994 أصبحت قبيلةُ التوتسي كبشَ فداءٍ للمشاكل السياسية، ما أدّى إلى مقتلِ مليونِ شخصٍ في مئة يومٍ فقط.
هذه الآليةُ النفسية تفسر كيف يمكن أن تتحول الدعواتُ الدينيةُ أحيانًا إلى أدواتٍ لإقصاءِ المختلف.
نحن جميعًا نعرف ذلك الشعورَ الذي ينتابنا عندما نسمع رأيًا يتعارض مع قناعاتنا العميقة: كيف ترتفع حرارةُ أجسادِنا قليلًا، وكيف نشعر بحاجةٍ مُلحّةٍ للدفاع عن موقفنا. لكن الحكمةَ تكمن في كيفيةِ التعامل مع هذا الشعور الطبيعي.
يمكننا أن نعبّر عن اختلافنا دون أن نلجأ إلى السبّ. يمكننا أن نقول: “لا أتفق مع هذا الرأي لهذه الأسباب”، بدلًا من: “هذا الشخص يستحق السبَّ والعداء”. الفارقُ صغيرٌ في الظاهر، لكنه عميقٌ في الأثر.
الإصلاحُ الحقيقي لا يبدأ حين نصرخ ضدّ “المبتدعة”، بل حين نسأل أنفسنا: ما البدعةُ التي نمارسها نحن؟ ربما بدعةُ القسوة، أو بدعةُ التسرّع في الحكم، أو بدعةُ ادّعاء العصمة.
فالأممُ، كالأفراد، تُصاب بالعمى الأخلاقي حين تحوّل النقدَ إلى ثأر، والمراجعةَ إلى اتّهام.
عالمُ النفس الاجتماعي ألبرت باندورا اكتشف في تجاربه الشهيرة أن الأطفالَ الذين يشاهدون نماذجَ عدوانية يصبحون أكثرَ عدوانيةً بنسبة 80% [7].
هذا يعني أنّنا عندما نروّج لثقافة السبّ، فإننا نعلّم الأجيالَ القادمة أن هذا سلوكٌ مقبول.
لكن ماذا يحدث لنا داخليًّا حين نسبُّ المختلف؟ هل نصبح أقرب إلى الله فعلًا؟ أم أننا نُرضي غضبًا عالقًا فينا؟
نخطئ حين نتصور أن السبَّ نوعٌ من الدفاع، لأن الدفاعَ الحقيقي لا يحتاج إلى الجَرح.
الكاتبُ اللبناني أمين معلوف حذّر في كتابه الهويات القاتلة من خطرِ اختزال الإنسان في انتماءٍ واحدٍ ضيّق [8].
عندما نرى الآخرَ فقط من خلال اختلافه عنا، نفقد القدرةَ على رؤية إنسانيته الكاملة.
في جنوب إفريقيا، بعد انتهاء نظام الفصل العنصري، اختار نيلسون مانديلا طريقَ المصالحة بدلًا من الانتقام. أسّس “لجنة الحقيقة والمصالحة” التي ركزت على الشفاء الجماعي بدلًا من العقاب. قال مانديلا في خطابه الشهير عام 1994: “إذا أردتَ السلام، فلا تتحدث مع أصدقائك، بل مع أعدائك” [9].
هذا النموذجُ أثبت أن المجتمعاتِ يمكنها أن تتعافى من جراحها العميقة عندما تختار طريقَ الرحمة.
حين نحتكم إلى ميزان العقلِ والقلبِ معًا، نفهم أن النصوصَ التي تدعو إلى السبّ هي في جوهرها خروجٌ عن الخط القرآني، لا دفاعٌ عنه.
يقول القرآن الكريم:
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٞ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٞ﴾ [10].
ليس في الآيةِ دعوةٌ إلى سبٍّ أو وقيعة، بل إلى أسلوبٍ يدفع بالإحسان في وجه الخصومة، أملًا في تحوّلِ العداوةِ إلى صداقة.
المقصدُ أن نحمي المعنى لا أن نهاجم الأشخاص، أن نحافظ على الحوار لا أن نغلقَه بالصراخ.
وهذا ما يجعل “سبَّ الآخر” وسيلةً فاشلةً في التغيير، لأن العقولَ لا تُفتح إلا بالاحترام، والقلوبُ لا تستقبل النورَ إلّا في مناخٍ من الطمأنينة.
دراسةٌ حديثةٌ شملت 15 ألف شخصٍ في جامعة هارفارد أظهرت أن الأشخاصَ الذين يُمارسون خطابَ الكراهية بانتظام يعانون ارتفاعًا في مستوياتِ هرمون الكورتيزول بنسبة 65%، مما يؤثر سلبًا على صحتهم الجسدية والنفسية [11].
أي إنّ الكراهيةَ تؤذي حاملَها قبل أن تؤذي مَن تُوجَّه إليه.
ربما نحتاج إلى لحظةِ صدقٍ عميقةٍ مع أنفسنا. عندما نشعر بالرغبةِ في الهجوم على رأيٍ مخالف، هل نفعل ذلك حقًّا لأننا نحبُّ الحقيقة، أم لأننا نخاف من أن تهتزّ صورتُنا عن أنفسنا؟
الخوفُ شعورٌ إنسانيٌّ مفهوم، لكنه لا ينبغي أن يقود سلوكنا.
الشجاعةُ الحقيقيةُ ليست في رفعِ الصوت، بل في البقاءِ هادئين وسطَ العاصفة.
في حياتنا اليومية، يمكن أن نبدأ بخطواتٍ بسيطةٍ لكسرِ حلقةِ الكراهية. عندما نقرأ منشورًا يُحرّض على العداء، يمكننا أن نرفض مشاركتَه. عندما نسمع شخصًا يسبّ آخر، يمكننا أن نطلب منه التوقّف.
وعندما نواجه خلافًا في الرأي، يمكننا أن نركّز على الأفكار دون الأشخاص، وأن نستمع قبل أن نحكم.
هذه ليست دعوةً للضعف، بل للارتقاء بأسلوبِ الدفاع عن المبادئ.
كما يمكننا أن نعلّم أطفالنا قيمَ التسامح والعدل، وأن نكون لهم قُدوةً في التعامل الإنساني الراقي. في المدارس، يمكن إدخالُ حصصٍ أسبوعيةٍ لتعليم آداب النقاش: كيف نحترم دورَ المتحدث، وكيف نعبّر عن رأينا دون مقاطعة، وكيف نختلف دون أن نجرح.
تجربةٌ نُفِّذت في مائتي مدرسةٍ فنلندية أظهرت أن معدلَ التنمّر انخفض بنسبة 45% بعد إدخالِ حواراتٍ جماعيةٍ أسبوعيةٍ حول قيمة الاختلاف [12].
وفي أماكنِ العمل، يمكن للمدراء أن يشجعوا على نوعٍ من الاختلافِ الصحي يُدار بالاحترام والمهنية.
لعلّنا نتذكر أن أعظمَ التغييرات في التاريخ بدأت بأفرادٍ عاديين اتخذوا قراراتٍ شجاعة.
عندما رفضت روزا باركس التخلي عن مقعدِها في الحافلة عام 1955، لم تكن تعرف أن قرارها البسيط سيشعل حركةَ الحقوق المدنية في أمريكا.
وعندما دافعت مالالا يوسفزي عن حقِّ الفتيات في التعليم، كانت مجرّدَ طالبةٍ في الرابعة عشرة، لكن شجاعتَها غيّرت نظرةَ العالم لهذه القضية.
وفي اليابان، بعد قنبلتَي هيروشيما وناغازاكي، اختار الشعبُ الياباني طريقَ السلام والبناء بدلًا من الانتقام، فأصبحت اليابان اليوم رمزًا للتقدّم والسلام العالميّ.
هؤلاء الأشخاصُ وغيرهم يذكروننا بأن كلَّ واحدٍ منا يملك القوّةَ لإحداث التغيير، مهما بدا صغيرًا أو عاديًّا.
الحقيقةُ أن كلًّا منا يحمل في داخله القدرةَ على أن يكون جسرًا للتفاهم أو حاجزًا للعداء، وأن يكون مصدرًا للسلام أو بؤرةً للصراع.
والاختيارُ بيدنا في كلّ لحظة، مع كلّ كلمةٍ نقولها، ومع كلّ موقفٍ نتخذه.
عندما نختار طريقَ الرحمةِ والعدل، فإننا نُسهم في بناء مجتمعٍ أكثرَ إنسانيةً، وأكثرَ قُربًا من المثلِ العليا التي نؤمن بها جميعًا.
بعد أشهرٍ من تلك الليلةِ في المقهى، مررتُ صدفةً بالمكان نفسه. دخلتُ لأشرب فنجانَ قهوةٍ سريعًا، ووجدتُ نفسي أجلس بالقرب من الطاولة التي شهدت ذلك النقاشَ المؤرِّق. هذه المرة كان هناك مجموعةٌ من الشباب يتحدثون بحيوية، لكن بنبرةٍ مختلفةٍ تمامًا. كانوا يختلفون في آرائهم حول موضوعٍ دينيٍّ معقّد، لكنهم يستمعون لبعضهم بعضًا باهتمامٍ حقيقيٍّ، يطرحون أسئلةً بدلًا من اتهامات، ويبحثون عن نقاطِ التقاءٍ بدلًا من نقاطِ الافتراق.
استمعتُ إليهم وأنا أشرب قهوتي، وشعرتُ بدفءٍ غريبٍ في قلبي. كانوا يُثبتون أن الاختلاف يمكن أن يكون جسرًا للتفاهم، وأن الحوار يمكن أن يكون طريقًا للحكمة.
في تلك اللحظة البسيطة، تأكدتُ من أن التغييرَ ممكن، وأن العالمَ يمكن أن يصبح مكانًا أكثرَ رحمةً وتفاهمًا، ليس بقراراتٍ كبيرةٍ أو ثوراتٍ عاصفة، بل بخطواتٍ صغيرةٍ يتخذها أشخاصٌ عاديون في لحظاتٍ عادية. أدركتُ أن السؤالَ الحقيقي ليس: “كيف نتفق جميعًا؟”
لأن هذا مستحيلٌ وربما غيرُ مرغوبٍ فيه أصلًا، بل: “كيف نختلف بجمال؟”
كيف نحافظ على تنوّعنا الثريّ دون أن نفقد وحدتَنا الإنسانية؟
كيف نبقى أوفياءَ لقناعاتنا من دون أن نصبح أعداءَ لمن يحملون قناعاتٍ أخرى؟
الجوابُ، كما اكتشفتُ في تلك الرحلة الطويلة من المقهى المضطرب إلى المقهى الهادئ، يكمن في قلوبنا قبل عقولنا؛ في قدرتنا على أن نرى في كلِّ إنسانٍ نلتقيه قصةً معقدةً وجميلة، مليئةً بالأحلامِ والمخاوفِ والآمال، تمامًا مثل قصتنا نحن.
في قدرتنا على أن نتذكر أن وراء كل رأيٍ مختلفٍ إنسانًا يحاول، مثلنا تمامًا، أن يفهم هذا العالمَ المعقدَ ويجد مكانه فيه.
وحين نتعلّم هذا الدرس البسيط والعميق في الوقت نفسه، نكتشف أن الكلمةَ يمكن أن تكون جسرًا بدلًا من سيف، وأن الحوارَ يمكن أن يكون رحلةَ اكتشافٍ مشتركة بدلًا من معركةِ انتصارٍ وهزيمة.
نحن لا نحتاج أن نكون حكماءَ كبارًا لنفهم أن الكراهية لا تصنع أمانًا، وأن السبَّ لا يبني يقينًا. نحن نحتاج فقط إلى شجاعةٍ صغيرة: أن نرى في المختلف إنسانًا قبل أن نراه رأيًا، أن نحبَّ الحقيقةَ أكثر مما نحبُّ الانتصار، وأن نؤمن بأن الرحمةَ ليست ضعفًا بل قوة، وأن العدلَ ليس انتقامًا بل إنصاف.
في النهاية، اكتشفتُ أن أجملَ ما في الإنسان ليس قدرتَه على الكراهية، بل قدرتَه على المحبّة والغفران رغم الاختلاف.
عندما غادرتُ المقهى في تلك الأمسية الثانية، كانت الشوارعُ ما تزال مزدحمةً، والناسُ يمضون في طرقهم المختلفة.
لكن شيئًا في داخلي كان مختلفًا، أكثرَ هدوءًا وسكينة.
ربما لأنني أدركتُ أن الدفاعَ عن القيم يبدأ بأن نجسّدها في سلوكنا، وأن الكلمةَ حين تخرج من قلبٍ مطمئن، يمكن أن تكون بيتًا يسعُ الجميع، لا سيفًا يقطعهم.
ذلك الإدراكُ البسيطُ كان كافيًا ليُغيّر نظرتي للعالم، وليجعل قلبي أكثرَ سكينةً، وحياتي أكثرَ معنىً وجمالًا.
وهو الإدراكُ نفسُه الذي يمكن أن يُغيّر حياةَ كلِّ واحدٍ منا، إذا أعطيناه الفرصةَ ليزهرَ في قلوبنا وعقولنا:
أن الحقيقةَ لا تحتاج إلى كراهيةٍ كي تنتصر، بل تحتاج إلى قلوبٍ واثقةٍ ومحبّةٍ تحملها بلطفٍ إلى العالم.
استجابات