ماذا بعد ترجمة نباح الكلاب؟

”قاموس إلكتروني لترجمة نباح الكلاب ”.. خبر قرأته حديثا وتناقلته وسائل الإعلام المختلفة قبل أيام معدودة، ورغم أني لست من محبي الكلاب ولا من مربيهم إلا أنني حرصت على سماع الخبر وقراءته بأكمله، لما أثاره في ذهني من دهشة وتعجب.

إذ ينقل الخبر أن مجموعة من العلماء ”تعكف” على تطوير قاموس إلكتروني لترجمة نباح الكلاب بحيث يمكن لمالكي هذه الحيوانات أن ”يفهموا بشكل أفضل” ما يرغب فيه حيوانهم ويعبر عنه عن طريق النباح. تساءلت، ماذا بعد أن يفهموها بشكل أفضل؟ هل اللغة هي الحاجز الذي يحول دون تحقيق مطالبها ورغباتها؟ وقد عاشت الكلاب دهراً مع أصحابها في أفضل علاقة دون الحاجة إلى مترجم.
فلم نعهد أن اللغة كانت حاجزا بين الدول والشعوب، ولم نسمع يوماً أنها كانت عائقا للتواصل بينهم فمصطلحات كل لغة تملأ القواميس، فهل تحقق بذلك كلما يطالب به الإنسان ويدعو إليه من تواصل إنساني؟ وهل فهمنا جيدا كلما يحتاج له الإنسان لـكي ”يعكف” مجموعة من العلماء لترجمة نباح كلاب حتى يفهمها مالكيها ”بشكل أفضل”.
فليس هناك ”شكل أفضل” وأوضح من وثائق ومطالب قدمتها منظمات وهيئات حقوق الإنسان، تطالب فيها بلغة واضحة وصريحة لم يتعسر على أحد فهمها ولم تكن بحاجة لاعتكاف أحد ليحلل مضمونها، كلما احتاجت إليه هو وجود من يطبق ما نصّت عليه فلم تجد، فهل ستنال الكلاب يا ترى حقوقها ومطالبها التي لخصها العلماء بعد دراسة ”ستة آلاف” نبحة للكلاب التي تختلف عندما ترى الكرة أو عندما تتشاجر أو تلعب أو تواجه أي شخص غريب، أو عندما تريد الخروج للتنزه مع مالكها.. ويالها من مطالب.
ألا تناقض هذه الدول ”المتقدمة” نفسها عندما تبدي اهتمامها البالغ بمعرفة لغة الكلاب وتحاول أن تثبت تقدمها بحرصها الشديد على فهم لغة ما تسميه ”أوفى صديق للإنسان” في حين إنها في المقابل تجاهلت لغة الإنسان الواضحة و المفهومة التي لا تحتاج لعناء الترجمة وصمّت آذانها عن الاستماع لصرخات الجوعى وآهات المرضى وأنين الثكلى في أنحاء العالم فبينما يشكو أهل غزة الحصار والجوع والتشرد، يحرص آخرون على اشباع وإيواء وفك قيد اللغة التي حالت بينهم و بين كلابهم، فمن يفسر لنا هذا التناقض؟
تساؤلات تفتح أمامنا آفاقا أخرى، نستنطق بها المستقبل القريب من الواقع المرير.. ونرى فيه ما نطمح إليه بمقارنته بما وصلنا إليه، ليس تقليلا من شأن هذه المحاولة في فهم علم جديد كترجمة لغة الحيوانات بل استنطاقا لواقع مليء بالتناقضات لما بلغه علم الحيوان مقابل علوم الإنسان.
فلو افترضنا أن كل ”نبحة” ترجمت بعد دراسة دقيقة، فهل سيتفق العلماء جميعهم على مدلولها أم أن هذا العلم لن يخلو أيضا من اجتهادات وآراء كل عالم حسبما يراه صحيحا، وحسبما تعني له كل ”نبحة” من زاويته؟
وأخيرا أتساءل.. لو أكمل العلماء هذا ”القاموس الإلكتروني” لترجمة نباح الكلاب، فما هي درجة يقينهم بصحته؟ وهل سيكون قابلا للتغيير والتصحيح مع تطور العلم وتنوع وسائل ترفيه الكلاب وقوائم طعامهم الشهية؟ أم أنه سيبقى ثابتا مؤكّداً على صحته فلا مجال للتجديد والتغيير فيه مع ما تقتضيه متطلبات العصر، وستبقى نبحة الكلب التي ترجمها العلماء اليوم أنه ”يريد أن يتنزه” ثابتة حتى يتمنى الكلب بعد سنين لو أن بمقدوره أن ينطق قائلا أن ”نبحته” اليوم باتت تعني أنه يريد الاستحمام ”بالجاكوزي” الخاص به وليس مجرد التنزه.
وقفات ساخرة لتبدل مدلول ”نبحة” فما بالنا بما هو أرقى من ذلك وما ليس له وجه شبه به..عالمنا الإنساني الراقي بعلومه ومفاهيمه التي حصرناها بفهم ومعنى واحد لا غير، فاجتهادات العلماء مهما كانت مدروسة ومبنية على اثباتات وبراهين إلا أنه لا يمكن اعتمادها كنصوص ثابتة غير قابلة للتجديد مع تغير الزمان وتبدل الظروف والمعطيات لأن ذلك يوصلنا إلى درجة نشعر فيها بأن العلم الذي بين أيدينا قد ولى زمانه وانتهت صلاحيته، فنبحث عن أشكال ومسميات أخرى تواكب عصرنا، كي لا تندرج على أذهاننا كما تندرج ترجمة العلماء لنباح الكلاب على مربيها (أعزّكم الله) ولو كانوا على اقتناع بأن كلبهم ينبح جوعا، إلا أنهــــم يأخذونه لنزهة لأن هذه ”النبحــــة” في القامــــــوس الالكتروني تعني ذلك.

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *