أرأيتَ نهرًا عظيمًا يجري بلا توقف، يروي الأرض الجرداء فتزهر، ويغمرها بالحياة والنماء؟ تلك هي سيرة النبي محمد (ص)، نهر لا ينضب من الرحمة، والحكمة، والدروس الخالدة. كلّما اغترفنا منه، ازددنا إيمانًا، وارتوت قلوبنا، وعالجت أسقامنا.
هذه السيرة العطِرة لا نستطيع أن نفيها حقها، لأنها ليست عادية، بل هي سيرة أعظم شخصية عرفها التاريخ، والتي امتدحها رب العالمين بقوله ” وإنّك لعلى خُلُقٍ عظيم”، فالنبي (ص) هو المثل الأعلى والقدوة الحسنة لكافة الناس أجمعين، ورسالته الرحمانية العالمية تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتنتشر في كافة أرجاء الأرض. فهو رسول الرحمة للعالمين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.
- مكة: بداية الدعوة والتمكين والصبر
عانى النبي (ص) في مكة من أذى المشركين وتكذيبهم، وتحمّل الأذى الجسدي والنفسي والمعنوي، لكنه صبر وتحمّل لأجل إيصال رسالته. لم يردّ الإساءة بالإساءة، بل جادلهم بالحكمة والموعظة الحسنة. فآمن به المستضعفون والعبيد، لأنهم رأوا فيه ملجأً للرحمة والعدالة، وسطّر بأخلاقه العظيمة ملحمةً بقيت آثارها حتى يومنا هذا.
-رسول الله (ص) يقدّم لنا درساً في الصبر والثبات، فكل من يحمل قضية مبدئية ينبغي أن يصبر على ما يتلقّاه من تكذيب وتكفير الآخرين له، وما عليه سوى أن يواصل مسيرته لإيصال الخير للناس.
-والدرس الثاني هو كيفية تعاملنا مع من يُسيء إلينا؟ فهل نردّ عليهم بالمثل، أم نرتقي بأخلاقنا وندفع بالتي هي أحسن؟
- المدينة: بناء الدولة
بعد أن هاجر (ص) إلى المدينة المنورة بدأ بترسيخ دعائم المجتمع الجديد، واتّخذ إجراءات إدارية ومنها: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وبناء المسجد النبوي، ليكون منارة للعلم، والعبادة، وداراً للقضاء والتشريع، وأبرم المعاهدات مع القبائل القريبة والبعيدة.
وثيقة المدينة و”خير أمّة”
“وثيقة المدينة” هي الإنجاز الأكبر الذي أحدث تغييراً جذرياً في بُنية المجتمع المديني، وهي أول دستور مدني مكتوب في الإسلام، وبناءً عليها تأسّس مجتمعٌ متنوعٌ يشمل المسلمين واليهود والمشركين والديانات المختلفة ويكفل لهم حرية العقيدة وحقوقهم الإنسانية والعدالة المجتمعية، وأرسى نظام “المواطنة”، فكل أهل المدينة مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات رغم اختلاف عقائدهم. وهذه سابقة تاريخية فريدة من نوعها. فالنبي (ص) لم يمارس سلطة باسم الله، بل أسّس تعاقدًا مدنيًا قائمًا على التشارك، وهي فكرة تجديدية ضد خطاب الإسلام السياسي السائد حاليًا.
وبهذه التشكيلة المجتمعية المتعددة تكوّنت النواة لـ “خير أمّة” و”أمّة الوسط”، وهو إنجاز عظيم!
“كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ” (آل عمران/ 110)
وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ (البقرة/ 143)
فما هي خير أمّة؟ وما هي أمّة الوسط؟
“ أمّة الوسط” هي أمّة العدل والخير والاعتدال، المؤتمنة على الشهادة على الناس باتّباعها الحق والنهج القويم.
وهي الأمّة المتوازنة في كل شؤونها، شاهدة على الأُمم بالحق والعدل، بسبب تمسكها بمنهج الله الذي يجمع بين الروح والمادة، العبادة والعمل، العلم والإيمان، العدل والرحمة.”
وهي أمّة معتدلة في العقيدة والمنهج، متوازنة (بلا إفراط ولا تفريط)، تتبع الحق وتبتعد عن الغلو والتقصير. ﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أي أن المسلمين، باعتدالهم واتباعهم للحق، يكونون شهداء على الأمم الأخرى يوم القيامة بأن رسلهم قد بلغوهم رسالة الله، وأنهم لم يؤمنوا أو انحرفوا عنها، ويكون النبي محمد(ص) شهيدًا على هذه الأمة بأنه بلغها الرسالة وأدّى الأمانة.
“خير أمّة” تعني: أفضل الأمم وأعظمها نفعًا للناس، أُخرجت لتُصلح الناس وتدعوهم إلى الخير، وتنهى عن الفساد، وتُظهر الإيمان الحق بالله.
“كنتم خير أمّة” لا تعني الأفضلية الذاتية أو التفضيل المطلق، بل هي خيرية مشروطة بالقيام بالمهام الثلاث: الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، الإيمان بالله. فالأمّة الإسلامية ليست خير أمة بالاسم فقط، وإنما بالعمل والرسالة والدعوة.
وهذا درسٌ آخر للنبي القائد الفذّ الذي جعل من الأطياف المجتمعية نسيجاً موّحداً تحت مظلة “المواطنة” فكانوا “خير أمّة”
فلماذا أصبحنا متفرقين، نُقصي المختلف عنّا، ونحرمه من حقوقه، ونُطلق عليه لفظ (الآخر)؟
لماذا لا يكون مواطناً يشاركنا الحقوق والواجبات كمواطنين لا كمختلفين في المذاهب؟ أليس هذا ما أراد الرسول(ص) تحقيقه؟
- مقارنة وثيقة المدينة بالمواثيق الحديثة:
وثيقة المدينة كانت متقدّمة على زمنها، وسبقت المواثيق الغربية بقرون في إطلاق مفاهيم المواطنة والحقوق المتساوية وتُعتبر من أقدم الوثائق الدستورية في التاريخ، إلا أنّ دول الغرب لم تعترف بذلك، بل تنسب الفضل لها، وتفخر بالمعاهدات والاتفاقيات التي أصدرتها الأمم المتحدة، وحين نتفّحصها نجد أنها مجرّد حبرٌ على ورق، فهناك الكثير من المغالطات والتناقضات بين ما هو مكتوب في تلك المعاهدات وبين ما نراه في الواقع، وهذا دليل على عدم مصداقيتها، وأحد الشواهد على ذلك “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” الذي سطّر موادّه الثلاثين واعتُبر نصاً تأسيسياً في تاريخِ حقوق الإنسان والحقوق المدنية!![1]
فأين تلك الحقوق والعالم لا يزال يسوده الظلم والاضطهاد، وأين الكرامة الإنسانية والناس تقاسي من الإذلال والحرمان من حقوقها؟ في حين أن وثيقة المدينة ضمنت المواطنة لجميع مكونات المجتمع، وبهذا صاغ أول نموذج للتعايش والعدالة المتساوية، وأرسى مبدأ «الحقوق مقابل الواجبات» قبل قرون من المواثيق الحديثة.
كما أنّ تلك الدول تنسب الفضل لها بأنّها أول من أسّس مبدأ الديمقراطية، مع أنّ النبي (ص) سبقهم بإرساء مبدأ “الشورى” قبل ألف سنة ونيف، وجعلها أساس الحكم والقرار. والفرق هنا أن الشورى النبوية بُنيت على القيم والأمانة، لا على المصالح والمنافع، وبُنيت على إعطاء الآخر كافة حقوقه في التعبير عن رأيه. فالشورى في القرآن الكريم هي مبدأ أساسي لإدارة شؤون الأمّة، تُبنى على مشاركة الرأي، واحترام الرأي الآخر، واحتضان المختلف، والمساواة، والتماس الحكمة، وتُمارس بروح التعاون والعدل لتحقيق المصلحة العامة، وهي طريقة اتخاذ القرار في القضايا المصيرية والاجتماعية والسياسية.
-فلمَ استُبدلت الشورى النبوية في زماننا المعاصر بمفاهيم استبدادية أو طبقية وإقصائية للآخر المختلف؟
-وكيف نستعيد روح الشورى القرآنية القائمة على الاحتواء والقيم الإنسانية ؟
-ولماذا لم تعُد المواطنة المتساوية هي الأساس في أغلب النُظُم الإسلامية؟
- رسائل السلام العالمية:
أمّا الإنجاز الآخر الكبير الذي قام به النبي (ص) بعد صُلح الحديبية، فهو الانفتاح على العالم، وتبليغ دعوة الإسلام عالمياً[2]، فأرسل رسائل السلام للملوك (هرقل، كسرى، المقوقس، النجاشي، الحارث الغسّاني.. وغيرهم)، ليس لإجبارهم على الدخول في الإسلام، بل لفتح الحوار بين الحضارات ونشر قيم السلام والعدالة في تلك الممالك، ودعوتهم للرحمة برعاياهم وإنصافهم، واحترام حقوقهم الإنسانية.
وهذه الخطوة التي قام بها الرسول(ص) هي خطوة دبلوماسية فريدة من نوعها، فتحت بابًا للتواصل الإنساني والتعرّف على تلك الممالك، ومدّت جسوراً بينها وبين الدولة الإسلامية في المدينة.
وهذا هو المطلوب منّا جميعاً، أن ننفتح على الشعوب والثقافات المختلفة نتعرّف عليها، مصداقاً لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(الحُجرات/ 13).
فالتعارف وسيلة لمزيد من التفاهم تُسهم في خلق جوٍ من الأخوّة والتعاون والبناء على حاضر يسوده النظام والاستقرار والسلام والإعداد لمستقبل يحمل الكثير من التفاؤل في تحقيق الطموحات المشروعة للجميع.
- الرؤية النبوية، من الطائف إلى الفتح
حين يكون للإنسان رؤية ثاقبة وبصيرة نافذة متفهماً لأبعادها، سيتمكن من تحقيقها حتى لو كانت تبدو أنها مستحيلة، لكن العزم والإرادة، والتعامل مع الناس بالمحبة الصادقة والأخلاق الحميدة تجعلها مُمكنة ولو بعد حين! فحين كان النبي (ص) عائداً من الطائف بعد أن لاقى من أهلها القسوة والأذى الجسدي والاستهزاء به، بشّره الله بأن (النصر آتٍ) وهذا ما حدث بالفعل، فحين هاجر إلى المدينة وأسّس المجتمع المديني ونظّم الأمور الإدارية، وقاد المعارك ضد كفّار قريش، تحقّق النصر المبين بفتح مكّة.
فلتكن لنا رؤية ثاقبة، وبصيرة منفتحة، والتمسّك بالأمل، ونؤمن بأننا قادرون على تحقيق رؤيتنا بالعزم والإصرار والتوكّل على الله، فالنبي(ص) كان وحيداً ويتيماً، لكنه أنجز ما لم يُنجزه الآخرون.
- الانتكاسة بعد وفاة الرسول (ص):
من بعد هذه الإنجازات العظيمة والجهود الكبيرة التي بذلها الرسول(ص) لتبليغ دعوته، ونشر قيم السلام والعدالة والتسامح على الصعيد الداخلي والخارجي ما لبث المسلمون أن انقلبوا على أعقابهم بعد وفاة الرسول(ص)، فعلى الرغم من تكرار وصاياه لهم بأن يعتصموا بحبل الله ولا يتفرقوا، وناشدهم بقوله ” لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض”، “أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد”.
إلا إنّ معظم المسلمين، ويا للأسف جعلوا وصاياه وراء ظهورهم، وعملوا بعكسها تماماً، فأمعنوا في ضرب رقاب بعضهم، وكفّروا المختلف عنهم، وقطعوا حبل الأخوّة المتين، وحلّت المذاهب محلّ الإسلام، وقُدّمت السُنّة على القرآن.
- الخاتمة:
رسولنا الكريم، فتح لنا نافذةً كبيرة على العالم، ونحن أغلقناها..
وانفتح على الحضارات ومدّ لها جسور السلام والتعارف مع أنها لا تدين بدين الإسلام، ونحن في بعض ممارساتنا نُقصي إخوةً لنا في الدين، فقط لاختلافهم معنا في المذهب أو الطائفة أو العِرق!
فهل باستطاعتنا بعد هذا التراجع الكبير للمسلمين أن نكون “خير أمة” بالمعنى القرآني؟ أم نظل كما نحن أممًا متنازعة؟
لكنّنا نحمد الله أنّ سيرته المشحونة بالدروس والعِبر لاتزال باقية، يستلهم منها كافّة الناس على اختلاف مشاربهم وأديانهم. ولنتذكر أن هذا الإنسان الأميّ اليتيم الذي ذاق مرارة الصعوبات الجسيمة وصبر عليها، إلاّ أنه ظفر وترك لنا إرثاً خالداً لا تمحوه السنون، تنهل منه الناس إلى يوم الدين.
فسيرتُه “نهرًا لا ينضب”.
[1] -يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق. – لكلِّ فرد الحقُّ في الحياة والحرِّية وفي الأمان على شخصه، الناسُ جميعًا سواءٌ أمام القانون، وهم يتساوون في حقِّ التمتُّع بحماية القانون دونما تمييز، الخ
[2] وما أرسلناك إلا كافةً للناس بشيرًا ونذيرًا (سبأ/ 28)
استجابات