الوسطية الجماعية .. أين “النحنُ”؟ جذرٌ يَخنقُ؟ أم أوراقٌ تتبعثر؟
الهوية ليست بطاقة تعريف أو مظاهر خارجية، هي منظومة تمنح المجتمع شكلاً والمرء فيه الشعور بالانتماء، وتتشكل من اللغة، الثقافة، التاريخ، العقائد، القيم .. إلخ، كل ذلك بالإمكان تصنيفه تحت بندين:
الأول: الجوهر: أي جوهر هذه الهوية، والذي يعنى بِقيَم تلك الهوية المرتبطة بكون الإنسان إنساناً، فمثلاً: تَعتبر الهوية العربية إكرام الضيف، وإغاثة الملهوف، والشهامة، والكرم، والعفو عند المقدرة، والوفاء، جزءًا أصيلاً أو جوهرياً من الهوية العربية، وكما نلاحظ في هذه القيم أنها جوهرية وإنسانية جداً في عمقها وأبعادها، وهي أيضاً ليست خصوصية جداً للعرب وحدهم.
مثال آخر: الهوية اليابانية مرتبطة بقيم مثل:
- الاحترام (Rei – 礼)
- الإنضباط الذاتي (Jisei – 自制)
- التفاني (Ganbaru – 頑張る)
- الإنسجام الجماعي (Wa – 和)
- الإهتمام بالتفاصيل (Kodawari – こだわり)
وأيضاً أمثلة من الهوية الهندية: (العائلة والروابط الأسرية، الإحترام للطبيعة، التعلم والمعرفة “الحكمة”، الصبر والتحمل)
لاحظ معي أنها كلها قيم إنسانية جوهرية، لكن من الواضح أيضاً أنها تمثل سمات عامة لتلك المجتمعات تشكل ثقافتهم وحياتهم.
الثاني: الشكل: مثل اللغة، الدين، التاريخ، العائلة والقبيلة والبلد، وهنا ما يكون الخلط دائماً وذلك متفهم جداً إذ أن الشكل الخارجي لأي شيء هو ما يعطيه تعريفه الأولي، ولا يعني هذا أن الشكل بالضرورة سطحي، بل قد يكون عميقاً في التأثير في الجوهر كاللغة والدين.
وبين هاذين الجانبين (الجوهر والشكل) نتيه، فعادة ما نعتبر أن تغيّر الشكل (اللغة / اللهجة)، (الدين/ المذهب)، (العائلة / البلد)، هو تغيّر في الهوية، وأن التمسك بها تمسك بالهوية حتى لو كان المرء فاقدًا للعديد من مكونات جوهر هويته.
في فيلم الساموراي الأخير (The Last Samuri)، تدور جوهر فكرة الفيلم في صراع بين رؤيتين للهوية، الأولى محافظة شكلاً ومضموناً ويمثلها الساموراي، والأخرى متماهية تماماً مع حركة التغريب القسري للهوية شكلاً ومضموناً، ضمن حركة التوسع الإستعماري الغربي ويمثله طبقة التجار والساسة المستنفعين من التغريب.
لكن خلف أزياء الساموراي وبدلات الغرب وجهٌ واحدٌ للحيرة الإنسانية نفسها: كيف نحفظ الذات دون أن نحبسها!!
وهنا نتساءل، هل الهوية الجماعية ذاكرة أم مشروع؟!
إذا كانت الهوية الجماعية بكل محتواها ذاكرة ممتدة متكررة الشكل كأنها عادة واجب التأكيد عليها بالتكرار كالفلكلور، فهذا ما يجعلها غير قابلة للتلاقي والتلاقح أو التطور أو الاندماج، وستكون مع الزمن عرضة للتحلل الحضاري والاندثار، لا شيء غير نافع ينفذ للمستقبل، عليه “وجوبا” أن يتطور وينمو لينفذ.
وإذا كانت الهوية الجماعية مشروع فمن أهداف كل مشروع النجاح والتوسع والتأثير، ولا يستطيع ذلك إلا بتفتح أطرافه للتلاقي مع الهويات والتلاقح معها والتطور، بل والتخلص مما لا يفيد أو موانع التقدم.
فهل كان الساموراي يسعى للحفاظ على مضمون الهوية اليابانية عبر التمسك الشديد بالتقاليد؟! أم هل كان التجار والساسة اليابانيون يسعون لتطوير الهوية اليابانية عبر لبس القبعات الغربية وتدخين السيجار؟!
وها نحن مرة أخرى في مشهد تقليدي بين التطرف المتشدد تحت أي اسمٍ كان، والتحلل تحت العنوان الكبير “الوسطية”!!
فهل تُولَدُ “الوسطية” في الجماعات كفضيلةٍ عقلانية أم كآليةٍ دفاعية ضد الصدام؟
عندما تُولد الوسطية من نضج فكري ووعي جمعي، تكون فعلًا فضيلة عقلانية، أي أنها نتيجة لاجتماع عناصر ثلاثة:
- إدراك لتعقيدات الواقع وأن الحقيقة لا تُختزل في طرف واحد.
- وعي بالمقاصد الكبرى والقيم الإنسانية العليا كالعدل والرحمة والحرية والكرامة لكل إنسان.
- قدرة على الموازنة بين المختلفات دون الوقوع في الحياد السلبي.
في هذه الحال تصبح الوسطية موقفًا إيجابيًا فعالًا لا هروبًا، واختيارًا عقلانيًا لتحقيق الانسجام الاجتماعي وجمع الناس على قيمة أعلى من الخلاف.
قد نرى هذا النضج بعد تجارب مريرة ودموية بين المجتمعات والثقافات والحضارات، فبعدما ينهكهم الصراع والتصادم، قد يولد هذا الإنهاك نضجاً تطوريًا مع الزمن، نرى ذلك في بعض المجتمعات التي كانت تعاني من التمييز العنصري، أو التي كان بينها حروب أهلية.
ولكن قد تولد الوسطية في خضم تلك الأحداث كآلية دفاعية ضد الصدام، إما عجزًا وإما خوفًا، وهنا الوسطية ليست فضيلة، إنما رايةٌ مُنتَصَفِية! .. نصف قول! ونصف فعل! ونصف مبدأ! ونصف رضا! ونصف حياة!! .. ونصف هوية!
فتميل النخب إلى خطاب “التوازن والتهدئة” الذي يهدف إلى تجميد الصراع لا إلى حله، فيُسمّى وسطًا بينما هو في الحقيقة هدنة خوف!
و”الوسطية” الفضيلة لا تهدف إلى تجميد الصراع، بل إلى إيقاف الصراعات الحضارية النابعة من الاختلاف وتحويلها إلى صِلاتٍ حضارية تحت مظلة القيم الإنسانية العليا.
وقد تُولَدُ الوسطية بشكليها الفاضل أو الخائف ليس نتيجة صراع ولكن نتيجة الاقتراب من مجتمع أو حضارة أكثر تطورًا (ثقافيًا/ علميًا / تكنولوجيًا)، والتطور يشكل مغناطيس جذب حضاري مُغرٍ للتقليد للمجتمعات الأقل تطورًا، وهذا مسارٌ طبيعي سيضع المجتمع بين ثلاث خيارات:
إما:
- التطرف والتشدد في التقوقع حول الذات ومقاومة الانفتاح،
أو:
- التنكر للهوية والتماهي في هوية الحضارة الجديدة،
أو:
- التمسك بالقيم الذاتية لهويته، والانفتاح على الثقافة الجديدة،
والأخيرةُ هي الوسطيةٌ التي تنبع من فهم الإنسان والوجود وحركة الحياة.
فقدان “النحن” وولادة القلق الهوياتي
كلُّ جماعةٍ تبدأ واثقة بذاتها، مطمئنة إلى “نحنُها”، حتى تصطدم بزمنٍ جديد تختلف فيه القيم، أو تتبدّل اللغة، أو يزاحمها الآخر في الفضاء نفسه! عندها يتسلّل الخوف، خوف من التلاشي، خوف من فقدان الخصوصية، الخوف من الآخر، من المستقبل، من التغيير، وخوف أعمق من ألّا يكون لما نفعله ونعيشه اليوم معنى في الغد، هذا الخوف هو اللحظة الأولى في تشكّل الغُربة الجمعية.
حين يخاف المجتمع، يحتمي إمّا بـ الماضي المتصلّب أو بـ التقليد المبهور، في الحالة الأولى يتجذّر الخوف حتى يتحوّل إلى تعصّبٍ يقدِّس الجدران، وفي الثانية يتقنّع الخوف باسم الانفتاح فيتلاشى في الرياح، والنتيجة في الحالتين واحدة: ضياع “النحن”! فحين تُختزل الهوية إلى حنينٍ أو إلى استيرادٍ ثقافي، تفقد الجماعة تماسكها الداخلي وتدخل في حالة اغترابٍ عن نفسها، وتنكمش داخل شعورٍ جماعي بالعُزلة، وكأن الجميع يعيش في بلدٍ واحد لكنّ كلّ فردٍ في جزيرته الخاصة.
عندها يتفكّك ضمير الـ«نحن»: لم يَعُد الفرد يرى نفسه امتدادًا للآخرين، ولا يرى الآخر امتدادًا له، تُصبح العلاقة بين أفراد المجتمع علاقة حذرٍ ومراقبة؛ يحمل كلّ منهم أعلام هويته لئلّا يُخطئ الانتماء إليه أحد!
الغُربة الجمعية ليست فقط فقدانًا للمكان؛ إنها فقدان المعنى المشترك بين الأفراد، حين لا يعود الناس يفهمون القيم نفسها بالكيفية ذاتها، أو حين يتحدث الجيل الجديد بلغة لا يسمعها الجيل القديم، تظهر اللحظة الحرجة التي يصبح فيها المجتمع متجاورًا جسديًا متباعدًا وجدانيًا.
لكن هذا الخوف يمكن أن يكون أيضًا بذرة وعي، فكلُّ صدمةٍ هويّاتية قادرة إن ووجهت بعقلٍ وبصيرة أن تتحوّل إلى طاقة نقدٍ وبناء، هنا يبدأ الوعي الجماعي الحقيقي: أن يُدرك المجتمع أن هويته ليست جدارًا يدافع عنه ولا عباءةً يخلعها، بل كائن حيّ يحتاج إلى تنفّس وتجدد.
التحوّل من الخوف إلى الوعي لا يحدث دفعةً واحدة، بل عبر ثلاث مراحل:
1. مرحلة الصدمة حين تتبدل المشاهد المألوفة.
2. مرحلة المساءلة التي يُعاد فيها طرح السؤال: ما الذي يبقينا “نحن”؟
3. مرحلة التحوّل البنّاء حين نبدأ نعيد صياغة قيمنا ونُطاق تواصلنا مع العالم دون فزعٍ أو استلاب.
حينها فقط تولد الوسطية الجماعية الممدوحة: وعيٌ متجدد يواجه الخوف بالمعرفة لا بالتقوقع، ويواجه الذوبان بالثقة لا بالإنكار.
الجذر الحيّ والورقة الواعية.. معادلة البقاء والامتداد!
كل أُمّةٍ، مثل شجرةٍ، لا تعيش بالجذر وحده ولا بالأوراق فحسب، بل بالتناغم بين عمقٍ يُمسكها بالأرض وامتدادٍ يمدّها في الهواء، الجذر الحيّ هو القيم الأصيلة التي تبقي الإنسان إنسانًا، لكنه يصبح عبئًا حين يتحول إلى جذرٍ راكدٍ يرفض الماء الجديد، فيتعفّن ويخنق الشجرة من داخلها.
والورقة الواعية هي الانفتاح، الحوار، الإبداع، لكنها حين تنسى جذورها تُصبح ريشةً في مهبّ الريح، تلتمع للحظة ثم تبهت وتذروها الرياح.
في معادلة البقاء والامتداد لا نختار بين الجذر والورقة، بل نختار الحياة التي تُوازن بينهما، فكلّ جذرٍ صادق يجب أن يعرف كيف يبعث عصارة الحياة في الأوراق الجديدة، وكلّ ورقةٍ ناضجة ينبغي أن تعرف الطريق إلى الجذر.
الوسطية الجماعية ليست وقوفًا في منتصف الطريق، ولا مهادنةً بين ثباتٍ وجريان، بل وعيٌ ينقل الأمة من الخوف إلى الفعل، ومن الدفاع إلى البناء.
إنها الدعوة لأن تكون الجذور مصدرَ حياةٍ متجدّدةٍ لا متحفًا للذكريات، ولأن تكون الأوراق ظلًّا للآخرين لا رمادًا في الرياح. هكذا فقط تظلّ الجماعة حيّة، جذرها في الأرض يمدّها بالمعنى، وورقها في الهواء يمدّها بالأمل؛ فتكون “نحنُ” التي لا تخاف من الضوء ولا تجحد الأصل.
استجابات