مَن لازم شيئًا أُوتي ملكوته

منذ صباه المبكّر، كان ابنُنا الصغير يُبهرنا بقدرته على الاستغراق الكامل في كلّ ما يشدّه. في الرابعة من عمره، وقع في عشق المجرّات، وصار خبيرًا فيها، يعرف أسماء الكواكب وأقمارها وأبعادها وتوابعها وسائر علومها. وانتقل بعدها إلى عالم الديناصورات، ليحفظ أنواعها وتاريخها بتفاصيل تُثير الدهشة. قد يُعبّر ذلك عن نبوغٍ وتميّز، لكنه أيضًا حصيلةُ ملازمةٍ طويلة؛ فقد كان يُلازم الشيءَ حتى يمتزج به، ويكتسب دقائقه ويملك عقله ومشاعره.

مثلُ هذا المشهد يكشف عن قانونٍ يشتغل في كلّ فروع الحياة: “مَن لازم شيئًا أُوتي ملكوته”. إنه قانون النموّ الإنساني الذي يجعل المثابرة والمواظبة طريقًا للتمكّن؛ فكلّ ما نصاحبه بصدقٍ يمنحنا أسراره، ويصبح جزءًا منّا، ويتحوّل في داخلنا إلى معرفةٍ وحكمة.

الملازمة تستدعي انغماسًا واعيًا وحضورًا متواصلًا؛ فحين يُلازم الإنسان موضوعًا بحبٍّ وإصرار، تنشأ بينه وبين ما يلازمه علاقةُ تبادلٍ دقيقة، فحين يمنحه الزمن والاهتمام، يُفصح الموضوعُ بدوره له عن خصائصه وصفاته الداخلية. بهذا المعنى؛ الملكوتُ يُكسب صاحبه براعةً غير عادية تجعله يُدرك جوهر الشيء، ويحمله إلى بُعدٍ أعمق، تتعاظم فيه القدرة على الإنصات لما لازمه حتى يسمع صوته الخاص، بما يشبه الكشفَ أو البصيرة.

فَالطبيبُ الخبير الذي يُشخِّص المريضَ بنظرة، والنّجّارُ الذي يعرف الخشبَ بلمسة، والموسيقيُّ الذي يسمع في النّغم ما لا يسمعه سواه — كلّهم أُوتوا ملكوتَ ما لازموا، لأنهم عاشوا ما عشقوه من الداخل، إلى جانب دراستهم وممارستهم.

الملازمة بهذا المفهوم قانونُ وجودٍ وفضيلةٌ أخلاقية. وفي النصّ القرآنيّ تبدو إشارات هذا القانون واضحةً في قصص الأنبياء؛ فـيوسفُ (عليه السلام) لازم الصبرَ والتقوى والإحسانَ في كلّ محنةٍ حتى أُوتيَ ملكوتَ التأويل، فصار يرى المعنى خلف الحدث. وإبراهيمُ (عليه السلام) لازم التفكّرَ والمجاهدةَ في طلب اليقين، فكان جزاؤه أن أراه اللهُ ملكوتَ السماواتِ والأرض ليكون من الموقنين. والسيدةُ مريمُ (عليها السلام) لازمت الطهارةَ والعفاف، فظفرت بملكوتِ الاصطفاء والكرامة. هكذا يظهر أن الملكوت في القرآن درجةٌ من التمكّن تُمنَح لكلّ ملازمةٍ صادقة، تُهيّئ لآفاق الإدراك والبصيرة والامتياز.

ولعلّ المدهش أن هذا القانون الذي انبثق في التجربة الإيمانية يمكن رصده علميًّا في المختبر الحديث؛ ففي أبحاث المرونة العصبية يؤكّد علماءُ الأعصاب أن الدماغَ يُعيد تركيبَ شبكاته تبعًا لما يُمارسه الإنسان، وأنّ الخلايا العصبية تُقوّي الروابط التي نستخدمها وتُضعف تلك التي نهملها، حتى يتحوّل التكرارُ إلى إعادة تشكيلٍ وتنظيمٍ للدماغ.

وفقًا لهذه الحقيقة، فالعازفُ الذي يُدرّب أنامله يوميًا يُحسّن أداءه، ويُعيد أيضًا بناء جهازه العصبيّ على نحوٍ جديد. وهذا ما يعنيه «مَن لازم شيئًا أُوتي ملكوتَه»؛ باكتساب بنية معرفية، أو شبكةٍ عصبية، أو عادةٍ وجدانيةٍ تنقش نفسها بالتكرار الواعي.

