من رحمِ الفقد تنبثقُ رحمةُ الوجود

ثمّة لحظاتٍ في التاريخ الإنساني تتجاوز حدود الحدث، فتغدو مرآةً لجوهر النفس البشرية. ومن بين هذه اللحظات تقف طفولة النبي محمد ﷺ كأحد أكثر النماذج صفاءً في تجسيد ما يسميه علم النفس الإيجابي «النمو ما بعد الصدمة». ففي قلب الفقد المزدوج ـ أبٌ غائبٌ قبل الميلاد، وأمٌّ تُفارق في السادسة ـ تشكّلت بنيةٌ نفسيةٌ حافظت على تماسكها، وتحولت إلى نواةٍ للوعي والرحمة والقيادة، وكأن العناية الإلهية كانت تُعدّ هذا القلب الطاهر ليكون وعاءً للرسالة، تتقلبه في الأحوال حتى يتهيأ لأن يحمل نور العالمين. 

يقول الطبيب الكندي جابور ماتي (Gabor Maté) أحد أبرز المتخصصين في دراسة الصدمة والشفاء منها: إن الصدمة لا تنشأ من الحدث المؤلم وحده، بل من الطريقة التي يُجبر فيها الإنسان على كتم مشاعره تجاه ذلك الحدث؛ فالألم يتحول إلى جرحٍ عميقٍ عندما لا يجد من يسمعه أو يحتويه، فيبتعد المرء عن ذاته ليحتمي من وجعه. غير أنّ هذا الطفل اليتيم وجد دائمًا من يراه ومن يمنحه دفءَ الحضور، فبقي متصلًا بذاته محتفظًا بقدرته على الإحساس، إذ ظل خيط الأمان ممتدًا في حياته يربط بين قلبه وتجربته، ويمنحه القدرة على الشعور دون أن يتهشّم. 

حين شارك بيديه الصغيرتين في دفن أمه لم يهرب من الفقد إلى الخيال كما يفعل معظم الأطفال، وإنما واجه الحقيقة بجسده قبل وعيه، فلامس التراب الذي غيّب الجسد، وحوّل الغياب من فكرةٍ غامضةٍ إلى تجربةٍ محسوسة. وكانت تلك المواجهة المبكرة درسًا في الواقعية الوجودية، إذ أدرك ـ بما يتناسب مع عمره ـ أن الحياة تكتمل حين تُقبل حدودها، وأنّ الموت يمثل الوجه الآخر للحياة، وكأنّ الله أراد أن يعلّمه باكرًا أنّ الفناء طريق البقاء، وأنّ من يواجه الموت بسلامٍ يتهيأ لحمل رسالة الحياة. 

في السنوات الأولى كوّنت الأم في داخله قاعدةً آمنةً من الحبّ والحنان، وحين رحلت بقي أثرها في صوته الداخلي الذي يهدّئه عند الخوف، ثم جاء الجدّ عبد المطلب ليعيد بناء شعوره بالقيمة، فيمسح على رأسه ويقول: “دعوا ابني فإن له شأنًا”، فكانت تلك الكلمة بذرةَ يقينٍ تنمو معه طوال حياته. وبعد الجدّ جاء العمّ أبو طالب، فانتقل من رعايةٍ تهتم بإشباع العاطفة وتنمية العقل وتأكيد القيمة، إلى رعاية التجربة، فكان يُصطحبه في رحلات التجارة ويعلّمه أن الخبرة تُكتسب بالعمل والمشاركة. وهكذا نسجت العناية الإلهية حوله خيوط الأمان المتصلة؛ يدٌ تمسح، وأخرى تُدرّب، وثالثة تحمي، حتى غدت حياته نسيجًا محكمًا لا يتسلّل إليه الانكسار. 

كان الفقد في حياته تدريبًا على التوازن، فكلّما غاب وجهٌ أحبّه، أشرق في داخله وعيٌ أعمق بالمعنى، وتعلّم أنّ الحبّ يتجاوز حضور الجسد، وأنّ الرحمة تنبثق من التجربة. فتحوّل الألم إلى لغةٍ داخليةٍ يفهم بها قلوب الناس، وصار القرب من الضعفاء امتدادًا طبيعيًا لطفولته، إذ إنّ من جُرح ونجح بلطف الله أن يتجاوز آلامه، يصبح أقدر على تضميد الجراح. 

يقول الطبيب والكاتب النمساوي فيكتور فرانكل (Viktor Frankl)، مؤسس العلاج بالمعنى (Logotherapy): إنّ المعاناة تفقد قسوتها عندما تكتسب معناها. وفي هذه الطفولة التي عرفت الفقد باكرًا تَجلّى المعنى في كل تفصيل؛ في اليد التي لم تتركه، وفي الجدّ الذي رأى فيه شأنًا، وفي العمّ الذي فتح له أبواب الحياة الواقعية، فكانت شبكة الأمان التي أحاطت به كخيوطِ نورٍ غيرِ مرئيةٍ تحوّل الألم إلى مادةٍ للبناء. وكأنّ الله كان يُهيّئه لرسالةٍ تحتاج قلبًا ذاق الألم ليعرف كيف يضمّ القلوب الموجوعة. 

الضعف الذي عرفه كان وجهًا آخر للقوة، والدمعة التي ذرفها كانت انفتاحًا على الوجود، فقد تقبّل واقعه بصفاءٍ وامتلك السلام الذي لا يُمنح إلا لمن واجه الحقيقة كاملة، وكان يشعر بكلّ شيءٍ بعمقٍ وصدقٍ وطمأنينةٍ متجدّدة، وكأنّ الله أراد أن يعلّمه أنّ الشعور الكامل بالحياة هو أول طريق الرسالة، وأنّ من يجرؤ على الإحساس لا يخاف من الحقيقة. 

ومع مرور السنوات ظهر الشفاء في تحوّل الألم إلى طاقةِ رعايةٍ للعالم، فقد جعلت العناية الإلهية من كلّ تجربةٍ موجعةٍ إعدادًا لبثّ الرحمة، ومن كلّ حرمانٍ درسًا في الكفاية، ومن كلّ انكسارٍ بابًا إلى نورٍ أوسع، فصار الألم لغةَ الوصل بينه وبين الخلق، وصارت الرحمة طريقه إلى الله. 

من هذا المنظور يغدو اليتم مفتاحَ السيرةِ النفسيةِ الأعمق، فهو التجربة التي كشفت مبكرًا أن الأمان يُستمدّ من الداخل، وأنّ الحبّ يستمرّ في الذاكرة حتى بعد الغياب، وأنّ القيادة الحقيقية تبدأ من القدرة على احتواء الجرح وفهمه. فكل علاقةٍ آمنةٍ مرّ بها النبي ﷺ كانت جسرًا فوق هوّة الفقد، وكل يدٍ امتدت نحوه كانت تذكيرًا بأنّ الله يُرسل دائمًا من يُرمّم القلب حتى يكتمل نوره. 

هذه القراءة لا تسعى إلى البحث عن إعجازٍ خارق، وإنما إلى اكتشاف قانونٍ إنسانيٍّ بسيط: فالألم حين يُعاش بوعيٍ ويتحوّل إلى معنى، يصبح طريقًا إلى النضج والرحمة، وتَتجلى القوة في قدرة الإنسان على حمل ضعفه بوعيٍ واتزانٍ دون أن ينهار. ومن هنا يتحرّر الوعي من القوالب التي تُساوي بين الألم والانكسار، ويكتشف أنّ الجرح يمكن أن يكون بدايةً لصناعةِ هويةٍ إنسانيةٍ لا نهايتها، وأنّ العناية الإلهية ترافق التجربة الإنسانية لتجعل من الألم طريقًا للمعرفة، ومن المحنة معبرًا إلى الرحمة. فكلّ ألمٍ في حياة النبي ﷺ كان إعدادًا للرحمة، وكلّ فقدٍ درسًا في الحضور، وكلّ انكسارٍ بوابةً إلى نورٍ أوسع. وما من تجربةٍ يخوضها أيّ إنسانٍ وُجدَ أو سيُوجد يومًا ما في هذه الحياة، إلا والعناية الإلهية تتكفّل به لترفعه إلى المكانة الإنسانية اللائقة به. 

فهل وُجدت المشاعر لتسجننا في حدود أجسادنا، أم لتفتح فينا أبواب الروح؟ وهل يولد الإنسان مرةً واحدةً من رحم الأم، أم يولد كلّما خرج من ظلمةٍ إلى نور؟ ربما كانت الطفولة النبوية تهمس لنا بأنّ الشفاء يتحقق بالاحتضان لا بالنسيان، وأنّ الألم حين يُنظر إليه بعينٍ محبةٍ يتحوّل إلى نافذةٍ على الرحمة الإلهية، فكلّ جرحٍ صادقٍ بابٌ صغيرٌ يُطلّ منه النور، وكلّ دمعةٍ تُسكب في طريق الله تُعيد ترتيب القلب ليكون أوسع للحياة. وحين نعانق جراحنا بصدقٍ نكتشف أن الضوء أقرب إلينا مما نظن، إذ يسكننا منذ البداية، ينتظر أن نرفع عنه غبار الخوف، وأن العناية الإلهية تعمل في صمتٍ لتصوغ من ضعفنا مِعراجًا نحو القوة، ومن ألمنا سُلّمًا إلى الوعي. 

ختامًا؛ إنّ رسولنا الكريم ﷺ كان تجربةَ تحققٍ إنسانيٍّ لنتخذه قدوةً وأسوةً قبل أن يكون مصطفًى من الله. وما علينا إلا أن ننظر في الواقع، وسنرى تجارب كثيرةً لأناسٍ تجاوزوا الألم والانكسار، وتجسّدوا كذواتٍ إنسانيةٍ سويةٍ تفيض رحمةً في الوجود.

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *