أفنى الصياد سالم عمره في صيد الأسماك بقاربٍ متهالك، معتمدًا على أساليب تقليدية مرهقة، إلا أنه في لحظة تأملٍ أدرك أن تعلّقه بهذا القارب يمنعه من خوضِ المحيط واكتشاف كنوزه، فقرر التخلي عنه ، وحينها تبيّن له أنّ ما تعلّق به طويلا كان عائقًا أمام تحوّله، فلو لم يُجبر على ترك القديم لما اكتشف ( سالمًا الجديد) بقدراته الحقيقية .
تلك القصةُ سواء أكانت حقيقيةٌ أم رمزيةٌ تذكرنا بالحكمة الصوفية: ” في التخلي تجلٍّ” التي تعني أن التخلص من التعلق الزائد بالأشياء أو الأشخاص، والتحرر من الأفكار السلبية والشوائب المصاحبة، هو السبيل إلى اكشاف الحقائق، وأهمها حقيقة النفس. وعندها تتجلى الراحة والهدوء النفسي، وتتاح الفرص تلوَ الفرص.
وفضلا على ذلك فإنّ التخلي يتمثل في التخلص من كل ما يحجب الإنسان عن سلامه الداخلي و هدفه المنشود، كالتخلص من خيانة وعد النفس، والتسويف، وطول الأمل ، وغيرها من العوائق التي تستنزف طاقته. وهو أيضًا استبدال التعلق بالأشياء أيًا يكن نوعها بالعودة إلى السبيل الذي توقف عنده ليرضي الآخرين.
ومن هذا المنطلق نجد أنّ التخلي عن بعض الأشياء أو الأشخاص قد يكون سبيلًا إلى التحرر والنمو. وبالتأمل في مواقف الحياة المختلفة نجد أمثلة كثيرة على ذلك؛ فذلك المريض الذي نراه متقبلا لألمه متعايشًا معه، بل يعدّه جزءًا طبيعيًا من حياته ، ما كان ليصل إلى هذا التوازن لو لم يتخلَّ عن مقاومة ما لا يستطيع تغييره.
وتلك الأم التي تغرسُ في نفوسِ أبنائها قيمةَ الرضا والقناعة ، بدءًا من أبسط الأمور، فتوجههم قائلةً: ” دعوا ما طاب لكم بقيةً لتقهروا بها الهوى” وهي بذلك لا تهدف إلى الحرمان، بقدر ما تسعى إلى تقوية إرادتهم وتعليمهم ضبط رغباتهم.
وكذلك نجد السمّو لدى مَن تخلّى عن القلق والتفكير المستمر في المستقبل، فتتجلى له السكينة والطمأنينة في أسمى صورها.
كما نرى ذلك في أولئك الفتية الذين قرروا وبكامل إرادتهم التخلي عن وسائل التواصل الاجتماعي أو تقنينها فتتجلى لهم قدرة أكبر على التركيز والإبداع والإلهام .
ولعل ذلك يقودنا إلى ما يُعرف بقانون التبسيط في الثقافة اليابانية القائم على مبدأ ” الأقل هو الكثير” ذلك التبسيط الذي يدفع الإنسان إلى التخلص من الماديات الزائدة والتعلقات العاطفية المرهقة، مما يؤدي إلى صفاء الذهن وتقليل الارتباك الفكري، وهو ما نراه بوضوح لدى خبيرة الترتيب اليابانية ماري كوندو في كتابها “سِحْر الترتيب” ، حيث تجسّد رؤيتها التنظيمية من خلال تحويل عملية ترتيب المنزل إلى أسلوب حياة شامل، يغيّر نظرة الإنسان إلى الأشياء عبر التخلص من الفوضى جذريًّا وبشكل دائم.
ويذكرنا ذلك بما قاله الأديب والصحفي أسعد طه: ( في التخلي عن الأشياء قوة تفوق قوة التمسك بها) .
وهذا يعني أنّ التخلي قرار شجاع للتحرر من عبء التعلق ماديًا كان أو معنويًا، بدءًا من التخلي عن الأشياء غير الضرورية في المنزل أو المكتب أو ذاكرة الحاسوب ، وصولا إلى بعض المعتقدات التي قد تُكبّل الإنسان وتستنزف عمره ، وهو يحسبُ أنه يحسنُ صنعا كما قال تعالى: ” الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا” الكهف/ 104
عند ذلك التخلي تتجلى أمورٌ كان يظنها بعيدة المنال، وربما مستحيلة. وهنا يصل إلى السلام الداخلي، ويشعر براحة البال، يمتلئ قلبه امتنانًا لما يملك، فيسمع صوته الداخلي مهما علا ضجيج الخارج وازدحامه.
وبناءً على ما سبق ندعوك أيها القارئ إلى خوض تجربة التخلي. امتلك الأشياء، ولا تجعل الأشياء تمتلكك، ابدأ بأمورٍ صغيرة، ثم تأمل ما سيتجلى لك من نتائج. وتذكر دائمًا أنّ التخلي عن أثقال الماضي ليس ضعفاً، بل هو قرار شجاع بالتحرر مما أثقلك وأعاق مسيرتك نحو حياة أكثر صفاءً واتزانًا.
استجابات