وفي علم النفس، يُفسّر ألبرت باندورا، عالمُ النفس الكندي، في نظرية “التعلّم الاجتماعي” الطريقةَ التي يكتسب بها الإنسان سلوكَ ما يلازمه بالمشاهدة والتقليد؛ فالصحبةُ الطويلة تُعيد تشكيل الميول والقيم، وتحوّل المواقف إلى خصال ثابتة.

ويمتدّ هذا المبدأ إلى مجالات الحياة كلّها؛ فملازمةُ السؤال والبحث تولِّد الفهمَ العميق في تعلّم أيّ مادة، والمواظبةُ على التمرين اليومي تُحدث تطوّرًا على مستوى التنمية الذاتية، والمثابرةُ في مزاولة المِهن تُنتج بلوغَ الاحتراف، والذِّكرُ الدائم يُثمر طمأنينةً واتزانًا روحيًا ووجدانيًا. فحيثما وُجد تكرارٌ واعٍ وحضورٌ مُحبّ، وُجدت نواةُ الملكوت.

في المقابل، تعمل الملازمةُ أيضًا في الاتجاه السلبي؛ فمَن يُلازم التذمّرَ والشكوى يكتسب ملكوتَ الإحباط، ومَن يُطيل الإصغاءَ إلى الخطاب المريض بالسوداوية يكتسب ملكوتَ القلق، ومَن يُفرِط في ملازمة المقارنات الإلكترونية يحيا في ملكوتِ الحسد واحتقار الذات. إنها معادلةٌ بسيطةٌ عميقة: ما تُلازمه يتحوّل إلى ما أنتَ عليه.

في هذا العالم المتّصل بالتقنية، أصبحت الأجهزةُ والرسائلُ والإعلاناتُ تُلازمنا قسرًا وتستحوذ على وعينا كلَّ لحظة، حتى صار العقلُ موزّعًا على عشرات القنوات في الوقت نفسه. هذه الملازمةُ تجلب إلينا ملكوتًا مختلفًا؛ ملكوتَ التشتّت والسطحية، وهذا ما جعل كثيرًا منّا يعرف كلَّ شيءٍ على نحوٍ خافت، ولا يتعمّق في شيءٍ على نحوٍ حقيقي.

الخطرُ ليس في التكنولوجيا ذاتِها، وإنّما في تسليمها انتباهَنا دون وعيٍ، فندخل طوعًا في هوسٍ مع أشياءَ لا تُثمر فينا إلا الفراغ.

ولذا فإنّ قانونَ الملازمة يُلزمنا بمسؤولية أن نختار عن وعيٍ مَن نُصاحب، وفيمَ نتأمّل، وماذا نقرأ، وأن نتذكّر أنّ كلّ دقيقةٍ نعطيها لفكرةٍ أو شخصٍ أو عادةٍ هي مقدّمةٌ لملازمةِ شيءٍ قد يصوغ وعْينا في القريب. فلسنا ضحايا لظروفنا قدرَ ما نحن نتاجٌ لمرافقتنا الطويلة لما نسمح له بالدخول إلى عقولنا.

وإذا حاولنا تأمّل الفكرة في بنيتها الوجودية، نجد أن الملكوتَ هو اكتمالُ العلاقة بين الذات وموضوعها، أي لحظةُ الامتلاء التي يحدث فيها التبادلُ الكامل بين الإنسان وبين ما يُعانيه أو يعمل فيه. فالعالِم يُدرك حقائقَ الأشياء من الداخل أعمقَ بكثيرٍ من الخارج، لأنه لازمها حتى غدت تجربتَه الخاصة. هو فقط بحاجةٍ إلى زمنٍ كافٍ يتكرّر، ليتحوّل علمُ الفعل إلى وعيٍ بالفعل، ثم إلى وجودٍ في الفعل. وهذه هي درجةُ الملكوت العليا: أن تصبح ما تفعل.

يوضّح بعضُ المفكّرين الرّوحانيين هذا المعنى بقولهم: إنّ العملَ إذا تكرّر بلا محبّةٍ صار آليًا، أمّا إذا أحاطه الحضورُ والنيةُ صار عبادةً، وإذا استمرّ في صفائه صار كشفًا.

وللملازمة مستوياتٌ؛ منها المستوى المعرفيّ كتمكّن ابني الصغير، ومنها المستوى الروحيّ الذي يمنح صفاءَ النَّفس واستقرارَ الفضيلة، ومنها المستوى الوجوديّ، وفيه يحدث التماهي مع ما هو خيرٌ في الأنفس وفي الكون. هذه الدرجات تعبّر عن أوجهٍ مختلفةٍ لرحلةٍ واحدةٍ نحو الإدراك المتكامل، وحين تتحدّ هذه المستويات في الشخص، يصبح فعلُه بصيرةً، وبصيرتُه فعلًا؛ أي يُفتح له ملكوتُ الحكمة.

وإذا تأمّلنا نماذجَ التاريخ والفكر، وجدنا أن العباقرةَ صنعتهم الملازمةُ والمثابرةُ عبر العصور؛ فابنُ سينا لازم الطبَّ والفلسفة حتى صار مرجعًا فيهما، والرازي أوقف عمره للكيمياء فصار أبًا لعلمها، وابنُ خلدون لازم التاريخ حتى استولد منه علمَ الاجتماع.

وفي العصر الحديث، كرّس نيكولا تسلا حياتَه باحثًا في التيار الكهربائيّ والمجال المغناطيسيّ، وظلَّ يُراقب تردّداته حتى أفصح له البرقُ عن سرّه، فصار علمُ الكهرباء ثمرةَ صحبته الطويلة. ولازمت أوبرا وينفري العملَ الإعلاميَّ بخدمةٍ حقيقيةٍ لجمهورها، فكوّنت ملكوتَ التأثير الإنسانيّ. أمّا محمد يونس فقد اهتمّ بالفقراء والمجتمعات المهمَّشة عشراتِ السنوات، حتى استولد من معاناتهم علمَ التمويل الاجتماعيّ.

هكذا تظهر الملازمةُ في وجوهٍ متعدّدة: في البحث والعزلة، وفي الإعلام والخدمة، وفي الاقتصاد والرحمة، لكنها تُؤدّي إلى نتيجةٍ واحدة — التمكّن عبر الوفاء الطويل لما نُحبّه ونَعمل له.

الجميلُ في هذا القانون أنه يُعيد لنا الأمل في أن التغيير ممكن، وأنّ لا أحدَ يُحرَم من الملكوت؛ فكلّ إنسانٍ يستطيع أن يُغيّر واقعَه بتغيير ما يُلازمه كلَّ يوم. وأنّ الجاهل يمكن أن يُصبح عالمًا إذا لازم العلم، والضعيف يمكن أن يصير قويًّا إذا لازم التمرين، والبعيد عن الله يمكن أن يقترب إذا لازم الذكرَ والعبادةَ بتدرّجٍ وصبرٍ وحضورٍ صادق.

الملازمة تقتضي نيةً خالصةً ووعيًا حاضرًا واستمرارًا متواصلًا حتى في الأوقات الصعبة؛ أي الإخلاصَ الذي يحافظ على الاتجاه الصحيح حين يغيب الحماس. فكثيرون يُمارسون الشيءَ سنواتٍ دون أن ينالوا ملكوتَه، لأنهم يُمارسونه من الخارج بأجسادهم دون قلوبهم. علينا إذن أن نُدرك لماذا نفعل ما نفعل، ونبقى حضورًا في كلّ فعلٍ دائمًا.

في عالمنا المتسارع، يبدو الحديثُ عن المثابرة والبقاء مع الشيء رفاهيةً مثالية، لكن الحقيقة أن الحضاراتِ الكبيرة لم تُبنَ إلا بالملازمة الطويلة. وأنّ العلماءَ والفنانينَ والفلاسفةَ والمربّين، كلّهم صاغوا لبناتهم بالزمن. كذلك نحن، ما نختاره ليكون جليسَنا اليوم سيكون جوهرَنا غدًا. كلّ كتابٍ نقرأه، وكلّ شخصٍ نُصاحبه، وكلّ فكرةٍ نُفكّر بها، وكلّ عادةٍ نُكرّرها — جميعُها تُشارك في معمار شخصياتنا.

من هنا تتحوّل الحياةُ إلى ورشةِ تشكيلٍ دائمة، ومفتاحُها في اليد: أن نَعيَ ما يُلازمنا، لأننا في الحقيقة نصيرُ ما نلازم، والملكوتُ يُكتسب بالصبر والوفاء للطريق.

ولعلّ أجملَ ما تُسجّله التجربةُ البشريةُ بعد قرونٍ من البحث هذه البساطةُ العميقة: كلّ ما نُلازمه ونمنحه حضورَنا الصادق يمنحنا جوهرَه يومًا ما، ومن ثمّ فإنّ سرَّ التغيير يكمن في عمقِ ما نُلازم.

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *