الظل الذي يشبهنا…
إنّ أكثر التحولات البشرية إثارةً للقلق هي تلك التحولات التي تمسّ المعنى الإنساني والسلوك البشري في آن، “حين يعيد الإنسان تعريف الأشياء بحسب موقعه منها”. فالأخلاق في حقيقتها ليست منظومة جاهزة ولا مبادئ ثابتة كما نحب أن نتصور، بل كثيرًا ما تكون انعكاسًا خفيًا لمنظورنا نحن تجاه الأمور. فلكلّ إنسان في أعماقه مساحة يمكن أن تُغريه بممارسة ما كان يرفضه يومًا، ولو كان ذلك تحت عناوين جديدة كـ «الإنضباط» أو «الحنكة» أو «الضرورة». إنّ الوعي بالذات هنا هو الخطّ الفاصل بين من يحافظ على إنسانيته حين يشتدّ عوده، وبين من يُعيد إنتاج ما قاومه حين يتغير المشهد.
من هذا المنظور الفلسفي يمكن للأدب أن يكون مختبرًا للضمير الإنساني؛ إذ لا يرينا العالم كما هو فحسب، بل كما يمكن أن نكونه كذلك. ولهذا تبدو بعض القصص الأدبية مرعبة إلى هذا الحد، لأنها لا تتحدث عن شخصيات خيالية بقدر ما تكشف شيئًا حقيقيًا جدًا في النفس البشرية. ففي إحدى أشهر الروايات الرمزية، تبدأ الحكاية داخل مزرعة تعيش فيها الحيوانات تحت سلطة البشر؛ تعمل طوال اليوم، تتعب، تنتج الطعام، ثم ترى إنسانًا يأخذ كل شيء لنفسه. كان الشعور المسيطر على الحيوانات هو شعور واضح بالاستغلال؛ “لماذا يعمل طرف بينما يعيش الطرف الآخر مرتاحًا بجهد غيره؟”
تبدأ قصة “مزرعة الحيوان”، حين تقرر الحيوانات طرد البشر وبناء عالم جديد قائم على المساواة، عالم لا يوجد فيه سيّد ولا خادم، ولا من يسرق ثمار جهد غيره. في البداية، بدا الأمر وكأنه انتصار أخلاقي عظيم؛ اختفى الخوف، واختفت الأوامر المهينة، وشعرت الحيوانات للمرة الأولى أن المزرعة أصبحت ملكًا لها بالفعل، وأن من ذاق الظلم يومًا لا يمكن أن يعيده. اعتقد الجميع أن شعورهم الجديد بالحرية سيغسل ما علِق في المزرعة من قسوةٍ ولامبالاةٍ موروثتين من عهد السيّد القديم للمزرعة.
مع مرور الوقت، بدأت القيادة الجديدة في المزرعة المتمثلة بـ (الخنازير) «كونها الحيوانات الأكثر ذكاءً»، ترى نفسها مختلفة عن بقية الحيوانات، حيث خلقت لنفسها امتيازات صغيرة بدت منطقية في الظاهر، مراهنةً على جهل بقية الحيوانات وقِلة وعيهم. فكان لها «طعام أفضل» لأنهم يفكرون أكثر، و«صلاحيات أوسع» لأن الإدارة تحتاج إلى الحزم، و«حماية إضافية» خوفًا من الأعداء. ثم تحولت هذه الامتيازات تدريجيًا إلى سلطة كاملة بالفعل؛ فلم تعد القرارات والإجراءات الإدارية تُتّخذ جماعيًا، بل صارت تتركّز شيئًا فشيئًا في يد فئةٍ محددة ترى نفسها «الأكثر فهمًا» و«الأقدر على القيادة». وأيّ اعتراض من سائر الحيوانات صار يُنظر إليه كتهديد، والخوف يُستخدم لإسكات الجميع. حتى القوانين التي وُضعت لحماية مبدأ المساواة بين الحيوانات بدأت تتبدل كلما تعارضت مع مصالح الخنازير.
وصلت الحيوانات في النهاية إلى لحظة مربكة؛ إذ أدركت أن القادة الجدد، الذين وعدوا ذات يوم بالقضاء على الظلم، باتوا يسلكون النهج ذاته الذي سلكه البشر قبلهم، حتى وصلت الحيوانات إلى لحظةٍ لم تعد تستطيع فيها التفرقة بين «الخنازير» و«البشر».
لم تكن “مزرعة الحيوان” في جوهرها حكاية عن حيواناتٍ ولا عن صراعٍ بين أجناسٍ أو طبقات، بل عن الإنسان نفسه حين يعيد اكتشاف نفسه مع تغيّر الظروف والمكان. فالرواية ليست نقدًا لنظامٍ أو جماعة، بل تأملٌ في طبيعة النفس البشرية حين تنتقل من موقع العجز إلى موقع التأثير وتتحوّل المسؤولية فيها إلى امتحانٍ جديدٍ للمعنى يكشف لنا كيف يمكن للسلطة أن تُعيد تشكيل الوعي الإنساني، وكيف تتحوّل نية الإصلاح إلى غريزة سيطرة تنمو بهدوءٍ كلّما شعر الإنسان بالأمان.
إن كلّ إنسان يحمل في داخله مزرعته الخاصة، دائرة صغيرة من النفوذ تكشف إنْ كان ما يرفضه مبدأً ثابتًا أم موقفًا مؤقتًا. فما فعلته «الخنازير» هناك ليس سوى نسخةٍ رمزية لما نفعله نحن البشر كلّما امتلكنا سلطةًً أو نفوذًا، ولو بالشكل الضئيل، الطفل الذي تَألم من التسلّط في بيته يكبر ليصبح أبًا شديد السيطرة، الموظّف البسيط الذي عانى من اللوائح القاسية، يتعامل بها بحرفيّةٍ جافة عندما يُمنح سلطة توقيعها، ما تغيّر هو الموقع فقط، فالإنسان في قرارة نفسه لا يفقد قناعاته بسهولة، لكنه يُعيد تعريفها لتكون أكثر راحةً له في الظروف الجديدة. إنها الديناميكية نفسها التي تصيب الأفراد كما تصيب الأمم، القاعدة
الصامتة التي تتحكم في السلوك البشري: “كلما تغيّر موقعنا، تغيّرت اللغة التي نصف بها أفعالنا”: نُسمّي الحدّة “حزمًا”، والهيمنة “كفاءة”، والتسلّط “تنظيمًا، نرفع شعار “العدالة” ما دمنا الطرف الأضعف، ثم نُدافع عن “الاستقرار” حين نصبح المستفيد منه، نتحدث عن “التعاطف” كقيمةٍ عظمى، وحين نمتلك القوة نراه ضعفًا يُعطّل الحركة. في كل اللحظات نحن نؤمن أننا على حق، لأننا، ببساطة: «لا نرى الأشياء كما هي، بل كما نحن». ربما، لهذا الأمر، تبدو قراءة الإنسان لنفسه أصعب من قراءة أيّ نصّ آخر؛ لأنّنا نعيش داخل القصة ونحن نظن أنّنا بخارجها.
لا يعيش الأفراد هذه المفارقات لوحدهم؛ فالمجتمعات بدورها تمرّ بالتجربة نفسها، ترفع الشعارات ذاتها التي كانت يومًا أداة تحرّر، لتجعل منها لاحقًا أداة ضبطٍ وتبرير بأسماء جديدة: “النظام”، “الهوية”، “الخصوصية”، والبيوت التي خافت من الصراخ تُنجب أحيانًا أجيالًا تتقن رفع الصوت تحت شعار “التربية” أو “الخوف على الأبناء” كذلك.
هكذا تتحرك «المزرعة» من داخل الأفراد إلى خارجهم، فتغدو نسقًا كاملًا في طريقة العيش والتفكير. وما لم يبدأ كلّ إنسان بتهذيب مزرعته الخاصة، فلن تنجو المزارع الكبيرة من إعادة إنتاج القهر ذاته في صور أكثر تهذيبًا وأناقة.
كلّ تغييرٍ حقيقي يبدأ حين ننظر إلى أنفسنا بصدقٍ لا تزيين فيه، فالكثير مما نعدّه معقّدًا يصبح واضحًا حين نواجهه دون سبقيات تحكم رؤيتنا أو أحكامٍ تُلوِّن نظرتنا إليه. ليس في الأمر وصفة جاهزة، بل يقظة هادئة نمارسها كلّ يوم، أن نلاحظ المشاعر وهي تتكوّن، والأفكار وهي تتشكل واللغة وهي تتزيّن لتبرّر لنا ما لا نريد الاعتراف به. لأنّ لحظة الوعي تلك، مهما كانت صغيرة، كفيلة بأن تردّنا إلى أنفسنا مانحةَ إيانا وجهًا جديدًا أكثر صفاءً وإنسانية.
غير أن إدراك هذه الحقيقة لا يكتمل ما لم يتحوّل إلى ممارسة حيّة تتجسّد في تفاصيلنا الصغيرة، فـالوعي حالة دائمة من الانتباه إلى أنفسنا، تبدأ حين نتوقف، ولوّ لثوانٍ قليلة، للفحص والمراجعة، قبل القيام بالفعل. أنّ نسأل أنفسنا ونحن نهّم بالحديث:
كم مرة استبدلت الكلمة بقناعٍٍ لها كي أهرب من مرارتها؟
هل ما أسميه “حرصًا” في الواقع هو قلقٌ على الآخرين أم رغبة خفيّة في التحكّم بهم؟
هل ما أراه “نضجًا” الآن هو اتزانٌ حقيقي، أم جفافٌ أبرّره باسم “الواقعية”؟
هل أستقبل إنتقادات الآخرين بوعي أم بـ صدِ ودفاعٍ يجعلها تمرّ بلا معنى؟
قد تبدو لحظة الوعي تِلك خاطفة بالفعل، لكن أثرها يتّسع كلّما قرّر الإنسان أن يعيشها بصدق. هي تلك المسافة الحرجة بين الموقف ومعناه، أن نراقب أنفسنا ونحن نعيد تعريف الأشياء، أن ندرك أن اللغة بدأت تميل قليلاً لصالحنا، أن نلاحظ المفردات وهي تتحوّل من وصفٍ للحقيقة إلى غطاءٍ لفعلٍ يناقضها. هذه هي اليقظة الأخلاقية التي تقي الإنسان من التحول لـ الشيئ الذي كان يحاربه يومًا ما. هو تمرين أخلاقي يوميّ قبل أن يكون مهارة لغوية أو تقويمًا للسلوك
“مزرعة الإنسان” هي تلك المساحة الخفيّة التي تتقاطع فيها الرغبة مع المبدأ، والقول مع الفعل، فيها تُختبر القيم في غياب الرقيب ويُمتحَن الوعي كلّما تبدّلت الظروف. في «مزرعة الإنسان» ، يُختبر الإنسان، فإما أن يُثمر وعيًا يُضيئ، أو يُعيد إنتاج الزيف بثوبٍ جديد.
استجابات
مقال جميل، وقد وُفق الكاتب في ربطه بين ما يسيطر علينا من آلياتٍ ناعمة تصنع الامتثال وتُنتج أفرادًا متشابهين تحت شعارات الحرية والاختيار، وبين قصة مزرعة الحيوان.
قلم جميل وعميق. شكرا لك.