من يأتي أولًا: الفوز أم القيمة؟

لماذا نفرح حين يحصل أبناؤنا على الدرجات العليا، ولا نمنحهم الدفء نفسه حين يبدون شهامة أو صدقًا؟ ولماذا تعلو في المجتمع أصوات الإعجاب بالتفوق العقلي، بينما تخفت الأصوات التي تثمن لطف القلب وأخلاق الموقف؟ سؤالان بسيطان، لكنهما يكشفان جذور أزمة تربوية عميقة؛ إذ تحوّل الاهتمام في زمن السرعة من زراعة القيم إلى صناعة الكفاءات. أخذنا نعلّم أبناءنا كيف يفوزون، لا كيف يُحسنون التصرف. نحلم بأطفال يتقنون اللغات، لا الصدق، ويحملون شهادات براقة، لا وجدانًا ناضجًا.

لقد صارت الكفاءة مقياس الوجود الاجتماعي، ومعيارًا لتقدير الإنسان في المدرسة والعمل والحياة، حتى حلّت محل القيمة. يُقاس النجاح بعدد اللغات التي يتقنها الطفل، أو الدرجات التي ينالها، لا بعدد المرات التي اختار فيها الإنصاف أو العطف أو المشاركة. يتحول التعليم إلى مضمار سباق، لا إلى رحلة اكتشاف، وينشأ الطفل وهو يظن أن قيمته في أن يسبق غيره، لا أن يتسابق مع نفسه. ومع الوقت، تتشكل أجيال تعرف كيف تتناقش، لا كيف تُصغي؛ تتفوق في الأداء، لكنها تجهل فن المواساة أو كيفية التعاطف مع الآخرين.

وحين تكبر الأجساد على هذه الفكرة، تكبر معها العزلة والتنافس والقلق. يصبح الطفل الذي قيس منذ صغره بالنتائج أسير المقارنة، ويصاب بالفراغ حين لا يجد من يقارن نفسه به، ويقيس نجاحه بمقدار ما يراه من فشل حوله. تنشأ أجيال ناجحة أكاديميًا، لكنها مرهقة نفسيًا، متقنة في العمل، لكنها جاهلة في المحبة. سلسلة طويلة من الفوز الذي يفقد معناه؛ لأنه وُلد بلا قلب.

قد يتساءل بعض الآباء والمربين: ما الخلل؟ ولماذا تغلب الكفاءة القيمة؟ السبب بسيط، لكنه عميق: نحن نميل إلى ما يُقاس. الكفاءة تعد بمكافأة فورية: شهادة، أو وظيفة، أو مكانة؛ أما القيمة فتثمر ببطء، وتحتاج إلى صبر وإيمان بإنسان لا يمكن قياسه. نحب أن نرى أبناءنا متقدمين أمام الناس، وننسى أن الغاية الأسمى أن يكونوا متقدمين في ضمائرهم. وهكذا خدعنا زمن العجلة، فأصبحنا نربي من يجيد، لا من يجمل.

في عمق هذه المفارقة، تكمن نفسية مجتمعية مأزومة بالخوف من التراجع. يخشى الآباء على أطفالهم من الفقر، لا من الفقد الداخلي، فيستثمرون في مهاراتهم أكثر مما ينمون ضمائرهم. أما المدارس، فترى في معدلات النجاح مرآة لسمعتها، فتهتم بما يُقاس وتهمل ما يُعاش. وهكذا تتوارى التربية القيمية خلف ضجيج الكفاءة، فيكبر الطفل بذكاء عالٍ وقدرة على المنافسة، لكنه هش أمام الإحباط، جاف أمام الألم الإنساني.

في المقابل، ليست الكفاءة عدوًا للقيمة، وإنما هي ضلعها الآخر. غير أن إعادة الاتزان تتطلب وعيًا جديدًا في البيوت والمدارس معًا. تبدأ هذه الخطوة بلغتنا التي نتحدث بها معهم؛ حين نقول لطفلنا: «أنا فخور بصدقك ومحاولتك»، بدلًا من: «فخور بفوزك»، نزرع في قلبه أن الجهد الصادق حياة، وأن الفوز الحقيقي لا يكون على الآخرين، لكن على ذاته القديمة. وفي لحظات أخرى، يمكن بناء معنى الكفاءة على روح العطاء من خلال التجارب البسيطة: أن يُكافأ الطفل حين يساعد زميلًا، لا حين ينجح في مهمة فقط، أو أن تنشأ في المدارس أنشطة جماعية ينجح فيها الفريق معًا، لا الفرد وحده؛ لترسخ فكرة أن العلم وسيلة للنفع، لا أداة للتمييز.

إنه لمن الجميل أيضًا أن يبتكر الآباء بعض الأساليب التي تكرس القيم بين أفراد الأسرة، بحيث تكون مطبقة في نظامها على نحو مخطط، وليست عشوائية أو حسب مزاج الأسرة. فكما يُخطط ماليًا لتعليم الطفل، من الجميل أيضًا أن يتفاهم الوالدان على مجموعة من الأفكار التي تصب في التربية الأخلاقية، لتنمية توجهاتهم بشكل عملي. ما زلت أتذكر ولي أمر طفل مصاب بمتلازمة داون كنت أدرس ابنه؛ قال لي مرة، حينما سألته عن أجمل صفة في ابنه، إن ابنه يتصف بالإيثار مع إخوته، رغم إعاقته. ثم أكمل كلامه، وكان مؤثرًا فيّ، حين قال: «رأس مالي مع أولادي هو الأخلاق. فأنا لا أملك أموالًا لتوريث أولادي، ولكنني أريدهم أن يرثوا مني أخلاقًا فاضلة لتكون خالدة». فعلًا، المال قد يفنى، ولكن الأخلاق والقيم الإنسانية هي الباقية.

والعملية ليست صعبة، ولا تحتاج إلى جهود مضنية؛ فهي تنبع من مواقف حياتية صغيرة نمارسها بوعي واستمرار، فتكون هي النموذج والقدوة، التي هي أبلغ من أجمل الخطابات الوعظية. فالأب الذي يعتذر حين يخطئ، والأم التي تشكر ابنها على صدقه عند خطئه، رغم خوفه من العاقبة، وكذلك حين يبر الأب والده، فيرى الطفل بر الوالدين مع جده بصورة عملية؛ فيتعلم نبذ الأنانية، والبذل للغير، والتعاطف مع الآخر. ألا تتفق معي على أن الوالدين معلّمان أكثر أثرًا من مئات الدروس الأخلاقية؟ فالتربية لا تحتاج إلى مواعظ بقدر ما تحتاج إلى مشهد حي يتكرر كل يوم. حتى المساء قادر على أن يصير لحظة وعي: سؤال صغير قبل النوم يفتح في الطفل باب التأمل: «هل جعلت اليوم حياة أحد أسهل؟» بهذا السؤال، أو غيره من الأسئلة اليومية، ينتقل تفكيره من الذات إلى الحياة من حوله.

تاريخ المجتمعات لا يُقاس بعدد المتفوقين وحدهم، وإنما بعدد الذين يحملون معنى التفوق في قلوبهم. حين نعيد الاعتبار إلى القيمة داخل منظومة الكفاءة، نمنح الأجيال القادمة فرصة لصنع عالم لا يقوم فقط على المنجزات، إنما على إنسان يستخدمها في الخير. فالكفاءة عقل، لكنها تحتاج إلى قلب، والقيمة عاطفة، لكنها تحتاج إلى جناح. والإنسان الكامل هو الذي يوازن بين الاثنين، كما يوازن الطائر بين جناحيه وهو يتعلم التحليق نحو المعنى.

لسنا بحاجة إلى جيل يعرف أكثر منا؛ نحن بحاجة إلى جيل يحب أكثر، ويشارك أكثر، ويدرك أن التفوق ليس أن تسبق الآخرين، لكن أن تنير دروبهم وأنت تمضي. حين نعيد ترتيب سلم القيم بهذه البساطة العميقة، يمكن أن يعود التعليم تربية، ويعود النجاح أثرًا إنسانيًا، لا مجرد إنجاز رقمي. ربما يكون أروع ما نعلّمه لأطفالنا: كيف يربحون أنفسهم وهم يمنحون الآخرين ضوءهم.

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *