مفهوم الوسطية – 3

” الحرية الوسطية” .. أجنحة تطير أم ريشٌ في مهب الريح؟!

الحرية كغيرها من الكثير من المفاهيم، معقدة الفهم والمنظور، وأكثر تعقيدًا في التطبيق..

مثلاً: الصبر كمفهوم شيء، لكن على مستوى التطبيق بحاجة لمقاربة وأدوات أخرى، وكذلك العدالة، الرحمة، الإحسان، العفو، الاقتصاد.. إلخ.

سنحاول في هذه الحلقة مقاربة الحرية من وجه غير المعتاد نبادره بالتساؤل:

هل نستطيع فعلاً أن نمارس الحرية بمعناها المطلق في الحياة الواقعية؟ هل هناك حرية مطلقة أصلاً؟!

الحرية مفهوم سلبي، بمعنى أننا لا نستطيع التعرف عليها و لا تعريفها بدون القيد، كالظل لا نستطيع رؤيته بدون الضوء، وبالتالي لا نستطيع ممارستها أيضاً بدون القيد، بل كل التجربة الملموسة تحيلنا على القيد نفسه!!

تصور مثلاً، في لحظة ما استفقت، فوجدت نفسك وحدك في قارب وسط البحر، إن تمعنت فيها ستجد أنها لحظة حرية شبه كاملة، ومن زاوية أخرى ستجد أنها لحظة رعب مفزعة جداً!!

في الواقع أول ما سنفعله هو البحث عن علامة أو توجه، محاولةً للتعرف على الجهات، وأين أنا من أين! وكيف استدل على الشرق من الغرب من الشمال من الجنوب .. ولكن أليس هذا هو نفسه بحثٌ عن القيد!!

لا نستطيع أن نحيا في الفراغ المطلق ولا كذلك أدمغتنا تستطيع التعشيق في اللاشيء! والحرية هي ليست التحرك في المطلقات، الحرية هي القدرة على الفعل في المحدودات!!

مثال توضيحي آخر، أردت الذهاب لمكان ما، فمن لحظة القرار للذهاب لذلك المكان حتى الوصول، نحن في شبكة لا تحصى من القيود، تذهب ماشياً أم راكبًا؟!! .. قيد!

تركب السيارة فتكون مقيدًا بمقعدك وبالطريق وبالقوانين والأرصفة والسيارات المحاذية والإشارات المرورية وسرعة الشارع والإضاءة والمسافات الآمنة مع الآخرين! .. أنت حرٌ في وجهتك وبما تريد الاستماع له أثناء الرحلة.. والباقي! قيود..

ومن حيث التأمل تجد أن شركات السيارات كل ما تفعله من تطويرات في السيارة هو لجعل رحلتك المليئة بالقيود أكثر راحةً وأماناً، ولكن لن تخرجك من القيود!

هكذا نكتشف أن القيد نفسه هو ما يمنح الفعل معناً وحدودًا، لا عدوًا له، حتى الخيال مهما انطلق فهو محدود ومقيد بالموجود، لا نستطيع تَخيُّلَ عدم! فنحن في ممارسة الحرية في الواقع بين انطلاق محدود وبين حدٍ محدود!

معرفة تلك المقدمة مهمة لفهم الحرية على الواقع بعيداً عن التنظير والفلسفة أو حتى الأماني.

ومن هنا تلمع الوسطية ببريقها في أنها هي الحل المتزن لمعضلة ممارسة الحرية في الواقع، فهل هي كذلك حقاً؟ فأين تكون حلاً حكيماً وأين تكون لباسَ زاهدٍ لمواراة شهوة الانفلات من القيم؟!

الحرية الهستيرية – ريشٌ في مهب الريح!

لا يتجلى الشيطان بقرنين ووجهٌ أحمر ينفث النار والدخان، فنحن دائماً بحاجة لتزويق سلوكياتنا لتكون مستساغة أو مقبولة من المجتمع، ولكن عندما يكون القبول الاجتماعي لفعل وسلوك هو الهدف بحد ذاته سواء قصدنا أو شعرنا بذلك أم لم نقصده ولم نشعر به، نكون وقعنا في شباك الوسطية المذمومة.

ومن زاوية أخرى نتسائل، هل الحرية في ذاتها هدف؟!

مع أن كلمة الحرية لها بريق لايقاوم، ومع أنها تعملُ في دواخلنا كأنها قدرٌ نسعى له أو فطرة تحركنا، إلا أن كل ذلك ليس هدفاً بحد ذاته!

أهمية الحرية تمكن في أنها الوسيلة للتفكير، والوسيلة لتفكيك البرمجة المجتمعية من ذواتنا، وهذا مايسمو بالعقل ويدفع بالوعي بشكل متزايد، فالحرية بالأساس حرية تفكير تؤدي لسلوك حر، وهذا مايرفع كرامة الإنسان “السلوك الحر”.

إن التحول الخفي للوسائل لتكون غايات بحد ذاتها يشكل ضباباً على ما يجب أن يكون هدفًا إلا أنه تمت إضاعته في الطريق.

 قد لاتكون هستيريا التحرر المطلق إلا مُعاكسًا ونتاجًا لتصلب الطرف الآخر، فهي تطرف معاكس، وكلاهما (التحررية والتصلب) هما محاولة الشعور بالقبول في مجتمع ما أو الامتزاج مع تيار ما، وليس اي منهما قرارات وسلوكيات وليدةُ تفكير حر أو إيمان حر، وكل ذلك هو ضد كرامة الإنسان! هذا التحول هو من عبودية لأخرى ليس إلا.

مايميز الانتقالات الفكرية أو السلوكيات التغيُّرة الحرة عدة أمور منها:

  • أن المرء يبقى في حال عدم استقرار يقيني لدرجة ما على الأقل
  • أن التغيّر الفكري يرافقه تغير سلوكي قيمي عميق وليس سطحيًا
  • لا يصاب المرء بالعمه عن عيوب وأخطاء ومثالب بيته الفكري الجديد
  • أن المرء لا يجعل من نفسه نسخة من أفراد المجتمع الجديد، ويرى في نفسه وفي كل شخص فرادة يجب أن تحترم
  • أن المرء لا يزال منفتحًا عقليًا ونفسيًا نحو الآخرين المغايرين

تحول الحرية من وعي بالاختيار إلى انفعال ضد القيد يفقدها اتجاهها ومعناها، ويدخل المرء في فوضى الانفعال التي تمسخ الانسان باسم الحرية.

الحرية الوسطية .. طائرٌ ذو أجنحة

كثيرًا ما يعبر عن الحرية فنيًا بصورة طائر يطير، هي فكرة معبرة وربما أكثر مما تأمل فيها صانعها..

يبدو للناظر أن الطائر يطير حيثما يشاء، لذلك جعله رمزًا للحرية، غير أن الطائر مقيدٌ جدًا!

لايضيع الطائر طاقته في الطيران عبثًا، لأجلٍ شعورٍ مغرورٍ بالقدرة مثلاً، أو الشعور بالحرية! أو لأن الجو جميل للطيران!

يطير إما ابتعادًا عن شر يهدده أو لخير يبحث عنه (طعاماً، ماءً، مأوى) .. وفي كلا الحالتين فهو يطير لخير وإن أمعنا التأمل، يطير لخيرٍ بموازين دقيقة:

  • اتجاه / توجه
  • يراعي قدراته
  • سرعات محددة
  • ارتفاعات محددة
  • مسافات محددة
  • وبعض الأحيان ضمن سرب وقيادة ومصفوفة

إذاً فهو مقيد ايضاً!

الحرية المقيدة المسؤولة المتوازنة الحكيمة “الوسطية” لا تعني ضعف كفاءة على الإطلاق، بل على العكس، أكثر كفاءةً من الحرية الهستيرية المبعثرة والعشوائية.

إن المعنى الأعمق للحرية الوسطية ليس الانطلاق نحو آفاق أخرى فقط، فهي أيضاً في الوقت نفسه انسكاب نحو الداخل القيمي (العقل، والضمير، والوجدان)..

عندما يتحرّر الإنسان إلى الخارج من سلطة أو قيدٍ ما، يبدأ الامتحان الحقيقي في الداخل:

هل هذا الانطلاق تسليم للعشوائية؟ أم أنه تجاوب مع صوت الضمير والعقل والوجدان؟

إن العقل يحرّر الحرية من الجهل، ليمنحها بوصلةً معرفية.

و الضمير يحرّرها من الأنانية، ليزرع فيها مسؤوليةً أخلاقية.

و الوجدان يحرّرها من الجفاف ويجعلها قابلة للإحساس والشعور.

الحرية التي تتحرك بلا اتصال بعمقها الروحي والعقلي تتحول بسرعة إلى فوضى؛ لأنها تفقد “بوصلة الميلاد”! إنها تُحرر الجسد من الخارج لكنها تترك الفكر والمشاعر عبيدًا للهوى أو الرغبة أو الجماعة.

الحرية التي تعود إلى الداخل القيمي تعرف أن كل انطلاق في الكون يحتاج محورًا يدور حوله، مثل الكواكب في مداراتها، حركتها الحرة لا تعني فوضاها، بل انتظامها حول مركز يهبها التوازن والضوء، فلا يمكن للفوضى والعشوائية أن تكون خلاقة، الفوضى تخلق الفوضى!

الإبداع، التطور، التقدم، نتاج لحرية تفكيرية موزونة، هكذا هي الحرية “الوسطية” جناحين لا ريشاً في مهب الريح، والحرية التي لا تعرف إلى أين ليست طيرانًا بل تطايرًا.

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *