” الوسطية الفكرية” .. هل الصُلحُ خير؟!
الكائنات تجاهد أن تعيش، لكن الإنسان يجاهد أن يحيى، ما بين “أن يعيش” و “أن يحيى” تمكن مسيرته الإنسانية، لذا التفكير ليس ترفًا كماليًا بالنسبة للإنسان، إنه به يحيا، إنه ردة الفعل الأولى تجاه دهشة الحياة الأولى، إنه التجاوز الأول من الحسِّ والملموس إلى المعنى المجرد، إنه فتّاحُ الأسئلة، والأسئلةُ هي أنفاس الوعي والمعرفة.
حين نفكّر، نحن لا نمارس رفاهية ذهنية، بل نشارك في استمرار الخلق؛ نعيد ترتيب العالم في وعينا كي نحيا فيه كما نستحق، وما يفسُد الفكر إلا حين ينسى رسالته: أن يكون نورًا، لا سيفًا؛ أداة فهم لا وسيلة قتال، وأنه يحول الوجود من حدثٍ ومرورِ عابرٍ إلى وعيٍ ومغزى..
ومن هنا تتولّد الحاجة إلى الوسطية الفكرية لتذكّر العقل بمهمته الأصلية: البحث عن الحقيقة دون أن يتحول “العقل” نفسه إلى صنمٍ جديد.
أولاً: الفكر كجسرٍ بين الكينونة والمعنى..
الفكر هو العملية التي تجعل الكائن الإنساني مختلفاً عن مجرد “موجود”، لأنه الجسر الذي يربط الوجود الفيزيائي (الكينونة) بـ الوجود المعنوي (المعنى).
الإنسان يعيش مثل سائر الكائنات، لكن عبر الفكر يعرف أنه يحيا.
كل ما يفعله الفكر هو محاولة أن يجعل الحياة مفهومة، أن يمنح الحدث لغةً يتنفس بها الوعي وتتغذى بها المعرفة.
هل رأيت عيني طفلٍ يرى البحر لأول مرة؟
هل رأيته والمطر وإحساسه الأول به؟
تلك الحدقات المتسعة باندهاش تملؤها الأسئلة، وكما نحن أيضاً عندما نرى فيديو قصير يبين حجم اتساع الكون لدرجة تصيبنا بلحظة عمىً ذهني للحظات لشدة تدفق التساؤلات الكبيرة، لماذا هذا الكون الواسع؟ هل نحن وحدنا؟ لماذا خُلقنا؟ لماذا؟ وكيف؟ وهل؟ .. وهنا يتحول الحدث من إحساس إلى فهم، ومن وجودٍ مجردٍ إلى معنى.
فلماذا نحاول دائماً الفهم والوصول لمعنى؟
في أعماقنا إحساس يبدو متجذراً يرفض أن يتقبل فكرة أن الإنسان بالأخص والوجود الكوني ليسا إلا نتاج لحظات من الفوضى والعبثية واللامعنى، إن كان كذلك فلماذا دائماً يبحث عن فهمٍ أو تفسيرٍ أو معنى للأشياء والأحداث؟ بل يصنع المعاني من كل شيء وإن كان مستحيلاً، كقصص الحيوانات التي تتصرف كالإنسان ، ليلى والذئب، السلحفاة والأرنب، حكايات كليلة ودمنة، قصص بياتريكس بوتر للأطفال، وغيرها الكثير جداً من الأشعار والأدب والأساطير في الملل ما لا يُعدَد، كل ذلك لاستلهام العِبرِ وصناعة المعاني، لإن المعنى هو جزء من جوهر الإنسان الأصيل، مهما تنكرت له الفلسفات والأفكار العدمية، وأن ما يمارسونه من تفكير ومحاولة للفهم والتفسير هي في حد ذاتها نكران مبطن لأفكار العدمية واللامعنى نفسها، حتى في أكثر العصور إيمانًا بالمادية، بقي الإنسان يبحث عن معنى في الفن والعلم والحب، لأن المعنى حاجته الأصلية قبل أن يكون اختياره.
ثانيًا: الوعي.. أول أهلة الحرية
إذا كان الفكر هو الجسر بين الكينونة والمعنى، فالوعي هو اللحظة التي يعبر فيها الإنسان هذا الجسر، هو بداية انفتاح البصيرة ولحظة الخروج من التلقي والتلقين إلى التساؤل.
لكن هل يستطيع الإنسان أن يعي دون حرية؟
لا نقصد بالحرية الحرية الخارجية التي تسمح لنا الظروف الخارجية كالقانون والمجتمع بها، ولكن القصد والإشارة للحرية الذاتية، وبالذات حرية التفكير، التحرر من الأوهام، المغالطات، المسلمات الفكرية والموروثات، التحرر وليس التحلل.
إحدى معدات البناء تسمى “القبان”، وبهذا القبان يقاس مدى استقامة الجدران أو الأعمدة عموديًا، أداة غاية في البساطة، خيط مربوط بِثقل، يترك الثقل متدلياً بشكل حر جدًا، مع أن هذا الثقل حُرٌ إذا أغفلنا قوة الجاذبية، إلا أنه يُبقي الخيط دائمًا في حالة استقامة كاملة لدرجة أنه ليس بحاجة للمعايرة مثل باقي الأجهزة؛ لاحظ معي الربط: (الحرية وديمومة الاستقامة).
الحرية تفكير وتوجه ينشد الصواب / الاستقامة / الحقيقة، دون التأثر بالأسبقيات من تربية أو عقيدة أو معلومات أو مزاج؛ فــ: “الحرية هي أن نفعل الصواب”، أليس فِعلُ الصوابِ وعيًا؟
لذا، لا وعي دون حرية تفكير ذاتية، أي لا فِعل صواب دون تفكيرٍ حُر.
فإذا أردنا وصف ترتيب العملية بشكل مبسط: حرية ذاتية تشعل تفكيرًا حُرًا .. يُنتجُ وعيًا، فتزداد حريتنا الذاتية، يتحرر تفكيرنا أكثر، يزداد وعينا أكثر .. هكذا دائرة متوقدة مزدادة.
وحين يصل الفكر والحرية إلى التجلي الكامل يبدآن الاختبار الصعب: كيف نحافظ على الفكر من التطرف دون أن نطفئ حرارته؟ هنا تأتي فكرة الوسطية الفكرية
إذًا فما هي الوسطية الفكرية؟
هل هي الوقوف المنتصف بين الافكار والآراء؟
هل هي التوسط بينها أي أن تكون وسيطاً بينها فتجمع بينها؟ مثل الوسيط العقاري أو وسيط المفاوضات؟
هل هي تجنب الاختلاف وتجنب التباين الفكري؟
كما ناقشنا الوسطية في الحلقات السابقة، الشائع في الأذهان أن الوسطية تستعمل كحل في الوسط بين بين، أو النقطة الحيادية، فهل الوسطية الفكرية هي الحيادية الفكرية؟
ابتداءً: هناك حكمة تقول “حرية التعبير عن الرأي تفترض أن لديك رأيًا” وتقصد حرفيًا أن لديَّ رأي، صنعته بالتفكير الحر، المتحرر من الانحيازات والمغالطات المنطقية، ناهيك أن يكون هذا الرأي ليس إلا الرأي الشائع في شيء ما، تبنيته وقلدته كما تبناه غيري وتَقلدَه، أو أخذتهُ تسليمًا وانحزتُ له، فهذا ليس رأيي أنا إنما أنا فمٌ من الأفواه التي تصرح به وتتناقله.
إذًا فحرية التعبير عن الرأي قائمة في مضمونها الأساس على حرية التفكير الذاتية، فلا حرية للتعبير دون حرية التفكير من الأساس.
التلقين، التقليد، القسر، الخوف، الانحياز الفكري، التحيز العاطفي، كلها مضادات للتفكير الحر.
بطبيعة الحال عندما يتحرك أي شيء حي فهو يسبب احتكاكاً، لا حركة دون احتكاك، وذلك ينطبق أيضًا على الحركة الفكرية، الاحتكاك والتصادم غير المفتعل هو جزء من حركة نمو الأفكار وتطور التفكير، فعندما يعبر المرء مثلاً عن فكرة ما فمن الطبيعي أن تحتك بالافكار الأخرى في محيطها وربما تتصادم بها أيضاً، فالاختلاف هو جزء طبيعي أصيل من كينونة الأفكار، لذا علينا قبول الاختلاف والانسجام معه كما هو موجود في كل جوانب الطبيعة.
الوسطية الفكرية المذمومة هي تلك الوسطية التي همها تجنب الاختلاف أو حتى الخلاف ولو كان على حساب الحقيقة أو الفكرة أو حتى الصواب والحكمة، الحيادية بالنسبة لها نمط حياة وليس طريقًا للموضوعية، لذا فهي تُشكلُ تآكلاً في المعاني الأساسية لفلسفة الفكر، ومضاد لوجود الإنسان الفكري.
الوسطية الفكرية المنشودة هي تلك التي لا تبحث عن الاصطدام (كنوع من الإعلان عن الذات عما هو التفكير المتطرف)، ولكنها لاتخشاه، .. لا تطلبه ولا تتحاشاه.
الوسطية الفكرية المنشودة هي التي لا تذوب تفاديًا للاحتكاك ولاتقطع سبل الوصال كما التفكير المتطرف، إنها تقدس الاختلاف، تتفهمه، تتقبله، وتتواصل معه، وتقبل منه وتندمج معه وتتطور به، تفعل أي شيء يخدم الوصول للصواب والحقيقة، هذا هو روحها وجوهرها.
الوسطية الفكرية لا تكمن في أين نقف بين الآراء، بل في كيف نفكّر فيها، فهي ليست هندسة مواقع بل هندسة وعي، أن نفهم الدوافع قبل المواقف، وأن نفرّق بين الفكر كبحثٍ عن الحقيقة والفكر كصراعٍ على الهوية أو نفخٍ في الذوات.
الفكر لا يطلب صلحًا بين المتنازعين، بل صلحًا بين العقل وضميره؛ فمتى تحقق هذا الصلح، كانت الوسطية فكرًا حيًا لا شعارًا.
إن الوسطية الفكرية لا تهدف إلى إغلاق الأسئلة بل إلى تنظيمها لتثمر، لأنها تعلم أن اليقين الحقيقي لا يأتي دفعةً واحدة، بل هو نتاج فكرٍ يواصل الحفر في المعاني دون ادعاء امتلاكها كاملة. وحين يبلغ الفكر أقصاه، يبدأ السؤال: هل نملك حقًا اليقين؟ أم أن معرفتنا كلها درجات من الضوء؟
ومن هنا تفتح الحلقة القادمة تساؤلها الكبير: “اليقين المطلق… هل حَدَثَ ذلك قط؟”
استجابات
رغم أهمية مفهوم الوسطية ولاسيما في أي مشروع وعي معاصر، إلا أن خطورته تكمن في سهولة توظيفه دون تحرير دلالته. فالوسطية ليست موقفا حسابيًا أو جغرافيا بين طرفين، ولا تسوية سياسية لامتصاص التوتر، بل هي بناءٌ معرفي يقوم على فقه المقاصد وترتيب الأولويات واستحضار المآلات.