” الإيمان الوسطي” .. على الصراط أم في المنتصف؟
عندما نشدو بإيمان وسطي فما الذي نعنيه بذلك؟
هل الوسطية هي الوقوف في المنتصف بين متطرف متشدد وبين متحلل؟
هل هي أَنصافُ أعمال؟ افعل ما تشاء لكن صلاتك لا تخليها؟ .. إذا أكثرت من الذنب أكثر من الحج والاعتمار؟ فيغسل حسن هذا ذنب ذاك؟! أو إن أكلت مال اليتيم فأكثر من الصدقات؟
هل هي رافق الصالحين ورافق الطالحين تكن وسطيا؟
هل هي كن مع كل نفر كما هم؟
هل هي المنتصف بين الفضيلة والرذيلة؟ .. الوسط، بين ظاهرٍ ورِع وباطن شهواني!
أو كـالصَّف عن البعوضة وبلع الجمل!
نحاول في هذه الحلقة التعرف على المعنى الجوهري للإيمان الوسطي ونتعرف أيضاً على الممارسات الملتبسة بالوسطية..
إن وصف أي سلوك أو رأي بالتشدد أو بالتحلل عادة ما يكون معيارًا ضبابياً، فما قد نراه تشددًا قد يراه آخر طبيعيًا واعتياديًا وكذلك العكس، لذا إن أردنا إحكام مفهوم الوسطية الإيمانية فجزء منها أن نبتعد قدر الإمكان عن المعايير الضبابية أو الوصفية، والتي قد تكون مرتبطة بالذائقة والشخصية والنفسية أكثر منها للمرجعية، فما الذي يصح أن يكون مرجعًا ونحن نقارب فكرة إيمانية كــ”الإيمان الوسطي” يجب أن لا تكون مختصة بدين معين حتى؟
إن فكرة الإيمان في بعض أبعادها الجوهرية تكمن بين ثلاث:
- الحرية، حرية التفكير والاختيار
- القرار / التقرير
- الالتزام بذلك القرار
وإذا فهمنا أن جوهر الإيمان يقوم على حرية التفكير والاختيار، ثم على القرار الواعي، ثم على الالتزام بما أدركه القلب والعقل معًا، فإنّ أي انحراف عن هذا المسار يخلق أشكالًا من التدين تبدو “وسطية” في ظاهرها لكنها عاجزة عن حمل هذا الجوهر، فحين تفقد الحرية معناها تتحول الممارسة الدينية إلى تقليدٍ موروث، وحين يضعف القرار تتحول إلى تردّدٍ يبتغي رضا الجميع، وحين يغيب الالتزام تتحول إلى شعارات تُرفع بلا روح.
من هنا نشأت ما يمكن تسميته «الوسطية الدينية الشائعة» التي تكتفي بالمنطقة الآمنة بين الإيمان واللاالتزام، تستعير لغته ولا تحمل روحه، وتجعل من الشعارات بدائل عن المعنى الذي وُجد الإيمان لأجله.
الوسطية الدينية الشائعة
في العديد من المجتمعات الإسلامية أصبحت عبارة “الوسطية الدينية” شعارًا جاهزًا يُرفع في وجه التطرف، لكنها في التطبيق اتخذت معاني متعددة، منها ما هو إيجابي ومنها ما هو سطحي أو مزيّف، يمكن توضيحها بصورتين:
الأولى: فردية “وسطية المساومة”
هي التي تفهم “الوسط” بمعنى المنطقة الرمادية بين الإيمان واللاالتزام، فتصبح حالة من نصف تدين ونصف لا مبالاة، تبدو نصف إيمان ونصف قرار، والإيمان لا يمكن أن ينتصف بَين، هو إما أن تؤمن بالشيء أو لا تؤمن به، كمفتاح كهرباء (فتح / غلق) .. وفي الفتح عالم من الخيارات والقرارات وفي الغلق عالم آخر.
