من نسيج العالم إلى خيوط الذات

يظنّ الإنسان في كثير من لحظات حياته أنّه صانع نفسه، وأنّ إنجازاته وطموحاته وبصماته في العالم ما هي إلا ثمرة حرّيته الفردية وإرادته الخالصة، غير مدرك أن ما يبدو له “اختيارًا شخصيًا” هو في الحقيقة امتداد لبرمجةٍ أعمق تشكّلت في داخله منذ الطفولة عبر الأسرة والمجتمع واللغة والتعليم، برمجة تحرّكه ليعيد هو تصديرها على أنها حرية!

يعيش الإنسان طويلاً وهو يحمل وهم السيطرة الكاملة، من دون أن يرى الخيوط التي تنسج فيه في الخفاء، ومن دون أن يدرك أن اكتشاف تلك الخيوط هو أول خطوة نحو الحرية، ووحده من يراها يستطيع أن يتحرر منها ليعيد نسج ذاته بوعيه هو لا وعيه الآلي.

العقل الواعي، برغم طاقته المدهشة، ليس إلا قشرة رقيقة تغطي محيطًا أوسع من المشاعر والرغبات والدوافع اللاواعية. منذ ظهور مدرسة التحليل النفسي وعلم النفس الحديث، صار واضحًا أن السلوك الإنساني تحركه طبقات دفينة من التجارب الأولى والمخاوف والصور العاطفية التي كوّنت مفاهيمنا عن الحب والنجاح والخطر والسعادة وغيرها. حتى أفعالنا اليومية، كاختيار المهنة أو الشريك أو طريقة الكلام أو الهواية، هي في الغالب استجابات لما ترسّب في أعماقنا من رموزٍ وانفعالات سابقة.

وفي ذات السياق، نبّه علم الأعصاب الحديث إلى أن ما نعتقده قرارًا واعيًا قد يكون مسبوقًا بعملياتٍ كهربائية عصبية لاشعورية. فقد بينت تجارب بنجامين ليبت في سبعينيات القرن الماضي أن الإشارات العصبية الممهّدة للحركة تُرصد في القشرة الحركية للدماغ قبل أن يعي الشخص قراره بوقتٍ يتراوح بين ثلاثمئة إلى خمسمئة ملي ثانية.  وقد تكررت نتائج مشابهة لاحقًا باستخدام أجهزة تصويرٍ أدق (fMRI) أثبتت أن الدماغ يتخِذ القرار على مستوى اللاوعي قبل أن “يُعلن” الوعي هذا القرار بعقلنةٍ لاحقة. هذا يعني أن وعينا يتحقق دومًا متأخرًا قليلًا عن أفعالنا، وأن الإرادة ليست لحظةً فجائية بل سلسلة تفاعلاتٍ عصبية وثقافية وعاطفية تمهّد للاختيار. نحن نختار نعم، لكن بعد أن تكون أرض الاختيار قد جُهّزت سلفًا.

وعلى مستوى أعمق، وسّع كارل يونغ أفق الفكرة عبر مفهوم “اللاوعي الجمعي” الذي يضم الرموز والصور المتوارثة عبر الأجيال، فالثقافة والفن والدين والعادات ليست منفصلة عن وعينا، إنما هي تتحدث من خلالنا، حتى ما نسميه “ابتكارًا” غالبًا ما يستدعي أدواتٍ موروثة يعيد دمجها بتركيبٍ جديد. نحن لا نخترع من العدم، نحن باختصار نعيد تأليف ما سكننا منذ زمن ونُعيد إنتاج محتوانا الداخلي ظناً منا أنه الابتكار!

وفي علم الاجتماع يلتقي هذا المعنى مع تصور إميل دوركايم الذي رأى أن القيم والمعايير الاجتماعية تسبق الفرد وتغرس في وعيه ما يعتبره خيرًا وجمالًا. ثم جاء بيار بورديو ليبيّن عبر مفهوم “الهابتوس” كيف تنتقل البنية الاجتماعية إلى الجسد والسلوك، لتصير العادات والتفضيلات جزءًا من تكويننا الطبيعي. نحن نحمل المجتمع في أعماقنا وفي تفاصيلنا اليومية، من طريقة جلوسنا ونبرة أصواتنا وأسلوب تفكيرنا، إلى أحكامنا الأخلاقية والجمالية. إن الحقل الاجتماعي لا يعيش حولنا فقط بل يبني صرحه فينا!

قد يبدو هذا كله قاتمًا، وكأن الإنسان أسير منظومةٍ تسبقه وتتحكم فيه، لكنّ الوعي بهذه المنظومة هو الباب نحو التحرّر منها. إن الحرية لا تولد من إنكار المؤثرات وإنما من رؤيتها بوضوح ثم التفاعل باستقلالية منها. حين يدرك الإنسان القوى التي تصوغه يصبح قادرًا على إعادة ترتيبها واستثمارها في خلقِ معنى جديدٍ لوجوده، وإن الانتباه إلى أن اختياراته ليست نقيّة من المؤثرات لا ينتقص من حريته، إنما يمنحها عمقًا أكثر أصالة لأنها الآن حرية مستنيرة لا عمياء.

لقد قدّمت العلوم الإنسانية أدواتٍ تساعد على هذا التحول من الانقياد إلى الوعي، فعند عالم النفس فيكتور فرانكل يجد الإنسان حريته حين يختار موقفه من الظروف التي لا يملكها، إذ لا يمكن لشيء أن ينتزع منه حرية المعنى، في هذا السياق يمكن للتأمل أن يعلم الإنسان مراقبة أفكاره دون اندماجٍ فيها، ليميّز ما هو صدىً للمجتمع وما هو صوت الذات الأصيل، وبهذه المراقبة الهادئة يبدأ وعي جديد يتجاوز البرمجة القديمة، ويفتح للإنسان مساحة الأفق الواعي.

إن التحرر من البرمجة الاجتماعية لا يعني الانفصال عن المجتمع، بل استعادة الوعي بدورنا فيه واختيار شكل المشاركة بوضوح. إدراكنا أننا “نسيج المجتمع والبيئة” لا يجب أن يُشعرنا بالعجز، فالنسيج يمكن إعادة حبكه، فحتى اللغة، وهي أكثر الأدوات خفاءً في تأثيرها، يمكن أن تتحول إلى فضاءٍ للابتكار حين نستنطق أبجدياتها الأصيلة لنخرج بمعانٍ جديدة خلّاقة تعبّر عن استقلالنا الذاتي. من هنا تنشأ مصالحة عميقة بين الإنسان وعالمه: أن نحترم ما شكّلنا لأننا قادرون على إعادة صياغته، فالوعي لا يلغي الماضي بقدر منحه حياة جديدة تتجه نحو المستقبل.

حين تتهاوى أوهام السيطرة المطلقة، يتبدّى المجتمع قَدَرًا نرى فيه ملامحنا تتكوّن من جديد بعد أن كان سجناً يقيّدنا! ومن خلال هذا القدر تبدأ رحلة الإنسان من السكون إلى الوعي، ومن الامتثال إلى الإبداع. الحرية تُولد حين نعيد اللقاء بالعالم بعينٍ تعرف وعيها، وبقلبٍ يصغي لما لم يُهمس به بعد، ففي ذلك الانكشاف تتحول القيود إلى مساحاتٍ للتحوّل، ويغدو تشكيل الذات تمرينًا يوميًا على الوعي والمسؤولية. وعندما يطلّ هذا الفهم فينا، تبدأ الرحلة من حيث كنا نظن أننا وصلنا.

إنَّ أعمق أشكال الحرية تنبع من الوعي بالذات ومن استحضار المعنى الروحي في الوجود معا، فالمعرفة بالله تُعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والعالم على أساس التكليف لا التملّك، فيغدو الوعي طريقًا للعبودية الواعية المتصلة بالخالق. وحين يدرك الإنسان أن انعتاقه الحقيقي هو تحرّره من عبوديته لغير الله، آنذاك تتحوّل خيوط المجتمع والطبيعة والتاريخ إلى مجالٍ للتسخير لا للتقييد، وإلى ميدانٍ يمارس فيه الإنسان مسؤوليته في الاستخلاف والبناء.

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *