من ذاكرة الانقسام إلى أفق الوحدة
الملخص:
تتناول هذه الورقة أحد أكثر مواسم الوعي الديني انقسامًا وجدلاً في التاريخ الإسلامي: موسم عاشوراء بوصفه ذاكرة حيّة ومتنازعًا رمزيًا في آنٍ واحد. وتطرح سؤالًا مركزيًا: هل يمكن لعاشوراء أن تتحوّل من مناسبة خاصة بطائفة إلى شعيرة إنسانية جامعة، إذا أُعيد تأويلها في ضوء معايير القرآن والفطرة والعقل؟
ترصد الورقة أصول الأزمة في سرديات الانقسام السائدة، وآليات الفصل الاجتماعي بين الواقع (الحدث) والتمثّل الطائفي (لهذا الواقع أو الحدث التاريخي) في التفكير الجمعي، وتقترح رؤية إصلاحية تُحرّر واقعة كربلاء من الاصطفاف الفئوي، وتعيد توطين الحسين (ع) في ضمير الأمة بوصفه رمزًا أخلاقيًا جامعًا للصراع ضد الاستبداد، وبذلك تعالج كل ما تمخض عنه من إفرازات سلبية في حاضره وليس دعوة للانقسام.
المحور الأول: مدخل (الحسين في زمن الانقسام)
كربلاء حدث عظيم وصادم في التاريخ السياسي الإسلامي المبكر، وهي لحظة مُحمّلة بكثافة مشاعر الفقد، والألم والتمزق والأسى والخذلان والخيانة، كما هي في وجهها الآخر رمزٌ للحفاظ على الكرامة الإنسانية وللتحدي، والنجاة بالضمير، ورفض الذل، وترسيخ لفكرة الشهادة الأخلاقية من أجل المعاني الروحانية والمبادئ السامية، وإنكار منكر وظلم، وأمر بمعروف، إذ وقف الحسين كإمام للمسلمين لا إمام فرقة وهوية ضيقة. لكن المفارقة أن واقعة بهذا العمق، تحوّلت تدريجيًا إلى واحدة من أشد الرموز توترًا في الوعي الطائفي الإسلامي.
سؤالنا الرئيس يبدأ من الشرخ الكبير الذي شطرنا كمسلمين عبر تاريخ من المماحكات: كيف تتحوّل شهادة عظيمة لله وللحق إلى ساحة للانقسام؟ وهل يمكن أن تُسترد لحظة كربلاء للضمير الإنساني والمسلم، إذا تم تحريرها من الحمولات المذهبية؟
مشروع التجديد بكل ما يحمله من رؤية تحررية تناهض الجمود والتكلس في مرويات فرقية مستقرة عن التاريخ وأحداثه كمقدسات لا تمس، وهي ليست كذلك، يرى أن الحسين (ع) لا يمكن اختزاله في سردية مذهبية، بل هو مرآة ضمير قرآني وإنساني أخلاقي قيمي. وهذه الشخصية الرمز لا تحيا إلا إذا عادت إلى مقامها الكوني خارج أُسُس “الفرقة الناجية” أو “الخصومة المقدّسة” التي استنفدت معناها ولكنها رغم ذلك ما زالت حاضرة في واقعنا، وما زال لها وطئ ثقيل وظلال معتمة في وجدان الجميع.
المحور الثاني: تفكيك المستويين (الحدث والتمثل الطائفي)
لطرح واقعي ويقدم رؤية مفارقة في آن، يجب أولًا أن نُميّز بين مستويين متداخلين:
أولًا: كربلاء كواقعة تاريخية إنسانية
- الحسين سقط شهيدًا من أجل العدل واسترجاع كرامة الأمة، ولم يرتقِ كزعيم لطائفة من المسلمين.
- الحسين بن علي هو حفيد نبي الإسلام محمد (ص)، ورمز للكرامة الإنسانية وللعدل والحرية، شخصية ٌلا يُختلف على سموها بين المسلمين، إذ لم يختلفوا في نقاء أصله (حسبه ونسبه) ولا في صدق موقفه وعدالة قضيته في كربلاء.
- ليس في القرآن، ولا في أصول الإسلام، ولا في سير الرواة الأول أي دلالة على قصر هذا الرمز على طائفة دون طائفة.
- الوقوف مع الحسين ماضيا وحاضرا ومستقبلا، وعند عامة المسلمين إلا من شذ، هو موقف أخلاقي قبل أن يكون سياسيًا، والدفاع عنه هو موقف مع الكرامة والحرية الإنسانية، وضد الاستبداد والأثرة، وليس ضد طائفة من طوائف المسلمين.
ثانيًا: كربلاء كتمثل طائفي
في المستوى الثاني نلاحظ كيفية التحول من الرمز الجامع إلى الشعيرة المذهبية المغلقة، وهو مسار تحول حدث في أزمان وسياقات متدرجة تالية للحدث التاريخي، وضمن جدلية صراع السلطة والهوية، بهذا أصبحت “عاشوراء” في بعض السياقات:
- طقسًا شعائريًا مغلقًا (شكلا ومضمونا كسردية مذهبية)، يُحتفل به داخل حيّز طائفي لا يسع الآخر.
- سردية اتهام تاريخي، بدل أن تكون سردية يقظة ضمير.
- مناسبة وموقع للانكفاء على الذات، وإنتاج للمظلومية، وتكرارا ينتج تحريضا، وبهذا ابتعدت عن روحانيتها ودورها في إيقاظ الوعي ودفع أفراد الأمة لتحمل مسؤولية حاضرهم (ليكونوا وسطا – وليكونوا شهداء على الناس بريادة حقيقية).
- شعارات عاطفية تستحضر في مناسبات التأزيم السياسي والطائفي
هنا أصبح تجدّد الذكرى اقتراحًا لإحياء النزاع أكثر من كونه إحياءً للضمير، وتحوّل السؤال من: كيف نكون على خطى الحسين؟ إلى: من قتل الحسين؟
بهذا تم تأبيد الانقسام قرونا طويلة ولم يُصر لتحرير الموقف والحدث، رغم وجود محاولات في أزمان متفرقة، لكنها لم ترق لتكون مشاريع تجديد حقيقية، يمكن أن تُحدث تغييرا عميقا يحرر الحدث من التمثل الطائفي الحاضر بقوة في الطقس والخطاب كل عام.
المحور الثالث: جدلية الضمير والطوائف (من يتحكم في الرمز؟)
هنا ندخل إلى لبّ مشروع تفكيك جدلية الاستحواذ الطائفي على الرموز بشكل عام وإن خصصنا الحديث عن كربلاء، فمعركة احتكار رمزية عاشوراء هي معركة الاستحواذ على حق قراءة التاريخ، وبالتالي احتكار حصرية “حق تأويل الرمز” متمثلا في إمام المسلمين الحسين (ع) واحتكار رمزية الحدث كله (كربلاء).
النتائج العميقة لهذا الاحتكار الرمزي:
- طوائف تحتكر الحسين من جهة، وأخرى تُنكر الحاجة لإحياء الذكرى من جهة مقابلة.
- إفراغ كربلاء من بعدها التحريري، وتحويلها إلى نياشين وزينة للهوية المذهبية أو بكاء جماعي، بينما المراد منها جوهريا هو خلخلة واقع قائم مفارق للرسالة.
- خصومات تمتد من فتاوى التبديع إلى الملاسنات السياسية إلى القطيعة النفسية بين أجيال المذاهب، خصوصًا في مواسم الحزن واللطم (وغيرها من الطقوس المستجدة التي تتوسع يوما بعد يوم).
بهذا التحكم في الرمز والجمود على السردية المناقضة لمحكمات التنزيل تأخذ “الذاكرة الدينية/المذهبية” مكان “الضمير الديني/القرآني”، ويتشوّه سؤال الفرد من: كيف أتحمل مسؤولية الظلم؟ إلى: لأي فريق أنتمي في المأساة؟
ولذا نقول “كل رمز فقد بُعده الأخلاقي الجامع، فقد حوله الفهم الجامد إلى صنم هوية فرعية“، وهذا التصنيم والاحتكار هو ما جاءت الرسل كدعوات مجددة لرفضه، ولتعيد لأصالة الانتماء مضمونها الحقيقي، حتى يكون للانتماء الفعلي آية مبصرة في الواقع، زكاة ونماء في الفرد والأمم ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 68].
المحور الرابع: المناخ النفسي الشعائري تحت المجهر (هل الدين تحرير أم ذاكرة؟)
أي دعوة لإعادة قراءة وتأويل الشعائر يجب أن تستحضر المشاعر، يجب أن تتجنب الاصطدام بها بطريقة نفي قاطع أو تقريع جارح. فالطائفية ليست فقط أفكارًا مجردة تتدافع، إنما هي أيضا مشاعر جُمعت وتراكمت على مدى ألف عام من المرارات، واندكت في كل ما نراه في واقعنا من مظاهر الإحياء المذهبية والنفرة المذهبية المضادة في الطرف المقابل.
نرى أنّ الولوج إلى إصلاح عاشوراء يجب أن يعترف بأن:
- الشعائر (مهما كان تفسيرنا وموقفنا منها) تعبّر عن حزن، وتعبير عن هوية ما (حتى لو كانت مذهبية ضيقة)، وإحساس بالحق.
- الانتماء الطائفي غالبًا ما يقوم على ذاكرة الجمع لا على حرية الفرد.
لكن دون إصلاح بنية هذا الوعي، ستبقى الضمائر تدور في حلقة البكاء وتستنكر كل نقد، وستبقى حبيسة التذكر العاطفي لا تجد سبيلا للتحرّر العقلاني، تعيد الخصومة المناكِفة وتتوقى الشهادة للحق، رغم أنها مأمورة في محكم التنزيل أن تؤدي الشهادة لله ولو كان على النفس والأقربين، وهنا تأتي الشهادة على أفكارنا وممارساتنا المذهبية الخاصة مصداقا للشهادة لله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ…﴾ [النساء: 135]).
ولذا، أي خطاب يدعو لإصلاح عاشوراء يجب أن:
- لا يُحرج ولا يجرح المتديّن في شعوره، ولكن يُنضجه كي لا يتوقف عند الألم، بل يتجاوزه إلى المعنى الأعمق والأوسع لطلب الإصلاح (القرآني وليس المذهبي) الذي خرج له الحسين (ع) وبذل مهجته في سبيله.
- يعلم أن الطائفة تمنح شعورًا بالأمان العاطفي، رغم أن الحسين (ع) أراد النجاة لكل الأمة لا العزاء وحده أو في معية مذهبية خاصة.
- يحرر معنى عاشوراء من الزيادة والأسطرة والتوظيف السياسي، ويعيده إلى مساره الإصلاحي حيث الوعيٌ بالظلم، وطلب العدل، والحياة بثبات على المعنى.
المحور الخامس: التهميش السني لعاشوراء (لماذا الصمت؟)
قلنا بأن المسلمين على طرفي نقيض، بين افراط وتفريط، لذلك لابد من التنبيه إلى خلل في بعض الرواية السنّية التقليدية أيضًا، حيث لا تُستنطق كربلاء بل تُختزل في “واقعة مؤسفة” و”أليمة مأساوية” أو تُسافر بالتاريخ من دون الاعتراف بشهادة الحسين (ع)، وهذا ينتج “حيادًا سلبيًا”، يطمس الحدث التاريخي ويخفي المأساة، ولكنه يُحيي “صمتًا دينيًا مريبًا” عن واحدة من أعظم لحظات دفع الثمن من أجل الحق (وهذا الحق أيضا بحاجة لتحرير من الجدالات المذهبية القديمة، وإعادة قراءته وفق سياقات مدنية حديثة من منظور الحقوق التي انتهت إليها وثبتت عليها الإنسانية، كالكرامة الإنسانية والعدل والمساواة وحرية الفكر والضمير والتعبير وعدم الإكراه وما يترتب عليها من حقوق وواجبات الأمر بمعروفها والنهي عن منكراتها بالمفهوم المدني الحضاري أيضا).
وبالتالي، فَمن الإصلاح أيضًا أن تعترف الذاكرة السنية بأن الحسين (ع) رمز إصلاح جامع، يُعاد له مكانه كسبط لنبيها (ص) وربيب بيت علي (ع) فارسها وأحد رموز روحانيتها وربيب نبيها، وأن يُبتعد عن عقل الخصومة ومنطقها حين تناول سيرته دراسة ونقدا، ويصار إلى تحليله وفق منظور قرآني إسلامي ومنطق ضمير إنساني.
المحور السادس: غياب المرأة في الشعيرة (لماذا تُبتر كربلاء؟)
جدير بالتأمل أن الذاكرة الشعائرية لعاشوراء كثيرًا ما تسقط حضور المرأة، رغم أن زينب الحوراء (ع) وبقية أمهات الشهداء وحرائر من بطون العرب المعروفة سبين معها، شهدن الواقعة وتخطين محنة الألم والتحمّل، ومارسن دورهن إلى جانب السيدة زينب، فإن سرديات الذكرى اجتزأت الذاكرة من نصفها الأنثوي.
وهذا خلل في جوهره، لأن:
- كربلاء شهادة رجال وهي بذات القدر شهادة نساء وصبر ودفع أثمان تحمل المسؤولية الرسالية.
- كل إصلاح للقيم الدينية لا تحضر فيه المرأة كفاعل وشاهد يبقى ناقصًا لا يمثل مقاصد الدين وغاياته الكبرى.
- زينب كانت المحكمة الأولى التي واجهت يزيد وعامله على الكوفة، واجهتهم بحجاج قرآني إسلامي التأصيل وإنساني حقوقي متقدم.
لذلك نقترح تضمين فعاليات عاشوراء رمزية زينب وبقية النساء الشاهدات بوصفهن: صوت الحقيقة عند تغييب صوت رمزها، والإيمان العميق العاقل في مواجهة الفاجعة والقهر. ولتحقيق كل ذلك لا بد من دراسات مجددة للحدث (كربلاء) وأثر المرأة فيه، تعيد الوهج لدورها كذات إنساني مكلف، وشاهد هذا الخطاب حاضر في كل (يا أيها الناس..) في التنزيل الحكيم.
المحور السابع: نحو إحياء اجتماعي وحدوي للشعيرة (مقترحات تطبيقية)
- تقديم عاشوراء كقيمة للعدل الجمعي، والابتعاد عن تحويلها مناسبة للاتهام التاريخي.
- إحياء برامج ثقافية عن سيرة الحسين بوصفها درسًا في صدق الإيمان والكرامة الإنسانية والشجاعة وسائر القيم.
- تشجيع الإنتاج الأدبي والفني عن الحسين كرمز مقاوم ضد الظلم والاستبداد بكل أشكاله، يُخاطب به الوعي المدني لا المذهب.
- إفراد مساحة للرؤية النسائية لعاشوراء، وتأسيس مبادرات حوارية عن كربلاء تراها بعين بصيرة وسداد منطق “زينب الحوراء”.
- إبراز الجوانب الحقوقية في الذكرى، كأن تكون عاشوراء موسمًا لحماية المظلومين والمهمشين والمستضعفين المعاصرين.
- نشر ورش عمل تُدرّب الشباب على قراءة التاريخ الديني بلا خصومة موروثة، ليكتسب عقل الباحث الفاحص الناقد الذي لا يسلم إلا بعد قراءة موضوعية ونقدية.
- كما أن المأمول أن يتحرر المنبر الحسيني من أي تخدير ببيع الوهم وتمرير اللامعقول والخرافة لصالح نشر الوعي وتحمل المسئولية وتحرير العقل من أغلاله.
هذه أمثلة في عجالة وليست قائمة مغلقة وهي قابلة للتطوير والتبديل بخير منها.
الخلاصة التأصيلية
عاشوراء والحسين في عمقها ليست ملك جهة دون غيرها، ولا هي رمزًا يختزل في فتوى وطقوس بعينها، لأن جوهر عاشوراء هو صرخة إيقاظ دائم للسؤال: متى ينتصر الحق وكيف؟ ومَن هو مستعد أن يموت ليبقى الضمير حيًّا؟
لم يكن الحسين (ع) مشروع انقسام حتى تحتكره مذاهب بعينها، كان شهيد أمة أرادت أن تحيا حُرّةً بالحكمة، وقد استشهد ليكون نموذجا لمقاومة المطامع والمخاوف في آن واحد.
عاشوراء التي تضمخت بالدم حفاظا على حقوق إنسان هذه الأمة ومن أجل الإصلاح ستبقى تسألنا: كيف جاز أن تموت الأمة في حاضركم من أجل صعود الطوائف؟ فلم لا تحيا هذه الأمة بالعودة إلى صوت الحسين الجامع قبل أن يخنقه ضجيج طوائفها؟
إن استعادة الحسين ليست بطقوس البكاء عليه كما لا يمكن استعادته بتجاهل قراءة سيرته، لأن استعادته تعني السير معه في ركب التضحية والإيثار، وبذل النفس كما فعل هو تأسيا بجده وبمن قبله من كبار الصحابة والتابعين الذين انتصروا للحقوق والكرامة الإنسانية، ولا يتحقّق ذلك إلا إذا طُهّرت الضمائر والشعائر من الخصومة، والذاكرة من اللوم، والمذهب من احتكار معنى الرمز (الحسين) والحدث (كربلاء).
من كربلاء خرجت “الشهادة الحقّة”، شهادة ليست ضد أحد، وإنما هي نُصرة للمبدأ، أيًّا كان موقعه.
استجابات