منورين بنوركم

صديقان منذ الطفولة، جمعتهما الذكريات حتى الجامعة. اختلفت توجهاتهما الفكرية، ثم جاءت التغيرات السياسية، فتحوّل الاختلاف إلى اتحاد وشراكة قوية أسست شبكة، جمعا فيها كل المتشابهين في قيم المواطنة والإنسانية. بُني اتفاقهما على القيمة؛ ففهما أن الاختلاف في الفكرة يثري الغاية ولا يُفسد وحدتها. 

فتاة تحدّت مجتمعها للارتباط بشاب لا يشبهها في العرق والدين والجنسية، وها هما بنجاح أسسا عائلة سعيدة مكتملة الأركان. دخلت ابنة جديدة في أسرة غريبة عنها وأضافت نكهة مختلفة، كما هو لم يعد صهرًا بل ابنًا جديدًا ووحيدًا لأسرة رزقها الله من البنات فقط، اندمج معها ولم يذُب فيها. وهنا صار الارتباط تكاملاً؛ لم يُلغِ أحدٌ هويته، إنما وسّعها لتتسع للآخر.

في تجربة علمية في مجال البيولوجيا الكمية، لوحظ أن الخلايا الحية تُصدر إشعاعات ضوئية دقيقة تُسمى “الفوتونات الحيوية”. وعندما توضع خلايا نشطة بجوار خاملة تستعيد الأخيرة نشاطها، لكن عند وضع حاجز بينهما يخبو الضوء في كليهما.  

هذه الصورة العلمية، بالرغم من أنها ليست برهانًا تجريبيًا على القيم الإنسانية، إلا أنها يمكن أن تحمل رسالة إنسانية بليغة واستعارة كونية أو مجازًا علميًا لقانون التفاعل، وهو أنّ “الحياة تزدهر بالقرب، وتضعف بالعزلة”.

وكما في الخلية، كذلك في البشر، فهم: يضيئون حين يقتربون، ويخبو نورهم حين تُقام بينهم الحواجز. والمفارقة أن بعض المجتمعات تظن أنّ الانغلاق يحميها، بينما التاريخ يخبرنا أنّ الحضارات التي أغلقت أبوابها خبت حضاريًا وعلميًا، وأنّ التعدد كان دومًا مصدر إشعاعها.

القرآن قدّم رؤية جمالية عميقة للاختلاف بوصفه آية من آيات الله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ سورة الحجرات آية 13، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾سورة الروم آية 22. 

التعارف ليس مجرد معرفة سطحية، إنّه تفاعل يولّد وعيًا جديدًا. والتنوع غاية كونية لا خطأً في التصميم. وكل مجموعة بشرية تحمل نورًا خاصًا بها؛ ثقافة، قيمة، خبرة، ولونًا من ألوان الحياة، مثل الفسيفساء التي لا يكتمل جمالها إلا بتجاور الألوان المختلفة، لا بتشابهها.

إنّ أخطر ما يُطفئ النور توظيفه لإنتاج الخوف. مثل بعض الخطابات التي تُشيّئ الإنسان، وتحوّله إلى هوية جامدة، وتختزل الدين في سورٍ دفاعي بدل أن يكون جسرًا إنسانيًا. وهنا يتحول “النور” من طاقة هداية إلى أداة إقصاء، بينما القرآن نفسه يقول: ﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾سورة النور آية 25. النور في هذا السياق هو إشعاع من قيم الناس ومواقفهم، وقابلية دائمة للهداية. إنه طاقة متجددة تظهر حين تتلاقى الرحمة بالحرية، والعدل بالمسؤولية.

الاختلاف يمنح كل فرد بصمته، والمجتمع الذي يتسع للجميع هو الأكثر قوةً ونورًا. 

فحين نسمح للضوء أن ينفذ بلا حواجز، فإنه يتجاوزها لبناء جسور التعارف، فيُبرز جمال الألوان. 

وعندما نرى الآخر كما هو، لا كما نريده أن يكون، يتحول التنوع من قلق وصراع إلى ثراء وتكامل. 

كل اختلاف فرصة لإضافة لون جديد إلى لوحة الحياة، وكل لقاء صادق مصباح يضيء في قلب الظلام.

وهكذا نصبح جميعًا “منورين بنوركم”؛ لأننا تعلّمنا من اختلافاتنا كيف نتجاور بتلاحم دون أن نتنازع أو نتلاشى، وكيف نُبقي الأبواب مفتوحة ليبقى الضوء متدفقًا بيننا، وأن ترى الآخر نورًا يكمل رؤيتنا.

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *