بحثنا أنا والعائلة في برامج سينماتنا في البحرين، فوجدنا مجموعة من الأفلام لم ترق لنا، رأينا أن حشر أنفسنا على الكراسي للتفرج على ما فيها سيكون هدرا، فما الحل؟ قلت أسأل “Gemini” عن قائمة بأفضل الأفلام التي عالجت أسئلة فلسفية متعلقة بالوعي، أعطيت أمري بالبحث عما يشكل أو يؤثر في الذات والهوية خصوصا ونحن في زمن تطورات ثورية تسقط فيه مفاهيم كثيرة وتعريفات راسخة حول الإنسان والآلة حتى أصبح الشك يعتري كل شيء.
المحادثة مع الذكاء الاصطناعي أثمرت قائمة طويلة بأعمال كثيرة، فحصرت السؤال فيما بعد لأستخلص الأفلام التي رأت النور في آخر أربع سنوات لاعتقادي بأنها تواكب المتغيرات، وقع اختياري على فيلم “After Yang”، وهو ينتمي لمدرسة إنتاج سينمائي يثير أسئلة في عصر لا يجد فيه أغلبنا وقتا ليتأمل ويسأل وينتقد ليتعمق في معرفة نفسه وليفحص قبلته ويستكشف عالمه.
مررت ذات يوم بمقولة حُفرت بذاكرتي “الفيلم لا يحكي قصصاً، بل يصنع تجارب” وأظنها لأندريه تاركوفسكي، وهي من وجهة نظري تصف بعمق فلم “After Yang” (2021)، حيث يتحول كل مشهد إلى مرآة تعكس أسئلتنا العميقة المتعلقة بالذات وبالعلاقات التي تربطنا بكل شيء، وهذه الأسئلة تسبر أغوار العمق الإنساني فيما يتعلق بعلاقتنا بالأشياء، وتدخل في قائمة هذه الأشياء الآلة الذكية التي تتسرب لحياتنا حثيثا وتفرض نفسها جزءا من تجربتنا الحياتية اليومية.
يان هو رجل آلي أتى به جيك وهو رب الأسرة المكونة من ثلاثة أفراد، ليكون عضوا في العائلة مرافقا لابنتهم المتبناة ميكا، من أجل مساعدتها في فهم جذورها العرقية والثقافية، إذ إن الطفلة ميكا من أسرة صينية تبنتها عائلة غربية، وفي معرض مداولاته في الفلم يقول يان الآلي: “أحياناً أتساءل إن كنتُ أتذكر الأشياء حقاً، أم أنني فقط أتذكر تذكرها”، فما الفرق الجوهري بين هذين المسارين في التذكر؟!
بالانطباع الأولي العبارة بسيطة لكنها بذرة لسؤال فلسفي أعمق حول الوعي والهوية، هي تجعلنا نبحث عما يكوّن الذاكرة، وهل نستطيع الوثوق بمعرفتنا بالماضي وهو قائم على استدعاء ما هو مخزّن في ذاكرتنا؟ وهل ذاكرتنا تحوي فقط الحقائق أم خيالاتنا وأوهامنا؟ أما السؤال الأهم فهو: ما هو الاختلاف بين ذاكرتنا وذاكرة الآلة؟
إن نزعاتنا الفكرية والسلوكية تشكّل عالمنا، وهذا العالم واقعيا منقسم في ذائقته الفنية، كحال اختلافه في مختلف القضايا، بل هو يزداد انقساماً يوما بعد يوم، بين أفلام تلهث وراء الإثارة الرخيصة بلا معنى يرقينا، وأخرى فيها جرأة على طرح الأسئلة الكبيرة، تلك الأسئلة التي تهزنا وتقلقنا وتوقفنا لنقرأ أنفسنا وعالمنا بعقول مستنيرة، هذا الاختلاف كان حاضرا في عائلتي حول اختيار الفيلم، ونتيجة لتباين رؤانا داخل العائلة فقد بعضنا الاهتمام بأحداث الفلم ونام فيما أكمله بعضنا على مضض.
هنا نسأل: أين يقف فيلم “After Yang“؟ من وجهة نظري، يقف الفلم شاهداً على أن السينما ما زالت قادرة على أن تكون فنًا راقياً، يطرح جدلا يوقظ العقل والضمير ويشعل جذوة العاطفة في آن واحد، وهو محفز يطوّر وعينا وليس مخدّرا لعقولنا.
في أحد المشاهد، تقول ميكا الطفلة المتبناة لوالدها: “يانغ يعرف عني أكثر من أي شخص آخر”، تقول هذا مبدية اعتراضا ضمنيا على قلة اهتمام الأم بها خاصة والأب بدرجة ثانوية، وتصريح ميكا هنا فيه وقع إدانة لنمط من الحياة أصبحت فيه العلاقات الإنسانية سطحية، لا تلامس الجوهر الإنساني ولا تحقق الرضا، بعدما صرنا نشهد منحى تصاعديًا مقلقًا لعلاقة أطفالنا -ونحن أيضا معهم- بالآلات، وهي علاقة تزداد اتساعا وعمقاً وإدمانا بشكل غير متوقع ومخيف.
يكشف جيك (الأب) ذكريات الآلي يان المخزنة بعد تعطله عن العمل، وهنا يستمع لواحدة من أكثر الحوارات استفزازا وإثارة للتفكير، يستمع للآلي وهو يقول “كنت أشعر أنني جزء من شيء أكبر، حتى لو لم أكن أفهم ما هو”، هذا التصريح يقدم الآلة وكأنها صارت تحمل حيرة الإنسان منذ البدء، فصارت تسأل: من أنا؟ ولماذا أنا هنا في هذه الحياة؟ فإذا تطورت وصارت تسأل هذه الأسئلة الوجودية فهل سنكون فقدنا احتكارنا للوعي؟
وفي محاكاة لحقيقة الفقدان والرحيل تحزن الطفلة ميكا حزناً عميقاً على جمود رفيقها الآلي، وهي تراه كأنه إنسان مات للتو، ممددا بلا حراك، في هذا المشهد تبدي الأم دهشتها فتقول “لم أكن أتوقع أن يكون الأمر بهذه الصعوبة”! وهذا يضعنا أمام مفارقة محيرة، فكيفلآلة بلا روح أن تترك فراغًا حيويًا في حياة البشر بهذا العمق؟ أكانت صلتها بنا أكثر رسوخا من صلتنا ببعضنا كما هي صلة ميكا بالآلي أعمق من صلتها بأمها وأبيها بالتبني؟ أما السؤال الأخطر فهو: هل يمكن للروح أن تصبح مشروعا تقنيا يسكن روبوت؟
يستمر الفيلم بتقديم فرصًا للتأمل كمقولة يان وهو يناقش الذكريات قائلا “الذكريات مثل أوراق الشجر، بعضها يسقط وبعضها يبقى، لكن الشجرة تظل كما هي” وهذا يقودنا مرة أخرى للتساؤل: هلالهوية هي ما يبقى رغم تغيّر الذكريات؟ أم أنها نتيجة لها؟ وهل هذا يصدق على الإنسان فقط؟ وفي حوار متقدم تسأل الطفلة ميكا الآلي يان ببراءة عن المحبة “هل تحبنا؟” فيتردد يان ويرتبك قائلا “أنا أعرف أنني يجب أن أفعل” وهذا الجواب أيضًا يضعنا أمام مفارقة وسؤال أخلاقي حول ماهية المشاعر فهل هيقرار يمكن أن يكون مبرمجا أم هي تدفق صميمي إنساني لا تملك الآلة انتاجه؟
الحيرة كلها تختزل في المشهد الأخير، حين ينظر جيك الأب إلى الشاي ويتذكر يان الآلي بعد مشاهدة شريط ذكرياته المخزن على قرصه الصلب وهو مندهش وحزين، ثم يتمتم قائلا: “أحياناً أتساءل من كان يعتني بمن؟ هو بنا أم نحن به؟” وفي هذا المشهد العميق نشهد الحدود تذوب ويتسرب الشك لحقيقة العطاء! فمن المعطي ومن المتلقي؟ سؤال جوهري حول من كان يحسن لمن؟ الإنسان التي تسكنه الروح هو المحسن أم الآلة التي لا تملك قلبا ولا مشاعر؟ وكما هي صيرورة الفلم يتركنا المخرج بين سؤال ينتج حيرة وتأمل وانكسار.
فيلم “After Yang” ليس فلما يحسم ولا يقدم يقينا بل يزرع الشك ويثير أسئلة، وهو بهذا ينسجم مع دعوتنا للتجديد التي تدعو للتحلي بيقظة روحية واتقاد ذهني، دعوة تحثنا على أن نعيد التفكير في كل شيء وأن نرفض الوصفات الجاهزة، وأن نعيد تعريف الإنسان لا من حيث تفوقه وخلافته بشكل عام بل من حيث إمكاناته وقدرته على التأرجح بين الشك واليقين فهذا طريق مكابدته وتألمه من أجل تحصيل الحقائق التي يبني عليها صيرورة تغيير وتقدم ونماء.
فهل الإنسانية الحقيقية إلا أن نحيا المكابدة الدائمة؟ أن نعيش في تلك المساحة الغامضة بين اليقين والشك؟ أن نظل بين ذكر ونسيان؟ وأن نتأرجح بين لحظات تدفعنا للاستجابات الهرمونية أو بوعي فكري وعاطفي ومنطقي؟
همسة ختامية:
لم يخاطب الوحي آلة مبرمجة، بل إنسانًا في أحسن تقويم عقلي ونفسي وروحي، قادرًا على تحقيق ذاته بالعبور من الشكوك إلى اليقين في حياة ملؤها مكابدة.
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: 6]
استجابات
مقال مثير للاهتمام، لا سيما في ربطه بين عالم السينما والآلة والإنسان من حيث الوعي الذي يقوم به كل واحد منهم.
مقال جدير بالقراءة والاهتمام.
أسئلة محيرة فعلا .. وأهمها هل نحن من نعتني بالآلة أم هي؟ هنا يطرأ سؤال فلسفي آخر: ما هو الاهتمام؟ هل هو ما شعرت به الفتاة المتبناة من الآلة أم ما فقدته من الأم التي تبنتها؟
وهكذا هو التأمل تفتح بابا على سؤال غير متوقع لتتوالى الأسئلة تترا.. على ألف باب من أسئلة لم يُطرق بابها قط