حين يصبح ما في أيدينا امتحانًا لقلوبنا
حين تسير في شوارع مدننا، لا يصدمك مشهد مجاعةٍ فاقعة كما في بعض بقاع إفريقيا، ولكنك إذا تمعّنت ترى وجوهًا متعبة تخفي قلقها بابتسامةٍ رصينة. ترى أبًا يحسب ثمن حاجاته قبل أن يدخل السوق، وأمًّا تُدير ميزانية البيت بين حاجاتٍ كثيرة ودخلٍ محدود، وموظفًا يكدّ كي لا تتراكم عليه فواتير الكهرباء، وطالبًا جامعيًّا يعمل في المساء ليموّل دراسته في الصباح. ربما عندنا لا أحد يموت من فرط الجوع، لكن الكثيرين يتداعون ببطءٍ تحت ضغط الحاجة، بين كلفة المدرسة وربما كلفة العلاج، وبين قسط السكن وثمن الحياة اليومية. هذا هو فقرنا الجديد: جوع الكفاية لا جوع الخبز، ونقص الحياة الكريمة قبل نقص اللقمة.
في قلب هذا الواقع يتردّد النداء القرآني العميق: “وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم”، هذا النداء الذي يهزّ القلب في مساحات أكبر من استدعاء مشهد العطية الموسمية، إلى إعلانٌ مبدئي: ما في أيدينا ليس لنا وحدنا. المال في الفهم القرآني أداة اختبار، وليس رصيد امتياز. كل درهمٍ نملكه هو سؤالٌ مفتوح: ماذا سنفعل به؟
إن المال في ذاته ليس نعمة ولا نقمة، بل مِعيارٌ لاختبار الحرية: هل أملكه أم يملكني؟. حين أستشعر أن ما في جيبي وديعة، وأنها ستبقى ناقصة إن لم تشمل غيري، أتحرر من وهم السيطرة وأصير يدًا لله في رزق الآخرين بنعمة الله. لهذا يصبح العطاء في جوهره فعل إنقاذٍ للروح من برد الأنانية.
وليس المراد أن نتحوّل إلى حملة تبرعات دائمة، بل أن نغيّر زاوية رؤيتنا للملكية. أن نسأل: ما أثر وجودي في حياة من حولي؟ هل في مالي أثر لغيري؟ إن إعادة توزيع الخير لا تقتصر على النقود، بل تشمل الوقت والموقف والمعرفة، غير أن المال يبقى أوضح اختبار ملموس للإنسان لأنّه أكثر ما يُغري بالاحتكار.
في زمن صار فيه الاستهلاك شعارًا للحياة، يصبح تذكّر “الحق المعلوم” عملاً من أعمال الوعي. أن تُقلّل من اسرافك لتترك أثرًا للآخر. أن تُقاوم تلك الدعاية التي تهمس لك بأن قيمتك فيما تملك لا فيما تُعطي. أن تقول لنفسك: “يكفيني هذا، وليكن الباقي نصيبًا لمن لم يجد“. هذه مقاومة هادئة لكنها أبلغ من كل الشعارات.
إنّ “قوت الفقراء” لا يقتصر على معونة أو مؤونة، بل يشمل احتياجهم إلى التعليم النوعي الذي يفتح لهم آفاق، إلى السكن اللائق، إلى الطبابة الكريمة، وإلى فرص عملٍ تحفظ كرامتهم. وهو أيضًا حاجتهم إلى أن يشعروا أنهم مرئيون، وأن المجتمع حولهم لا يراهم عبئًا، بل جزءًا من نسيجه الإنساني. هذه القوة البسيطة التي في يد كل واحد منا، ولو بدعمٍ صغير أو التزامٍ شهري أو مبادرةٍ شخصية، يمكنها أن تخفف عنهم، وربما تعيد لهم من جديد بهجتهم في الحياة.
ولنعترف أنّ كثيرين منّا يؤدّون الزكاة وربما بعض الصدقات وهم يظنون أنهم أقفلوا حساب الفقر والفقراء في أموالهم. لكنّ الزكاة بداية الطريق لا نهايته، هي الحدّ القانوني، أما فوقها فيرتفع الحق الأخلاقي، ذاك الذي لا تحدّه نسب، بل يحدّده القلب. لأن الله لا يزن العطاء بمقداره بل بما يحرّره في نفسك من رحمة.
تخيل لو أنّ كل أسرةٍ قرّرت أن تجعل في دخلها الشهري نصيبًا معلومًا لأسرةٍ أخرى؟ لو أنّ كل موظفٍ جعل من مكافأته الصغيرة بابًا لإعانة مريض أو دعم طالب؟ عندها تنتشي مدننا بالكرامة، ولسنا بحاجة عندها إلى معجزات كبرى لنخرج إنساننا من عوزه، فقط إلى قلوبٍ يقظة تدرك أن الغنى لا يكتمل إلا حين يشبع سواه.
العجيب أن المال حين يُحتبس يصير عبئًا على صاحبه وتلك مفارقة ملفتة. يخاف عليه، يحرسه، ويفقد راحته من أجله. أما حين يُنفق بصدقٍ، فهو ما يزرع في الإنسان الطمأنينة والسلام. الذي يمنح يتحرر، والذي يمسك يتملكه ما يمسكه.
ومن الجدير بالذكر إن قصة العطاء لا تبدأ بمشاريع ضخمة، بل بإرادةٍ صادقة ولو كانت بأشياء ضئيلة وصغيرة جدا. وتستمر بقرارٍ داخلي أن لا ينام واحدٌ منا راضيًا عن نعيمه وهناك من يتآكل تحت الإنهاك المادي بينما هو قادر على أن يشركه في ما أنعم الله به عليه. هكذا تتحول المسؤولية الفردية من شعورٍ عابر إلى ثقافةٍ حيّة، ويصبح كل واحدٍ فينا لبنةً في جدار الرحمة الذي يحمي المجتمع بأكمله.
فلنجعل ما في أيدينا امتحانًا للرحمة في قلوبنا لا وسيلة للتميّز. لننظر إلى المال بعيون الاستخلاف وأن الله خولنا فيه لنحيي من خلاله ضميرنا الأعمق، ولنؤمن أنّ تحملنا مسؤولية “قوت الفقراء” ليس إحسانًا منا، بل ضرورة حياة أخلاقية. فالحياه لا تزدهر إلا حين نمنح من قوتنا لغيرنا، ولا يكتمل غنانا إلا حين نرى في مالنا وجه من يحتاجه قبل أن يسأل.
استجابات