فالإيمان كُلٌ وليس تبعيضًا للأهواء، ومن هنا تتجلى أهمية وضع القيم كمرجعية للإيمان الوسطي وليس تركه عرضة للتفسير أو الأهواء، إذ هو ليس الوقوف في المنتصف، بين النور والظلام، الحسن والقبيح، الخير والشر، الحق والباطل، فهو متحيز للنور والحق والحُسن والخير حنيفاً دون جهة ولا جماعة.
تأمل معي هذه الآيات القرآنية لنستشف معًا هذا المعنى:
آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴿البقرة: ٢٨٥﴾
الجمال فيه “الإيمان”، وكأنه يجمع بين أبعاد متاضدة، ففي الوقت الذي هو تحيز وتمسك والتزام وتوجه، إلا أنه منفتح وقابل للوصال والتلاقح والنمو – وبهذا يكون الإيمان كائن حي ينبض ويتفاعل وليس حدودًا وقوانين موروثة إما ليست أصيلةً إيمانية إن أحسنا الظن، أو كثيرًا ما تكون خارج الزمن أو ميتة، واحترام الميت دفنه.
الثانية: من الوسطيات الشائعة – اجتماعية – الوسطية الشعارية (الخطابية)
هي الوسطية التي تُستخدم لتلميع صورةٍ دينية أو سياسية، دون أن تعبّر عن فكرٍ متوازن فعلاً، فتكون خطابًا يتجنّب النقاش في القضايا المثيرة، فيكتفي بوعظٍ عامّ لا يزعج أحدًا، وأيضًا لا يقدّم وعيًا حقيقيًا للجمهور، يُقدَّم فيها الدين بوصفه حلًا توفيقيًا تعايشيًا يحفظ حالة الاستقرار حتى لو كان مريضًا، لا بوصفه حكمة حياة وطريقًا للعدالة والحرية والكرامة لكل إنسان، لكن كحل خطابي في قبال خطابات أخرى ثورية مستفزة للمشاعر والعواطف لا تخلو من الشهوة للسلطة أيضًا، وكِلا الخطابين الفكريين خارج عن الوسطية الإيمانية المنشودة.
وهذه الصورة المزيّفة من الوسطية لا تنشأ من محبة لِحق، بل من الخوف من الانحياز له، إنها إيمان يُقاس بمدى نفعه الاجتماعي أو السياسي، لا بصفائه الأخلاقي. تبدو في ظاهرها توازناً لكنها في جوهرها انتقائية تختار من الدين ما يوافق المصلحة وتغفل ما يقيّد الهوى، وهذه الانتقائية ليست جديدة في التاريخ الإيماني فقد سجّل القرآن مواقف أممٍ سابقة مارست الإيمان على هذا النحو، تؤمن بجزء وتكفر بجزء حين تتعارض موازينها مع الحقّ نفسه، كما في قوله تعالى:
ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿البقرة: ٨٥﴾
الآية تُوبّخ بني إسرائيل لأنهم خالفوا كتابهم فقتل بعضهم بعضًا، وأخرجوا فريقًا منهم من ديارهم، ثم إذا وقع أولئك في الأسر فادوهم، مع أن إخراجهم محرّم عليهم من الأساس! فعاتبهم الله على “إيمانٍ انتقائيٍّ”، يؤمنون ببعض الأحكام ويكفرون ببعض. والمقصد القرآني الأعمّ أن من يُجزّئ الإيمان ويجعل الدين تابعًا لهواه ينال الخزي في الدنيا، والعذاب في الآخرة لفقده وحدة الحقّ، فالإيمان الحقّ واحد، لا يُنتقى منه ما يوافق المصلحة ويُترك ما يخالفها.
لكننا إذ ننقد هذه الصور، لا لننفي الوسطية عن الدين، بل لنستعيد معناها الأصيل كميزانٍ للفكر والضمير.
فما هي الوسطية التي ننشدها؟
وسطية المعرفة أساس وسطية الإيمان وروحها
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴿الحجرات: ١٣﴾
هذه الآية محورية لفهم أنفسنا وموضعنا في الوجود الإنساني، إن التعالي بأي شكل كان (ديني، نفسي، عرقي، فكري)، ليس في أفقه إلا الإنغلاق والتقوقع على الذات، وهذا ضد الوجود، ففي الوسطية قدرة الارتباط بالمحيط الوجودي، القدرة على التقاط الصواب في نقطة ما معقدة على الخط، وهذه حكمة وتتطلب البصيرة، القدرة على شهود ما لا يشهده الآخرون .. الخير في باطن الشر، الجمال في القبيح، الصفات الحسنة في المرء السيء، الصحيح والجميل من كل دين، من كل رأي، .. القدرة هذه تتطلب وسطية، أي حكمةً واتزانًا وانفتاحًا للدرجة التي أرى فيها المختلف كما أرى نفسي، واستشعر حقه الأصيل في الوجود والتعبير عن ذاته فيه، فاقرأ معي مثلاً:
قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴿سبإ: ٢٤﴾
في هذه الآية حوار مع حدة التباين في الموضوع (الهدى / الضلال)، إلا أنه مرتكز على التواضع المعرفي الذي يجب أن يتسم به المؤمن، والنفسية المنشرحة نحو الآخر ورأيه وحجته، ووضع نفسه مع الآخر على أرضية واحدة دون ادعاء الهدى المطلق لنفسه والضلال التام لغيره.
فالمتشدد مثلاً لا يشهد في الأغنية إلا قبحا وذنبا مطلقا والمتحلل قد لا يشهد فيها إلا جمالا، والوسطي يستطيع أن يشهد كم الجمال ومقداره وكم القبح وأشكاله في الشيء ذاته .. هذه إحدى قوى الوسطية الرائعة، يشهد الشيء وضده في ذات الشيء .. يشهد جمال المقال ويعف عن سوء القائل، يشهد جمال المواقف من أناس قد يكونوا سيئين، أو كالقاضي الوسط يستطيع أن يشهد كل حق ومقداره لكل طرف.
هذه القدرة الرائعة على استخلاص المفيد والجميل من كل شيء ومن كل مخلوق ومن كل إنسان ومن كل مشهد ومن كل رأي، هذه قدرة روحانية .. فتصور كيف قدرة الإيمان الوسطي الذي يستطيع استخلاص كل هذا ويرى الله سبحانه فيه!!
أن يكون وسطه لا منتصفه، وسطه أي داخله وفيه، فالانشراح مثلاً كحالة وسطية يعطي المرء القدرة على شهادة اليسر مهما خفتت إشارته وسط عتمة العسر، والرحمة وسط الظروف القاسية والشديدة .. أليس هو الإيمان كذلك!
تأمل معي مثالًا آخر: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴿١٧٣﴾
القول هذا ليس ترديد لسان، إنه منطوق حال من شهد الله ورد رد مطمئن .. إنه الوسطي الذي يحب الله ولا يأمن نفسه، يثق بالله ولا يأمن مكره، يعمل ولا يستكثر، يعطي ولا يمنن، يتطهر ولا يستعلي، يسمو ولا يتكبر، يعلم ويزاد تواضعا..
الإيمان الوسطي الذي ننشده هو كزهرة الجبل أو كزهرة الصحراء، القادرة على النمو والإزهار والعطاء وسط الظروف المعاكسة عبر الفهم العميق للمحيط الوجودي والارتباط به.
الإيمان الوسطي ليس إيمانًا أنصافًا، بل إيمانٌ كاملٌ واعٍ يرى الله في الاتزان، ويرى الخلق في الرحمة، وفي كل اختلافٍ فرصة لمعرفة جديدة.
إنه إيمان يحرّر الإنسان من الكِبر كما من الجمود، لأنه “على الصراط” لا “في المنتصف”.
استجابات