بين رؤية القرآن والخطاب المعاصر
لم تعرف اللغة القرآنية يومًا كلمةً بلا قصد، ولا لفظًا بلا روح. فهي لغةٌ تُنشئ المعنى كما تحاكي الاحساس، وتُربّي الإنسان كما تُخاطب الوجدان. كل مفردة فيها جاءت في موضعها بميزان، لا تحتمل العبث بمعانيها ولا تحميلها التشويهات. ولعل من أكثر الكلمات التي تعرّضت في وعينا المعاصر للاغتيال هي كلمة (الترهيب) كلمةٌ أُفرغت من معناها، ثم أُعيد ملؤها بالخوف والدم والذعر، حتى باتت في المخيال الجمعي مرادفًا للفوضى وسفك الدماء. بينما هي في أصلها القرآني مفهومٌ وقائيٌّ أخلاقيٌّ، غايته حماية الحياة لا تهديدها أو صناعة العدوان.
الإشكال يكمن في الطريق التي سلكها المعنى خارج سياقه، فالقرآن ذكر الكلمة في إطار ردعي ليمنع الانفجار قبل وقوعه، ولم يشرعه لاباحة العدوان. وحين نعود إلى الآية المؤسسة لهذا المفهوم، تتضح الصورة بلا لبس: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ – 60 الأنفال﴾.
الآية لا تدعو إلى صناعة الخوف، وانما إلى صناعة التوازن. فـ﴿تُرْهِبُونَ﴾ لا تعني أن تزرعوا الرعب بين الناس، بل أن تُعِدّوا من أسباب القوة ما يحمل العدو على إعادة النظر قبل أن يُقدم على العدوان. إنها رهبةٌ تسبق الحرب فتمنعها، لا رعبٌ يليها فيضاعف مآسيها. قوةٌ تُرى فلا تُستعمل، وتُبنى لتمنع العدوان، لا لتغذّي الحروب. وهذا هو جوهر الردع الأخلاقي: أن تمتلك من القدرة ما يحول دون وقوع الكوارث.
واللغة العربية نفسها تشهد لهذا المعنى؛ فالجذر “رهب” يدل على خوفٍ مقرونٍ بالتوقير والتعظيم، لا على الذعر والفوضى. ولهذا جمع القرآن بين الرغبة والرهبة في العبادة: ﴿يَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا – 90 الأنبياء﴾. فالإيمان يقوم على توازنٍ ووعي؛ رغبةٌ تدفع إلى الخير، ورهبةٌ تردع عن الشر. إنها رهبةٌ تحرس القيم، ولا تصنع العبودية، وتضبط السلوك، ولا تشل الإرادة. وعلى هذا الميزان نفسه، تكون الرهبة في سياق الصراع ردعًا يحمي الحياة ويمنع العدوان، لا فوضى تُهدر الأرواح وتستبيح الإنسان.
ويبلغ هذا المعنى قمّته في نموذجٍ قرآني بالغ الدلالة: نموذج النبي سليمان عليه السلام. ملكٌ أُوتي من القوة ما لم يُؤتَ لأحد، وسُخِّرت له الجنود من الإنس والجن والطير، لا ليبطش، وإنما ليمنع الفساد قبل أن يولد. يقول تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ – 17 النمل ﴾. ولفظة «يُوزَعُونَ» في اللغة تعني يُكفُّ أولهم على آخرهم، ويُضبطون ويُنظَّمون؛ أي إن الجيش لم يكن يندفع بعشوائية، بل كان يسير في غاية الانضباط والترتيب. فهو جيشٌ عظيم، عظمته في انضباطه وقيادته الرشيدة، فلا يتحرك بالفوضى، ولا تُسيّره الغريزة. وكان حضوره وحده كافيًا لزرع رهبة تمنع العدوان قبل أن تُراق دماء.
وحين بلغ سليمان وادي النمل، اتخذت القوة صورة الوعي والمسؤولية. توقّف، وتبسّم، وشكر. افتتح الموقف برسالة، تساندها قوةٌ تمنحها الهيبة والمصداقية، فيصبح السلام خيارًا حقيقيًا لا شعارًا مجردًا. وهكذا تُفهم الرهبة في المنظور القرآني: قوةٌ أخلاقية تحرس الحياة، وتردع العدوان، وتجعل اللجوء إلى الحرب آخر الدواء.
غير أن التاريخ الإنساني – والإسلامي منه على وجه الخصوص – شهد لحظة انكسار في دلالة هذا المفهوم. حين تحوّلت القوة من أمانة إلى امتياز، ومن ردع إلى قهر. ثم جاءت العصور الحديثة، فاختطفت جماعات متطرفة النص، وفصلته عن مقصده، وحوّلت “الترهيب” من سياجٍ يحمي الحياة إلى سلاحٍ يفتك بها. وفي المقابل، استثمرت قوى الهيمنة هذا الانحراف، فربطت بين الإسلام والإرهاب، لا لأن النص يدعو إليه، بل لأن الواقع المشوَّه صار يتكلم باسمه.
واليوم، ونحن نعيش في عالمٍ لا يحترم إلا موازين القوة، يصبح استدعاء مفهوم “الترهيب القرآني” ضرورةً وجودية لا ترفًا فكريًا. فما تمارسه إسرائيل من عدوانٍ مستمر، وما يمارسه الغرب من تغوّلٍ سياسي وعسكري واقتصادي، لم يكن يومًا نتيجة خطابٍ حاد، بل نتيجة غياب الردع. فالضعيف لا يُنصَف، بل يُستباح، وتُغتال حقوقه تحت شعارات زائفة.
نحن لا نحتاج إلى إرهابٍ يروّع الأبرياء، بل إلى رهبةٍ عادلة تحمي الإنسان. نحتاج إلى قوةٍ تُرى فلا تُستعمل، وإلى استعدادٍ يمنع الحرب قبل وقوعها، ويجعل السلام خيارًا نابعًا من الاحترام المتبادل، لا من الاستسلام. فالترهيب في المنظور القرآني ليس دعوةً إلى العنف، وإنما وعيٌ دفاعيٌّ يحفظ الحياة، ويقول: لن نكون جلادين، ولن نقبل أن نكون ضحايا. إنه حق الإنسان في حماية نفسه حين تُغلق أبواب العدالة، وحقه في صون كرامته حين يصبح الصمت تواطؤًا، والسكوت على الظلم مشاركةً في استمراره.
ولهذا يختم القرآن منطقه بميزانٍ لا يختل: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا – 61 الأنفال﴾. فالغاية هي إطفاء أسباب القتال، وحماية الإنسان، وصون الكرامة. والقوة في المنظور القرآني لا تنفصل عن الأخلاق، كما أن الأخلاق تحتاج إلى قوة تحميها من أن تصبح أمنيات مجردة. وعندما يلتقي الحق بالقوة المنضبطة، يصبح السلام ممكنًا، وتتحول الرهبة إلى ضمانة للحياة، لا سببًا لإزهاقها.
إن الرسالة التي يودعها القرآن في وعينا واضحة: لا إرهاب حيث يحضر العدل، ولا سلام حيث تُغتال العدالة.
وبين الرعب والرهبة، يقف الإنسان ممتحنًا: إما أن يحمل القوة بوعيٍ يحرس الحياة، أو يتركها تنفلت فتُحيل الأرض خرابًا.
فالقرآن لم يأتِ ليصنع طغاةً ولا ضحايا، وإنما ليُنشئ إنسانًا قادرًا على حماية نفسه دون أن يفقد إنسانيته، وعلى ردِّ العدوان دون أن يتماهى معه. وهنا فقط يصبح الإنسان أهلًا لحمل أمانة الاستخلاف، لا بوصفه مالكًا للأرض، وإنما حارسًا للمعنى. والرهبة، بهذا المعنى، ليست نقيضًا للرحمة، وإنما أحد تجلياتها؛ فهي رحمةٌ بالمظلوم قبل أن يكون الظلم واقعًا عليه، ورحمةٌ بالمجتمع حين تُردع أسباب العدوان قبل أن تتحول إلى دماء وخراب.
استجابات