من تقدير الذات إلى عمارة الأرض

كان يقف أمام المرآة كل صباح متسائلًا: من هذا الذي ينظر إليّ؟ أهو أنا حقًا، أم صورة صنعها الآخرون في داخلي؟ كان يشعر أن ملامحه تتغيّر تبعًا لعيون من يراها؛ تنتفخ حين يُمدَح، وتنكمش حين يُنتقد. ومع الوقت، لم يعد واثقًا بأيّ صورةٍ منهما. ذلك المشهد هو لسان حال المؤمن المعاصر الذي خلط بين نكران الذات وتزكيتها، وبين تحقيرها ومحوها. فالمرآة المشروخة في داخله تعكس أزمةً بين الإيمان بالكرامة والخوف من السقوط في الغرور.

تبدأ رحلة التزكية حين يتذكّر الإنسان أصله في الخلق، يوم نفخ الله فيه من روحه، فقال: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}. في تلك اللحظة الأولى، غُرست في كلّ إنسان بذرته النورانية التي تُذكّره أن كرامته أصيلةٌ وليست مكتسبة، لأنها جُعْلٌ فيه بفضلٍ إلهي. هذا الفهم يتقاطع مع ما ذهب إليه كارل روجرز، رائد علم النفس الإنساني، حين رأى أن السلام الداخلي يتحقق متى اقتربت “الذات الحقيقية” من “الذات المثالية”، وأن التقبّل غير المشروط للنفس هو حجر الأساس للنمو. أمّا في الرؤية القرآنية، فالتقبّل هو وعيٌ بالكرامة التي تستوجب الشكر والعمل؛ فالنفس لا تُهذَّب إلا بعد أن تُقدَّر، ولا تُزكَّى إلا بعد أن تُكرَّم.

وتتجلّى صورة تقدير الذات المتّزنة أروع ما تكون في السيرة النبوية، حين قال النبي ﷺ لبلال بن رباح: «إني لأسمع دفّ نعليك في الجنة»، في لحظة امتنانٍ واعترافٍ بعمل رجلٍ كان المجتمع الجاهلي يراه أدنى مرتبةً وكرامة. ذلك القول ما كان مدحًا عابرًا، بل رفعًا لكرامة القلب الإنساني من منطلق العمل والإخلاص، متجاوزًا ثوابت الجهل التي تُعلي المكانة وتُقيم وزنًا للون البشرة.

وهنا يختلط الخط النبوي بحكمة الإمام عليٍّ عليه السلام، حين قال: «قيمة كل امرئٍ ما يُحسِنُه». فالتزكية الحقّة تبدأ حين يعي الإنسان كرامته الأصلية، فيجعل من إحسانه طريقًا لرفعته، فيصون نفسه عن الدنايا بالحكمة وإتقان العمل بما يحفظ كرامتها من الفضائل. فاحتقار الذات ليس تواضعًا… بل جهلٌ ببذرةِ كرامةِ بني آدم.

غير أن بذرة وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ غالبًا ما تُزرع في تربةٍ اجتماعيةٍ مليئةٍ بالأحكام. فبحسب تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، فإن ستين في المئة من المراهقين في الشرق الأوسط يشعرون أن قيمتهم – كما يظنونها – تُقاس بمدى اعتراف الآخرين بإنجازاتهم الدراسية أو الاجتماعية. كما أظهرت دراسةٌ في مجلة علم النفس العربي المعاصر أن التربية السلطوية تُخفّض ثقة الأبناء بأنفسهم بنسبة أربعين في المئة مقارنةً بالأسر التي تعتمد الحوار. وبحسب بيانات World Values Survey، فإن ثلاثةً وسبعين في المئة من الأسر في بعض الدول العربية تُفضّل “الطاعة” على “الاستقلال” كقيمةٍ تربوية، مما يجعل الخضوع معيارًا للأخلاق الفاضلة. ومع هيمنة الإعلام الرقمي وصناعة المقارنة – كما جاء في تقرير We Are Social & Hootsuite، الذي أشار إلى أن المستخدم العربي يقضي أكثر من ثلاث ساعاتٍ ونصف يوميًا أمام الشاشات – تتفاقم هذه الظاهرة؛ فينشأ الفرد وهو يرى ذاته من خلال عدسات الآخرين، فتخفت بذرة الكرامة في قلبه كلما انشغل بعيون المراقبة حوله.

ثم ينتقل الفرد إلى الطور الثاني من الرحلة: تزكية النفس، وهي كالريح الخفيفة التي تُهذّب الغصن، لا العاصفة التي تقتلع جذره. فالقرآن حين يقول: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}، لا يدعو الإنسان إلى قهر نفسه وإخفائها، بل إلى تنمية طاقاتها على ضوء الوعي. وفي علم النفس الحديث، تتجلّى هذه الفكرة في مدرسة العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، التي تُعلّم الفرد ملاحظة أفكاره بدلًا من معاقبة ذاته عليها، وكذلك في مدارس العلاج بالقبول والالتزام (ACT)، التي تدعو إلى تقبّل المشاعر السلبية والتصرّف وفق القيم لا الأهواء. أمّا في التراث الإسلامي، فنجد عند الغزالي ما يُلخّص المعنى ذاته بقوله: “النفس كفرسٍ جموحٍ، إن أهملتها جمحت، وإن أرهقتها نفرت، فدعْها تسير على قدرٍ من اللين”. فالتهذيبُ الحقّ هو ترويضٌ بالرحمة لا بالعنف، ومراجعةٌ فكريةٌ وروحيةٌ متواصلة تُعيد للنفس توازنها بين اللين والحزم.

وحين يتعمّق الوعي، يحتاج الصفاء إلى ممارسةٍ عمليةٍ لا إلى تأملٍ فحسب. فالتزكية مسارٌ متكامل يربط الفكر بالسلوك، والنوايا بالعمل. تبدأ الرحلة بإعادة بناء القناعات وكشف مصادر الأحكام الذاتية المشوّهة، ومراقبة الحوار الداخلي لاستبدال القسوة بالنقد البنّاء. ويتبعها جانبٌ سلوكيٌّ تربويٌّ يشمل اتخاذ قراراتٍ مستقلةٍ في مجالات الحياة، ومراجعة النجاحات بواقعيةٍ دون تضخيمٍ أو إنكار، وبناء بيئةٍ داعمةٍ تُحفّز النمو بدل المقارنة. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يدوّن الشخص يوميًا فكرةً سلبيةً راودته عن نفسه، ثم يسأل: هل هذا الحكم حقيقة أم تفسيرٌ متأثر بخبرةٍ سابقة؟ ما هذه الخبرة؟ وكيف يمكن استبدال الفكرة السلبية بأخرى إيجابيةٍ تذكّره بكرامته الإنسانية وتنسجم معها، مستعينًا بالتقنيات النفسية المعاصرة المذكورة آنفًا. وعلى المستوى الروحي، يتخذ التوكّل الهادئ مبدأً للحياة؛ يعمل بثقةٍ ويُسلِّم النتيجة لله، ويعيش النية الصادقة المتحرّرة من التقييم الخارجي. وهنا يُدرك الإنسان أن جوهر التزكية هو الاتزان بين القوة والتواضع؛ قوّةٌ في معرفة القيمة، وتواضعٌ في نسب الفضل إلى الله.

وحين تستقرّ هذه البذور في أرض الوعي، تتحوّل إلى شجرةٍ تُثمر تحقيق الذات. عندها يبلغ الإنسان طور تحقيق الذات، وهو المفهوم الذي وضعه أبراهام ماسلو في قمّة هرمه النفسي، ويرتبط في الرؤية القرآنية بالاستخلاف: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}. فالذات المزكّاة تبحث عن اكتمالها في العطاء؛ كالشجرة الناضجة التي لم تعد تخاف ريح المديح لأنها تعلّمت كيف تثبت وتُثمر. عند هذه النقطة، يغدو تحقيق الذات فعلَ عبوديةٍ راقٍ، بعيدًا عن الأنانية المموّهة، لأن الإنسان حينها يسعى ليعمّر الأرض بنوره ولا يكترث إن كان يُرى أم لا.

وفي نهاية الرحلة، تعود المرآة في المشهد الأخير هادئةً تعكس وجهًا يعرف نفسه ويعرف ربَّه. ففي هذا السياق، الكرامة هي البذرة الأولى، وتقدير الذات وعيٌ بها، والتزكية صيانةٌ لها، وتحقيق الذات ثمرةٌ من ثمارها. التكامل بينها يصوغ إنسانًا متوازنًا يُزكّي نفسه ليحقق استخلافه في الأرض، دون أن ينشغل بتميّزه الفردي. وهكذا يصبح النمو النفسي والإنساني والعلمي في شتّى مجالات الحياة عبادةً تمتدّ من أعماق الذات إلى عمارة الأرض؛ لأن العبادة في جوهرها ليست انفصالًا عن الحياة، بل حضورًا فيها، تُثمر حريةً داخليةً وحضورًا فاعلًا في الوجود.

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *