“كتب الله لأغلبنّ أنا وقيمي”

عن سنّة الله في حفظ القيم عبر شهود الخير في كلّ عصر

يؤكد عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركهايم أنّ “القيم التقليدية تفقد قوتها الملزمة في المجتمعات المعقدة، وتصبح الأخلاق أكثر فردية وأقل جماعية”. كما يشير بيتيريم سوروكين إلى أننا “نعيش في عصر انتقالي تتصارع فيه أنظمة القيم المختلفة، مما يخلق أزمة ثقافية عميقة”.
إنّ التآكل في القيم لا يحدث بمعزل عن العوامل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، فقد تواجه القيم نخرًا في مضامينها النبيلة، أو بهتانًا في بريقها الأصيل. ومع ذلك، فإنّ نظرة أعمق إلى واقعنا الإنساني تكشف حقيقة مدهشة، وهي أنّ حفظ القيم وضمان بقائها سُنّة كونية، وأنّ الله لا يترك الأرض بلا مصابيح تعيد الضياء والإشراق لإرث الإنسانية الأسمى.

هناك قانون إلهي ثابت يعمل بصمت خلف مشهد الحياة المتسارعة؛ فالله سبحانه لا يدع قيمة نبيلة تموت دون أن يُهيّئ لها من يحملها في كل عصر. هذا القانون الرباني يرفض أن تتحول المعاني السامية إلى مجرد مسميات باهتة، فيبعث لها أحدَهم، لينفخ فيها روح الحياة من جديد، ويترجمها إلى واقعٍ معاش، ويصونها من أن تصبح كلماتٍ مجردة تُردّد بلا روح.

قد يتساءل البعض: لماذا لا تكفي الكتب والنصوص لحفظ القيم؟ ولماذا تحتاج إلى تجسيد بشري في كل زمن؟
الجواب يكمن في طبيعة الإنسان نفسه، فالناس بطبيعتهم لا يتأثرون بالمفاهيم المجرّدة بقدر تأثرهم بالنماذج الحيّة؛ فعندما يرون قيمةً تتمثل أمامهم في شخص حقيقي، تصبح بالنسبة إليهم أكثر وضوحًا وأعلى قابلية للتطبيق.

الله يعلم أن الناس يحتاجون لمن يقول لهم: “انظروا، هذا ممكن“، فهم بحاجة إلى أن يروا شخصًا يعيش العدالة في تعامله ليؤمنوا بأنّ العدل حقيقة وليست أمنية، ويشاهدوا إنسانًا يجسّد الرحمة في حياته ليدركوا أن الرحمة واقع لا خيال، إلى أناسٍ يقولون بلسان الحال قبل المقال: “هذا هو الطريق الصحيح، وهذه هي القيم الحقيقية التي بها يسعد القلب ويرتاح الضمير”.

لا ينتسب هؤلاء إلى دينٍ بعينه أو إلى عِرقٍ ما أو إلى حسبٍ أو نسب، فهم من “الناس” الذين اختارتهم الحكمة الإلهية التي يصعب في الغالب إدراكها. وما يمكن ملاحظته أنّ الله يُهيّئ هؤلاء الأشخاص من خلال تجارب حياتية خاصة، فيمنحهم فهمًا عميقًا للقيمة التي سيشهدون عليها، إما من خلال معاناة شخصية ترسّخ فيهم تلك القيمة، أو من خلال موهبة فطرية أحسنوا رعايتها فأثمرت وآتت أكلها.

الأمر الأكثر وضوحًا هو أن هؤلاء الشهود لا يسعون عادة إلى الشهرة أو المنفعة الشخصية، فما يحركهم فقط هو محبةُ القيمة ذاتِها وتلقائيتُهم في فعلها، لذلك نراهم يؤثرون على الآخرين بالقدوة لا بالكلام.

وما يجعل الأمر جميلًا أنّ أثر هؤلاء الشهود يظهر عادة في الأزمات أو حالات الفراغ أو الضياع الإنساني، أي في الفترات التي تبدو فيها القيمة مختفية أو شاحبة. في هذا التوقيت يكون الناس أكثر استعدادًا لطلب الحقيقة ومعرفة الصواب، وأشدَّ ما ينفعهم رؤيتُهم لنموذجٍ حَيّ للقيم النبيلة وسط الفوضى أو الألم والمعاناة.

وليس بعيدًا أن نستلهم من قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، أنّ الحفظ لا يقتصر على حفظ النص المكتوب في المصاحف، بل يشمل حفظ المعنى في القلوب، والقيم في النفوس، والمبادئ في السلوك، بوسائل شتى، منها أفراد أو جماعات متفرقون في أنحاء الأرض، كلٌّ منهم يحمل جانبًا من الحق ويشهد على قيمةٍ من القيم، وكأنهم حفظةُ قيم الله في أرضه، وحُرّاسُ أمره، وأمناءُ رسالته.

التاريخ مليء بهؤلاء الشهود الذين حملوا راية قيمٍ مختلفة في أزمنة افتقدتها؛ فعمر بن عبد العزيز أعاد بسيرته قيمَ العدالة والإنصاف والشجاعة في تصحيح إرث الآباء، والمهاتما غاندي قدّم نموذجًا للكفاح السلمي المبني على الصدق مع الذات والبساطة والزهد. وفي عصرنا القريب اشتهر الطبيب عبد الرحمن السميط، الذي قضى عقودًا في إفريقيا حاملًا راية العطاء والرحمة، وكان مثالًا على التضحية والتفاني في خدمة الآخرين.

وهناك أيضًا كياناتٌ تنظيمية وهيئاتٌ إغاثية على مستوى العالم، مسلمة وغير مسلمة، تعمل في مجالات التعليم والطب والغذاء، أفرادُها نذروا أنفسهم ليحيوا في العالم قيمَ الرحمة والكرامة والوفاء.

استمعتُ مؤخرًا إلى بودكاست استضاف رجلًا مسلمًا يسكن مدينة أكسفورد، كرّس حياته للحديث عن كيفية الصلاة بحضور القلب. يتكلم الرجل بحرارة وصدق عن حقيقة الصلاة وعظمتها ومعانيها العميقة، فألّف الكتب وعرض تجاربه، فكان نداءَ صدقٍ في وجه الأصوات التي تقلّل من شأن العبادات، ومذكّرًا عمليًا بأهمية “الصلاة” كنقطة ارتكازٍ أساسية إن أردنا صلاحًا حقيقيًا على المستوى الفردي والاجتماعي.

حتى في زمن الفوضى الرقمية، هناك من يذكّر القلوب بمعناها؛ يطلّ علينا معلّمٌ متفانٍ ينشر الوعي، أو فتاةٌ تتحدث بشجاعةٍ عن الكرامة، أو امرأةٌ فقيرة ولكنها كبيرة في مستوى تعفّفها وقناعتها، فتنشرح بذلك الصدور، ونشكر الله، فالدنيا لا تزال بخير.

ولكن ليس كل من حمل رايةَ قيمةٍ معينةٍ هو شاهدٌ حقيقيٌّ عليها، فالشاهد الحقيقي له علاماتٌ واضحة تميّزه عن المدّعين والمتاجرين بالقيم، منها:
أولًا: يعيش القيمة قبل أن يدعو إليها، فالشاهد الحقيقي تتطابق أقوالُه مع أفعاله، وظاهره مع باطنه.
ثانيًا: لا يسعى للشهرة أو المنفعة الشخصية، فدافعُه الوحيد هو حبّ القيمة ذاتها والرغبة الصادقة في إحيائها.
ثالثًا: يتميز بالثبات والاستمرارية، فلا يتراجع عند أول صعوبةٍ أو اختبار، ولا يُغيّر مواقفه حسب الظروف والمصالح.
رابعًا: يؤثر في مَن حوله بالقدوة، فالناس يؤمنون بإمكانية تطبيق القيم حين يرونها متجسدةً أمامهم.

ولكن كيف نصبح نحن حفظةً للخير في زماننا؟
الجواب: بالإمكان أن نتميّز بقيمةٍ واحدةٍ على الأقل نعيشها بصدقٍ وإخلاصٍ وتلقائية. قد تكون الصدق في التعامل، أو الرحمة مع الضعفاء، أو الإتقان في العمل، أو الإخلاص في الواجب، أو الصبر في المحن، أو العدل مع الأطفال، أو الأمانة في المسؤولية، أو الوفاء للآخرين؛ المهم أن نكون نماذجَ حيّة لهذه القيمة في محيطنا، مهما كان صغيرًا.
فالأب الذي يَعدل بين أولاده شاهدٌ على العدالة، والمعلّم الذي يُخلص في رسالته شاهدٌ على التربية الصالحة، والطبيب الذي يرحم مرضاه شاهدٌ على الإنسانية، والتاجر الصادق شاهدٌ على الأمانة، والموظف الأمين شاهدٌ على الإتقان.

عندما نشعر باليأس من حال العالم، علينا أن نتذكّرَ سنّة الله الراسخة، وأنّ الله لا يترك الأرض بلا شهودٍ للحقّ، حملةِ أمل الإنسانية وضمانةِ استمرارها، فبهم تبقى القيم حيّةً وتتجدد منابعُ الخير.
هذه السنّة الإلهية تمنحنا يقينًا بأنّ الخير لن يموت، والقيم لن تندثر، وأننا لسنا بحاجةٍ لأن نغير العالم كله، بل يكفي أن نكون شموعًا صغيرة تضيء في الظلام، فالله سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملًا، والأرض لن تخلو أبدًا من شهود النور.

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *