كان الليل ساكنًا، والنيةُ معقودةٌ على اقتراف خطأٍ يُثقل الروح ويُطفئ ما تبقى فيها من بصيص نور، والرجلُ على وشك أن يتسلق جدار بيتٍ ليس له، بينما يلف الظلام المكان، حين باغت سمعَه صوتٌ ينساب من داخل البيت، صوتُ صاحب الدار يتلو بخشوعٍ قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ…} [الحديد: 16]
تجمّد الرجلُ في مكانه، وكان وقعُ الآية عليه كالصفعة على وجه غفلته؛ وكأنها فتحت شقًّا في جدار الليل ليتسلّل منه نور التوبة. تراجع خطوةً إلى الوراء ثم أخرى، لم يتراجع لأنه خاف من البشر، ولكنْ لأنّ شيئا ما استيقظ في نفسه، تلك اللحظة كانت لحظة انتقالٍ من السماع إلى الاستماع، من مرور الصوت في الأذن كبقية الأصوات إلى دخوله في القلب.
تبدو هذه الحكاية الصغيرة مجرّد حدثٍ عابر، لكنها في الحقيقة تكشف عن أحد أسرار الوعي الإنساني، حين يُستَمع إلى الكلمة الطيبة بصدق، وتعيها أذن واعية، حينها يمكن لهذه الكلمة أن تُبدّل مسار الحياة بأكملها، لهذا يطالبنا القرآن الكريم بالاستماع له حين قراءته: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204]، الاستماع وليس السماع، هذا ما يصنع الفارق، ويجعل من الاستماع طريقًا للتحوّل العميق كبوابة للارتقاء في سلم الوعي.
يغرق عالمنا في الضوضاء وتتكاثر فيه الخطابات، وفي هذه الضوضاء لم يعد السماع دليلًا على التواصل، بقدر ما قد يكون وسيلةً للتلهّي والهروب من مشقة التركيز طلبا للمعاني السامية. السماع هو أن تعبر الأصوات أذنك بلا قصد، أما الاستماع فهو أن تطلب السماع، أن تكون حاضرًا بكليّتك لما يُقال. السماع يحدث لأنك تسمع، مجرد حدث فسيولوجي، أمّا الاستماع فهو لأنك اخترت أن تصغي.
إنه فعل وعيٍ لا مجرّد حاسة، فحتى الحيوانات تسمع تصويت الكلمات ولكنها لا تدرك معناها، ومثلُها مَنْ لا يتعقل ما يسمع من البشر {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171]
هذا الفرق بين السماع والاستماع فرقٌ بين الغياب والحضور، بين من يعيش على سطح الأصوات ومن يغوص إلى عمق المعنى. وقد جاء التعبير القرآني في غاية الدقة حين قال تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 18]، فالاستماع هنا ليس موقفا حياديا، هو حركةُ وعيٍ وتمييز، وفعلٌ أخلاقيّ يُفضي إلى التفريق بين الأقوال، بين ما يُنير مشاعل الهدى وما يطفئ نور البصيرة، وبين ما يبني وما يهدم، وبين ما هو حسن وما هو أحسن منه، وبالتالي القدرة على ممارسة حرية الاختيار بين الحسن والأحسن، لذلك قال الحقُّ سبحانه: “يستمعون” لأن المقصود أولئك الذين يفتحون قلوبهم قبل آذانهم، ويُصغون أسماعهم بحثا عن الحقيقة لا انتصارا للذات.
إن التحوّل من السماع إلى الاستماع هو أن تعبر من التلقّي السلبي إلى التفاعل الإيجابي، أن تستقبل الكلمات بعقلك لتعيَها، فالتاريخ الإنساني لم يتغيّر بالخطب الكثيرة بقدر ما تغيّر بكلمةٍ واحدةٍ أصغى إليها قلبٌ حاضر؛ مثل تلك اللحظة التي ردعت رجلًا عن غيِّه حين قرعت الآيةُ سمعَه، فاستيقظ من غفلته.
قد يتساءل البعض: أليس في الاستماع نوع من الخضوع للمتحدث؟ نعم، في حال كان الاستماع مفروضا عليه أو مدفوعا إليه، وليس هذا موضوع حديثنا هنا، ما نتكلم عنه هو الاستماع الإرادي بقصد إيقاف ضجيج الأنا، والانفتاح على ما يمكن أن يُغيّر الداخل، من يستمع بحقّ يهمه أن يفهم الكلمات وأن يبحث عن الحقيقة فيما يسمع، لا أن يفكر في الرد عليها.
وفي هذا الزمان الذي يكثر فيه الصراخ، يصبح الصمت شجاعة، والإصغاء فعل مقاومة ضدّ التفاهة واللامعنى، وكلّما أنصتنا بصدق، استطعنا أن نستمع للآخر ولأحلامه وآماله وآلامه، بل للعالم بكل مكوناته وهي تهمس لنا بمكنوناتها، ولكننا لا نسمعها بسبب صراخ النفس الطاغي على الآذان! حتى صرنا كما يقول القرآن الكريم: (.. ولهم آذان لا يسمعون بها) (الأعراف: 179).
الاستماع بهذا المعنى تمرينٌ روحيّ يعيد ترتيب وعينا. أن تُنصت يعني أن تسمح للعالم أن يتكلّم فيك، وأن تتحلّى بالصبر حتى تفرز الكلمات أثرها في داخلك، فتنتقل من مرحلة الاستماع إلى مرحلة الإصغاء التي تلامس القلب وهي أعلى مراتب الاستماع حيث الانفعال والاستجابة الوجدانية (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما..) (التحريم: 4)، ففي لحظة الإصغاء العميق، تتغيّر بنية العلاقة بينك وبين الآخر؛ فلا تعود الكلمة معلومة يملكها أحد، وإنما مساحة لقاءٍ بين مختلفين، من هنا يصبح الإصغاء طريقًا إلى التواضع، وأداة للتواصل والانفتاح، وربما وسيلة إلى الخلاص.
الإصغاء الجيد هو أن تصغي لما يعتمل في نفسك من ردود على ما يقوله الآخرون عنك ولك، أن تتأمل صدى كلامهم فيك وأثره على نفسيتك، وتتساءل لماذا تكدرت أو غضبت أو تحاملت، ففي كل نقد أو نصيحة فرصةٌ لمرآة جديدة ترى فيها ذاتك، وفي كل توجيه احتمالٌ لاستبصار ما غاب عنك. لذلك لا تحتاج الحياة إلى ضجيج أكبر، فما أكثر العبر وأقل الاعتبار، فقولٌ واحدٌ يكفي لمن يسمع جيّدًا، لأن الإصغاء الحقيقي لا ينتظر كثرة الكلمات، بل صِدق النية في تلقّيها.
استجابات