ما الذي يحبس مشرقنا في الوراء؟

تبدو الصحافة العربية والإقليمية اليوم مرآةً مكبّرة لتيهٍ قديمٍ يتجدّد؛ تيه الهويات التي صارت راياتٍ تُرفع لا لتدلّ على ثراء التنوع، بل لتؤكّد الفرقة والانفصال. في عناوينها اليومية نقرأ شعاراتٍ تُستعاد من الماضي لتبرّر الحاضر، من “العروبة أولًا” إلى “الولاية أو الخلافة” و”الهوية الفارسية” و”العثمانية الجديدة”، وصولًا إلى “الوطن أولاً” في نسخته ومفهومه الضيق.

تتناسل الشعارات كأنها محاولاتٌ متعبة لتعويض المعنى المفقود؛ فصارت الهوية أقرب لصدى حسرة على كرامةٍ ضاعت، وعزةٍ ذهب بريقها، وريادةٍ أمميةٍ حضارية تآكلت.

أصبح كلّ طرفٍ يحمل رايةً، وكل راية تبحث عن انتصارٍ رمزيٍّ على الرايات الأخرى، بينما الإنسان ذاته – حامل هذه الرايات – يتراجع إلى الهامش.

في إعلام المنطقة يتسلل الخطاب المذهبي بأسماءٍ مختلفة، مرةً باسم المقاومة، وأخرى باسم العدالة الإلهية وأخرى تحت جنح الحقوق التاريخية، أما في الإعلام القومي فتستيقظ الشعارات كلما اشتدت المحن، لكنها لا تظهر كمشروعاتٍ للنهوض، بل كمبررات دفاعية نفسية تنافح عن كيانٍ مرتبكٍ يخشى الزوال.

هكذا لم يعُد الإعلام مجرد ناقلٍ للحدث ومشعل لرفع درجات الوعي، بل صار مسرحًا لصراع التعريفات:من نحن؟ ضدّ من؟ ولأجل ماذا؟ وحين يتحول الانتماء إلى سلاحٍ، يغدو الخطاب متراسًا لغويًا نهزم به بعضنا بدل أن نبني به جسورا بيننا.

أتذكّر هنا بيتًا للفقيه الشاعر والمفكر السيد محمد حسين فضل الله يخاطب فيه طفله المقبل على الحياة:

وستُدعى لدروبٍ لستَ تدري أين تجري            كلها تهتف باسم الحق والفكر الأغرِّ.

كأنه -رحمه الله- يستبق حاضرنا المزدحم بشعارات الحقّ التي تتنازع الأرض وتحتكر السماء، فيما تضيع الحقيقة تحت وطأة الهتافات المتعصبة، فكم من راياتٍ رفعت باسم الدين أو القومية أو المذهب وهي تكرّس في واقعها قسوة وإقصاء يستهلك الإنسان؟

فهل هذا قدرنا كمشرقيين أن نتدافع تحت ظلالٍ متقابلةٍ من الرايات؟ أم أنه آن الأوان لنسير تحت رايةٍ واحدةٍ قادرة على جمع هذه الفسيفساء الثرية دون أن تلغيها؟

الشرق، في عمقه التاريخي، لم يكن يومًا هذا التفرّق، فروحه القديمة التي تسكن مكة والقدس والقاهرة وبغداد ودمشق وبلاد فارس والهند والأناضول، هي روح الكرامة والعدل، تلك الروح التي وُلدت من رحم العقيدة. فالكرامة في وجداننا ليست شعارًا، بل مبدأ كونيٌّ ماثل في نصوص الأديان والفلسفات، والعدل ليس مطلبًا حقوقيا فقط إنما قانون حياة. وإنّ هذا التراث المشترك بين الأديان والمذاهب والفلسفات هو ما يجعل الشرق مؤهلًا لأن يكون ضمير العالم لا هامشه.

من هنا، تبدو الحرب الأخيرة في غزّة علامةً فاصلةً في الوعي الإنساني العام، لا في الوعي الشرقي فحسب. كانت درسًا قاسيًا كشف عجز العالم عن حماية المظلومين، وكشف كذلك تراخي الشرق عن نصرة قيمه حين استبدلها بانتماءاته الضيقة. لكنها في الوقت ذاته فتحت في جدار الإمكان ثغرةً تسلل منها النور، إذ عادت الإنسانية لتصرخ من قلب العذابات والقتل والدمار، وبرزت أصواتٌ في الصحافة عربيا وإسلاميا وعالميا نطقت بلغةٍ واحدة – لغة الإنسان- التي تعلو على الطائفة والقومية والحدود، كان آخر تجسيد لها هو أسطول الحرية الذي سُيِّر لينتصر على البشاعة والهمجية.

لقد رأينا كيف استيقظ ضمير الشعوب، غربيةً وشرقية، ليحمل وجع فلسطين بوصفه وجعًا كونيًا يتجاوز الانتماءات، وتلك اللحظة لم تكن حدثًا سياسيًا عابرًا، بل بدايةَ تحوّلٍ حضاريٍّ: فإما أن نتعلّم منها كيف نحوّل تنوعنا إلى طاقة، أو نعيد الخطأ فنختنق بأسمائنا وهوياتنا الضيقة.

الشرق الآن أمام مفترقٍ حقيقي: إما أن يبقى أسيرًا لهوياتٍ فرعية تُخفي الحقيقة، أو يستعيد رسالته القديمة ليكون مهدًا للروح الإنسانية التي تنشد العدل والكرامة والرحمة.

المطلوب إذًا ليس إلغاء الانتماءات، بل إعادة ترتيبها وتوظيفها إنسانيا بحيث يخدم كلّ انتماء غايةً أوسع من ذاته: أن نصنع إنسانًا كريما حرا ينبض قلبه بحب العدل ويفكر عقله بمنطق العدل.

فإذا كانت السياسة تحتاج إلى استراتيجيات، فإن الاستراتيجية الكبرى لشرقٍ جديد يصنعه أبناء الشرق تبدأ من الفهم الأخلاقي للوجود.

العدل ليس شعارًا دينيًا بل قانون حياة، والكرامة ليست منحة من أحد، بل جوهر ما يجعل الإنسان إنسانًا (ولقد كرمنا بني آدم). وهنا يتلاقى البعد الروحي الشرقي مع الحاجة الواقعية الحديثة: فعندما يُبنى الوعي الجمعي على قيم العدالة والكرامة، تصبح هذه القيم الأرضية المشتركة لكل ما نسعى إليه من علمٍ واقتصادٍ وسيادة.

فأيُّ مشروعٍ بلا روحٍ إنسانية مصيره الزوال مهما بدا قويًا، وأية روحٍ بلا مشروعٍ تتحول إلى عاطفةٍ لا تؤسس واقعًا.

فلنبدأ إذًا من الاعتراف بأننا أمةٌ تجمع من التنوع ما يجمعه العالم كله، وإنّ خلاصنا لا يكون بإنكار هذا التنوع بل بتنظيمه ضمن رؤيةٍ حضاريةٍ إنسانية عادلة. وحين نفعل ذلك، يصبح التدافع الحضاري مع الأمم وعلى رأسها الغرب ليس صراع بقاء، بل حوار إمكان من موقع الندّ الحضاري؛ وتتحول هوياتنا من رايات للتفرقة إلى نشيدٍ جماعيٍّ للكرامة والعدل والمساواة، تتوحّد عنده اللغات والعقائد والدماء في قلب إنسانٍ واحد.

نريد صناعة إيمان يحمله الجيل بقوة، بأن الهويات كلما ضاقت سُجن الإنسان في اسمها، وكلما اتسعت سيغدو الاسم مرآةً للروح لا قيدًا خانقا لها. وأن الحرية الحقيقية أن تختار أن تكون إنسانًا قبل أن تكون أي هوية أخرى.

من يقظة الوعي على هذه الحقيقة يبدأ طريق النهضة بالوعي بالإنسان، وبالمحبة الواعية، وبالتفكير بالمصلحة دون التخلي عن المبادئ. وحين تتحول الكرامة والعدل إلى لغة التخطيط الاستراتيجي، لا تبقى القيم أخلاقًا فحسب، بل تصير روحًا تسكن المشاريع والرؤى التي تُشيّد المستقبل.

هكذا يتقدم الشرق للريادة من جديد، وهكذا يمكن أن يعود بثراء تنوعه وروحانيته وموقعه، ضميرا حيا للعالم.

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *