الشخصية الوسطية .. التجادل أو الذوبان
نتمعن في “الشخصية الوسطية” ليس لمدحها أو ذمها، بل لنرى متى تكون الشخصية الوسطية صورةً للنضج الفكري والإنساني والروحي، ومتى تكون قناعًا للهرب!
الشخصية الوسطية من حيث ظاهرها السلوكي تُوحي بالاستقرار، الإيجابية، الهدوء، التشاركية، لكن هذا السطح السلوكي ليس كافيًا للحُكم، فمن الناس من يتصرف باعتدال لا لأنه متزن من الداخل، بل لأنه متفادٍ للصدام، أو خائف من الانكشاف، ومنهم من لا يطلق حكمًا واضحًا في أي قضية، لا لأنه “حكيم”، بل لأنه “لا يريد أن يكون واضحًا أصلاً”، يبحث عن البقاء في منطقة الحياد لأنها منطقة الأمان النفسي، وربما بتذرع الابتعاد عن الوقوع في التطرف!
خطورة أن تكون شخصيتنا “وسطية” بسبب المخاوف لا بسبب النضج الفكري هي أن هذا النوع المتخفي من الوسطية هلاميٌ ومتماهٍ، الشخصية الوسطية لا تتخذ موقفاً حقيقياً وليس لها شكل ولا اتجاه، وتكون سواداً لمن غلب!!
تصور مثلاً، فكرة أو رأي أو مفهوم خاطئ يسوق له بعض الناس، وبعض آخر يقف مضاد له، والغالبية وسطية “محايدة”، هذه الوسطية ستتحول بشكل طبيعي نفسي نحو من يستطيع التغلب على فكرة ورأي الآخر، فهنا إذا تغلب الرأي الخاطئ أو السيئ فالشخصية الوسطية لا تقاوم وستندمج في هذه الجهة، وإن تغلب الرأي الخيِّر واتبعه سواد الوسط فلا يعني ذلك سيادة الخير إذ هو في النفوس ليس إيماناً إنما تماهياً مع الوسط المحيط، وهذا بذاته شرٌ أيضاً!!
عبارة تُنسب لألبرت آينشتاين: “لن يتدمر العالم بمن يفعلون الشر، ولكن بأولئك الذين يراقبونهم دون فعل أي شيء!!”
هذا النوع من الشخصية الوسطية لا ينبع من رؤيةٍ واضحة، بل من رغبةٍ دفينة في تجنّب الاصطدام، صاحب هذه الوسطية لا يرى في المواقف الحادة سوى مخاطر: فقدان الصداقات، أو الإنتقاداتٍ الاذعة، أو حتى العزلة الاجتماعية، فيختار أن يقول: “كلٌّ على حقٍّ من وجهة نظره”، أو “الحقيقة بين الطرفين”، ليس لأنّه تأمّل المسألة وحلّلها، بل لأنّه لا يريد أن يُصنَّف، لا يريد أن يُطلب منه أن يختار، لأنّ الاختيار يعني أن يُحاسب.
فالشخصية الوسطية النفسية ليست حرة في تفكيرها وخياراتها، فهي لا تختار أصلاً، وهل الحرية إلا الاختيار؟!!
إنها “الشخصية الوسطية النفسية” اللاخيار، واللاموقف، واللارأي، واللا اتجاه، واللا شكل، واللا بُعد، واللا معنى أيضا!!
هذه الوسطية ليست توازناً، بل تردّداً مُقنَّعاً، إنها موقفٌ سلبيٌّ يلبس ثوب الحياد، لكنّه في جوهره تخلٍّ عن المسؤولية الأخلاقية أو الفكرية، فالحياة لا تمنحنا دائماً فرصة الوقوف على الخط الفاصل دون أن نُجبر على العبور أو الاختيار، وفي لحظات الأزمات الكبرى – السياسية، الأخلاقية، أو حتى الشخصية – لا يمكن للمرء أن يحتفظ بماء الوجه دون أن يتبلل!! .. هنا تصبح الوسطية نوعاً من التواطؤ الصامت، أو على الأقل، نوعاً من العجز عن قول الحقيقة كما يراها المرء أو التصرف بشرف.
هنالك ثلاثة شعوريات سلبية مُستبطَنة في الشخصية الوسطية النفسية:
- القلق الوجودي من الفقد: يخاف أن يخسر احترام أحد، أو أن يُصنّف، أو أن يُعادى، فــ”المقبولية” عنده حالة أمان نفسية، وليست فقط مشاركة اجتماعية.
- الحساسية من الرفض: يخاف حين يقال إن موقفه حاد أو قاطع أو غير متفهم، لذلك، يغلف كل رأيٍ بحشو مهذّب ومنمّق، حتى لو شوّه الحقيقة أو لوّنها بضمائر مجاملة.
- المبالغة في التعاطف على حساب التمييز الأخلاقي: يتعاطف مع الجميع بلا معيار فيشمّر عن مشاعره حتى للجلاد إذا بدا “موجوعًا”!
وفي نهاية المطاف، تبدو هذه الشخصية “كريمة”، لكنها تفقد أهم مكوّن للإكرام ” قول الحق في وجه الانحراف”
الشخصية الوسطية الممدوحة .. حين يكون الوسط هو القمة
على النقيض، تُمثّل الشخصية الوسطية الحقيقية حالة نضج عقلاني وجداني ليس لأنها تقف في وسطٍ مكاني أو بين طرفي نقيض، بل لأنها تقف في مركز وعي، هي لا تحتاج إلى تطرّف كي تثبت نفسها، لكنها لا تلوذ بالصمت كي تُحافظ على صورتها.
تقول “لا” بقدر ما تقول “نعم”، ولها من الذات رسوخ، ومن الفكر ميزان، ومن الواقع اشتباك!!
هذه الشخصية تسمع، وتُدرك لكنها تُميِّز، تنفتح لكنها لا تنحلّ، تتعاطف دون أن تغرق في التماهي ..
مثالها القرآني: {وَٱلَّذِينَ إِذَاۤ أَنفَقُوا۟ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا} [الفرقان:67]
التوازن هنا ليس في “الأرقام” بل في “الحكمة المقصديّة”
هذه الشخصية تقف في “الوسط” لا لأنها لا تَرى، بل لأنها تُبصر أكثر، ولا لأنها تخاف، بل لأنها تفهم تعقيدات الواقع.
هذه الوسطية ليست غياباً للموقف، بل وفرةً فيه، موقفٌ يرفض أن يُجبر على أن يختار بين نصفَي الحقيقة، فيسعى إلى رؤية الكل، وهي من تواضع نفسي داخلي لا ترى في نفسها مطلقة الحقيقة ولا والعلم على غيرها، فترى الآخر مهما اختلف، له حقه وكيانه ووجوده وحريته، فرفض التطرف الذي تبديه لا من ضعف الشخصية بل من قوة العارف بالحق الخاضع له.
صاحب هذه الوسطية لا يهرب من الحسم، بل يُعيد تعريفه، فحسمه ليس في الانحياز الأعمى، بل في رفض الانحياز الأعمى، حسمه في أن يقول: “الحقيقة أعقد من أن تُختزل في شعار، وهو لا يخاف من أن يُنتقد، لأنه يدرك أنّ فهمه للواقع لا يُقاس بردود الأفعال العاطفية، بل بعمق التفكير وصدق النية.
فهنا تتجلى الوسطية نتيجة للنضج الفكري والوعي، وتبلجٍ للحكمة في أن الإنسانية أوسع من أن تُختزل في ثنائية سطحية: ابيض وأسود، حقٌ وباطل، صديقٌ وعدو ..
في عالمنا اليوم، الذي يزداد انقساماً يوماً بعد يوم – بين يمين ويسار، مؤمن وكافر، وطني وخائن – تصبح الوسطية الحقيقية أكثر صعوبة، وأكثر ضرورة، فالمجتمعات الرقمية، ولا سيما وسائل التواصل الاجتماعي، تُشجّع على التطرف، لأنّ الرأي المتطرف هو الأسرع نحو الانتشار وجذب الانتباه، أما الرأي المعقّد، المتوازن، فهو بطيء، يحتاج إلى قراءة، ويفتقر إلى “الهاشتاغ” الجذاب!!
في هذا السياق، يصبح من يختار الوسطية الحكيمة خصاً ثورياً، لأنه يرفض أن يكون من غبار الوسط المحيط، إنه يقاوم ثقافة شالتبسيط، ويُصرّ على أنّ الإنسان والعلاقات الإنسانية أعقد من أن تُلفلفَ في تغريدة.
الهوية الشخصية وامتحان الوسطية .. التلاقي الناضج أو التماهي المذوب للملامح !
من أنا حين لا يراني أحد؟ ومن أكون حين يراني الجميع؟ بين هذين السؤالين تسكن الهوية الشخصية، تتأرجح بين قاع الذات وسطح العلاقات..
الهوية لا تُبنى في الفراغ، بل تتشكل دائمًا في علاقة بين الذات والآخر، فهي ليست تجربة أو صناعة داخلية خالصة ولا قشرة خارجية يراها الناس وحسب، هي تفاعل مستمر بين كيف نرى أنفسنا وكيف يرانا الآخرون..
التمييز المهم هنا هو في طبيعة هذه العلاقة، فالهوية تُصاغ في الداخل عبر قراراتنا ووعينا، لكن الآخر هو المرآة التي تعكس صورة هذا الداخل إلينا، فبالتالي:
- هويتي الذاتية هي صورتي الوجودية أمام الآخرين، أو وجهي الإنساني الذي أقدمه للعالم، أنا بكلي الذي يراه الآخرون ولهم منه مساحة من التلامس أو التأثر والتفاعل، (شكلي، لبسي، لغتي، قيمي، ومبادئي، أفكاري، رؤيتي، آرائي).
- بعض هذه المظاهر سطحي خارجى، وبعضها جوهري عميق، فالهوية مزيج من اللباس الظاهر والجوهر الباطن.
والهوية الذاتية تنضج وتختبر بوجود الآخر، إذ من خلاله نتعلم حدودنا ونكتشف عمقنا.
مثال تخيلي: “زاهر”، عربي يعمل في الغرب، متزوج وأب، مجتهد في عمله، يهتم بمرضاه حتى خارج الدوام، مهذب، صبور، عفيف.
إذا اعتبرنا المثال هذا بطاقة هوية شخصية فإننا نستطيع أن نرصد:
- صفات ظاهرية: الاسم، المهنة، الجنس، العِرق.
- قيم جوهرية: الصبر، العفة، الرحمة، الاحترام، حب الخير.
- مبادئ سلوكية نابعة من هذه القيم: الاجتهاد، الإتقان، خدمة الناس، التهذيب.
هذه الرؤية تمهد لفهم المسافة الدقيقة بين التلاقي الناضج بالآخر، وبين التماهي الذي يمحو الذات.
ومن هنا يبدأ امتحان الهوية الشخصية، متى يكون الانفتاح تعارفًا يثري الذات؟ ومتى يتحوّل إلى تماهٍ يُفقدها ملامحها؟
الشخصية الوسطية والهوية:
إن مسألة الشعور بالأمان ليست ترفاً للإنسان، بل وباقي المخلوقات أيضاً، جزء من هذا الشعور يتغذى على الوجود ضمن محيط إنساني / جماعة، والاندماج مع هذا المحيط يقلل الشعور بالغربة ويزيد من الشعور بالأمان.
ومن منافذ الشعور بالأمان تقدم الوسطية نفسها كحل وطريقة للاندماج مع الوسط المحيط وتقليل الشعور بالاغتراب، ولكنها تضع المرء في محنة مع الوسط المحيط بعدة مفترقات:
الأول: أن يتماهى كلياً مع الوسط المحيط، فكيفما يكن الوسط الذي يكن فيه يذوب بكله فيه، أو كما يقول الشاعر:
فَلَمّا عَصوني كُنتُ مِنهُم وَقَد أَرى *** غِوايَتَهُم وَأَنَّني غَيرُ مُهتَدي
وَهَل أَنا إِلّا مِن غَزِيَّةَ إِن غَوَت *** غَوَيتُ وَإِن تَرشُد غَزيَّةُ أَرشَدِ
الثاني: التمسك الشديد بسطح هويته الذاتية ، (عائلته، قبيلته، حِلته، لهجته، جنسه، عرقه، ..إلخ)، حد التنابز والتفاخر والاصطدام، وهذا هو مسلك الشخصية المتزمتة المتطرفة.
الثالث: التمسك بما هو جوهرٌ في الهوية، أي قيمه الذاتية مثل(عفته، تقديره للوجود من حوله، احترامه لهم، حب الخير، نبذ الظلم، قول الحق ولو على نفسه، الموضوعية المجردة، الصدق، النشاط، الحفاظ على النفس، …) والتي كثيراً ما تكون أول ما يُلقى به قرباناً للإندماج والتمازج مع المجتمع الجديد.
نلاقي هذه التحديات مثلاً عند الارتباط بأصدقاء جدد، أو الالتحاق بالجامعة، أو العمل، أو السفر والاغتراب، فقد نرى أنفسنا في مفترق بين التماهي مع المجتمع الجديد هذا أو صحراء الاغتراب!
إن التمسك بالجوهر وفي نفس الوقت الانفتاح على الآخرين لفهمهم والتلاقي معهم والأخذ منهم والتعاطي معهم، عملية الإنشراح هذه فتحٌ لأفق التطور الذاتي والوعي الشخصي.
ختاماً: الوسطية تعني التوازن، والتوازن ليس هو المنتصف من كل شيء، فالجسم مثلاً فيه الكثير جداً من الكيميائيات، وكل شيء يجب أن يكون بمقدار موزون، النقصان مشكلة والزيادة فيه مشكلة، لذا فهي واقعة تحت إدارة صارمة من الدماغ، فالتوازن عملية إدارية عقلانية حكيمة وليست نتاج تحيزات ومخاوف نفسية.
الوسطية ليست مجرد “التقاء في المنتصف”، وليست نصف خطوة في الطريق، إنها اكتمال الخطوة في قلب الإنسان حيث يرى الناس في جوهرهم لا في سطحهم، وأن يكون حاضراً بكله دون أن ينغلق، وأن ينفتح لهم دون أن يذوب..
الصدق للجذور والانفتاح للآفاق..
استجابات
مقال جميل