ألسنا في حاجةٍ، مع كل إشراقةٍ لهذا الموسم المبارك، أن نسأل أنفسنا: ماذا ننتظر حين نترقّب الهلال؟ أهو إعلانُ موسمٍ جديدٍ وفقط، أم هو دعوةٌ إلى ولادة وعيٍ جديد؟ وهل يكفي أن نرفع نظرنا إلى السماء، أم ينبغي أن نخفضه قليلًا إلى أعماق قلوبنا وننظر بعين بصيرتنا؟
مع كلّ هلالٍ من أهِلّة رمضان يتهيّأ الزمنُ ليكتسي معنى آخر؛ وكأنّ الأيام تُطوى ليُفتح لنا بابُ المواهب من لدن الربّ الرحيم، غير أنّ الفرصة الحقيقية لا تكمن في العود عامًا بعد عامٍ وتكرار الدعاء، إنما في تغيّر الحالة الداخلية للقلب، فهنيئًا لمن لم يكتفِ برؤية الهلال نورًا في الأفق فسعى أن يجعله إيذانًا بيقظةٍ مستدامةٍ للضمير والوعي.
اعتاد المسلمون أن ينشغلوا بإثبات الرؤية وتحديد البداية، وهو بابٌ معتبرٌ من أبواب الفقه، له أصوله، غير أنّ السؤال الأعمق الذي يجب أن يشغلنا يظل قائمًا: هل جُعلت الآية أو العلامة الكونية لتكون ساحةَ جدل، أم لتدلَّنا وتشعل فينا الشوقَ لموسم التزكية؟ فالأهلةُ ما جُعلت مواقيتَ إلّا لتكون إشارةً إلى أنّ الحُسبان مضبوط، وأنّ الزمن تسبيحٌ كونيٌّ رُبطنا به لنحوّله إلى عبادة، وأنّ اختلاف الوسائل لا ينبغي أن يُفسد توحّدنا خلف الغايات الربانية، فالخلاف في الوسائل لا يبرّر خسارة المقاصد.
تأمّلوا مشهدًا بسيطًا: أسرةٌ في مدينةٍ واحدة، بعض أفرادها يصومون تبعًا لبلدٍ ما أو مرجعٍ ما، وآخرون لبلدٍ آخر أو مرجعيةٍ أخرى، ومع ذلك تجتمع القلوب على مائدةٍ واحدة، يتبادلون الأحاديثَ ويتشاركون الدعاءَ ويبتسمون رغم اختلاف يوم الصوم، دون أن تتأثّر المحبة أو يتقاطعوا. أليس هذا هو الامتحان الحقيقي للأُخوّة؟ أن يبقى الودُّ قائمًا رغم اختلاف المرجعيات والتقويمات؟
نعود للصوم فهو في جوهره ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، هو تدريب على تحرير الإرادة، وهو وقفة مساءلة للنفس وطرح ما يقودها لأن تكون حرة، أسئلة مثل: من يقودني؟ هل هي شهوة اللحظة أم وعي المقصد؟ هل هو الغضبُ أم سكينةُ القلب؟ فالصوم شُرِع لنتعلم أن حريتنا الحقيقية تنبع من عبوديتنا لله، لا للهوى، ولا للرغبات، ولا للشهوات، وأن كرامتنا تتجلى حين نملك أنفسنا عند الرغبة وعند الاختلاف.
حين يقع الخلاف في تحديد بداية الشهر، فهو في أصله سَعة ورحمة، وقد عرفه المسلمون واختبروه عبر العصور ولم يكن خصامًا إلا مع وجود الاختلاف السياسي أو المذهبي (وأحيانًا داخل المذاهب الواحد)، فأين يكمن الخلل؟ يبدأ الخلل حين يتحول الرأي الفقهي إلى هويةٍ مغلقة، وحين يُختزل الدين في الجزئيات، وتُنسى المقاصدُ الكبرى: جمع الكلمة، وإصلاحُ ذات البين، وتحقيقُ الأخوة، فالله تعالى يقول: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾، فجعلها مواقيتَ، ولم يجعلها ميادينَ نزاع، وكأن الرؤية هي المقاصدُ والغاياتُ الكبرى.
نحن نعيش زمن يُستعمل فيه الدين أحيانًا لتثبيت النفوذ أو تغذية الاستقطاب، لذلك أصبح واجبُ المسلم الواعي أن يرفع بصره من التفاصيل إلى الغايات، وأن يسأل نفسه بصدق: أأصومُ لأثبت رأيًا، أم لأزكّي القلب؟ أأنتصرُ لمذهب، أم أنتصرُ على نفسي؟ فإنّ أعظمَ خسارةً أن يخرجَ الإنسانُ من الشهر وقد ازداد جدلًا، وبردت جذوةُ مشاعر محبته لأخوته المسلمين وغير المسلمين.
الصومُ مدرسةُ أخلاقٍ قبل أن يكون شعيرةً زمنية؛ يعلّمنا حسن الظن، والتماس العذر، وفهم أن الاجتهاد بابُ رحمة، ويذكّرنا أن السياسة إذا تسلّلت إلى الدين أفسدت صفاءه في القلوب وأنّ المسلمين مأمورون بتحرّي الهلال دون أن يتحوّل ذلك إلى خصومةٍ مع سائر المسلمين، فالإسلامُ إنما هو سلامةُ قلبٍ وسلامةُ الناسِ من اللّسان واليد (المسلمُ من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده).
إنّ الأُخوّة لا تُختبَر في لحظات الاتفاق، ولا يظنّ امرؤٌ بنفسه خيرًا ما لم يختبرها في لحظات التباين. قد يُعلن بلدٌ أو مرجعٌ صومَه في يومٍ، وآخر في يومٍ يليه، ولكن يبقى الهدفُ واحدًا: أن نكون جميعًا في ضيافة الله، وأن يبقى الرجاءُ والدعاءُ مشتركًا، والفرحُ عامًا، لأنّ مقصد الإخاء والتناغم مع مشهد السلام الكونيّ أسمى من أن يُختزل في اختلافٍ تافهٍ.
فلنستقبل هذا الشهر بروحٍ جامعةٍ تدرك أنّ المقاصدَ فوق الجزئيات، وأنّ التقوى فوق الشعارات، وأنّ وحدةَ الصفّ أمانةٌ في أعناق الجميع، ولنحوّل كلَّ اختلافٍ إلى فرصةٍ لتدريب قلوبنا على السماحة، وإلى مناسبةٍ لمراجعة أنفسنا.
ولا يجب أن يفهم المقصود أن يُترك كل اختلاف؛ إنما يُترك ما لا ثمرة له، وما لا يزيد الناس إلا تباعدًا. فإذا كان الجدل لا يغيّر واقعًا، ولا يرفع ظلمًا، ولا يدفع ضررًا عامًا، فالإعراض عنه أَولى وأحفظ للمقاصد. أمّا ما تعلّق بحقٍّ بيّن أو عدلٍ واجب، فليس علاجه توسيع الخصومة، بل بيانٌ بقدر الحاجة، وأدبٌ في الخطاب، وتقليلٌ لما يوقظ الاستقطاب.
نسأل الله أن يجعل صيامنا صيامًا عن الضغائن والأحقاد قبل صيام الطعام، وعن الغرور قبل الإمساك عن الشراب، وأن يرزقنا بصيرةً تميّز بين الغايات والوسائل، وبين الثوابت والمتغيرات، وأن يؤلّف بين قلوب المسلمين، وأن يجعل هذا الموسم بدايةَ وعيٍ يجمع ولا يفرّق.
استجابات
طرح جميل، وأرى أن جمال الطرح يكمن في تذكيرنا بأن رمضان أعمق من كونه بداية يوم نختلف عليه؛ إنه موسم لإعادة صياغة أرواحنا. فسواء اتفقنا في تحديد بدايته أم اختلفنا، تبقى الغاية واحدة وهي أن نخرج منه بقلوب أكثر تقوى، ونفوس أكثر صفاء، ولعل الأهم أن لا يشغلنا الجدل عن الاستعداد الحقيقي لهذا الشهر، لكونه فرصة للتغيير والارتقاء.