قراءة في رواية الفرقة الناجية

خميس بن راشد بن سعيّد العدوي

سلطنة عمان / مسقط

 مؤتمر ”الوحدة الإسلامية وديعة محمد (ص)”

مملكة البحرين: 28 إلى 30 ديسمبر 2007م

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه الأمين المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله الطاهرين، وصحبه الطيبين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد؛؛؛
فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إن الله تعالى أرسل رسله الكرام لإنارة الطريق للبشرية وهي تقوم بواجبها التكويني في إعمار الكون، لعلمه تعالى أن الإنسان وهو يؤدي دوره الاستخلافي على الأرض ستصدر منه الهنات ويقع في العثرات، وقد يبلغ به الأمر إلى التنكر لحقائق الفطرة السليمة، وإلى سفك الدماء والإفساد في الأرض، قال تعالى: ((وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ)) البقرة:30، وهذه حقيقة قائمة في الوجود، ورحمةً من الله ولطفاً بعباده أنزل الوحي على هؤلاء الرسل ليهدوا البشرية إلى سواء السبيل، قال تعالى: ((اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)) البقرة:257، وقال: ((لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)) الحديد:25، وقال: ((كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)) البقرة:213.
وكان محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم هو الرسول الخاتم، والكتاب الذي أنزل عليه هو الكلمة الإلهية الخاتمة التي تصلح للبشرية إلى قيام الساعة، قال تبارك اسمه: ((الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)) إبراهيم:1، وقال: ((فَاتَّقُوا اللهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً، رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقاً)) الطلاق:10–11، وقد انتقل رسول الله إلى الرفيق الأعلى ليوفيه الله أجره ويتغمده برحمته ويتم عليه صلواته وسلامه، وبقي القرآن الكريم يهدي البشرية إلى التي هي أقوم، فانتقلت تبعات إقامة شرع الله وتطبيق كتابه إلى الأمة المؤمنة التي وصفها الله تعالى بقوله: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)) آل عمران:110، وقال: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)) البقرة:143، ومن المعلوم بالضرورة أن هذا الوحي الإلهي الخاتم صالح لكل زمان ومكان، وبالتالي يحتاج إلى تدبر دائم وأنزال أحكامه على الواقع باستمرار، وقد مرت الأمة بأدوار تأريخية مختلفة في القيام بهذا الواجب، وكان لكل مذهب نصيبه في تشييد صرح المجتمع المسلم، وهذا التشييد كأي عمل إنساني لابد أن يشوبه الزلل والعثار، لقوله تعالى: ((وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً)) النساء:82، فاحتاجت الأمة إلى من يبصرها في رؤيتها، ويقيلها من عثرتها، ويجدد لها اجتهادها، ويسدد خطاها على جادة الطريق، ولأن الحياة مترامية الأطراف، واسعة العمران، متشعبة المهام، كان من الضروري أن تتعدد المؤسسات التي تقوم بدور الإصلاح والتعمير، وكان أيضاً من الواجب أن تتعاون فيما بينها، وأن تتراص صفوفها وتتحد كلمتها.
ولا ريب أن الخطوات التي تقوم بها جمعية التجديد الثقافية بمملكة البحرين تصب في هذا المصب، فنسأل الله تعالى أن يوفق مسعاهم إلى كل خير، وأن يقدرهم على المشاركة في العودة بالأمة إلى توجيهات كتاب ربها، وإلى الاستلهام من هدي رسولها عليه الصلاة والسلام، لكي يعود الاجتماع والوحدة إلى المسلمين، فيعملوا جميعاً يداً واحدة على النهوض بالأمة، وعلى المشاركة في البناء الأممي للحياة، وأن يكونوا رادة البشرية في كل خير، وقادتها إلى كل صلاح.
هذا؛ وقد تشرفت بالدعوة الكريمة الموجهة إليّ من فضيلة الأستاذ رضا رجب رئيس جمعية التجديد الثقافية؛ للمشاركة في هذا المؤتمر الذي يقام تحت عنوان “الوحدة الإسلامية وديعة محمد صلى الله عليه وسلم”، فكان لزاماً عليّ أن أجيب داعي الله إلى الخير، لأنها دعوة تتعلق بشأن أمة محمد عليه السلام، وخاصة أن الأمة تمر بمنعطف صعب ومعقد من التغيّرات الثقافية والفكرية والاجتماعية والتنموية، وفي فترة عصيبة تكالب فيه الاستكبار علينا من كل حدب وصوب، فاستغل ضعفنا وفرقتنا ليفت في عضدنا، ونبش المعتم من موروثنا وهو الصراع على الفرقة الناجية، فزادت الجراح كياً، واتسع الخرق على الراقع، إلا إن يتداركنا الله برحمة منه، فنأتلف ونتحد، ونكوِّن من تراثنا قوة في وجه كل من يريد بنا السوء والمكر، ونصنع من حضارتنا ثقافة جديدة قادرة على أن تتفاعل مع الشهود الحضاري العالمي.
هذا ما نأمله من هذا المؤتمر الذي يأتي في سلسلة مؤتمرات وندوات تقام في العالم الإسلامي باستمرار، إلا أننا نرجو له أن يكون أكثر تميّزاً بحيث يخرج بخطوات عملية في سبيل النهوض بالأمة وتلاحم اتباعها، وفي سبيل التخلص من الفرقة والتنابز والتحارب.
ويسرني هنا أن أضع ورقتي المتواضعة هذه التي تأتي بعنوان “قراءة في رواية الفرقة الناجية” بين أيديكم عسى أن تنال منكم القراءة وإبداء الملاحظة، فما وقوفي أمامكم –أيها السادة الأجلاء– إلا موقف الطالب المتعلم الذي ينشد التوجيه والإرشاد، فما وجدتم فيها من خلل أو خطأ فلا تتوانوا عن تبيينه وإصلاحه، فإن الإنسان ضعيف بنفسه قوي بإخوانه، ونظّر الله امرأ أهدى إليّ عيوبي، على أننا جميعاً في سفينة واحدة، لا يمكن أن تبحر بسلام وتصل إلى بر الأمان إلا بتكاتف ركابها وتوازنهم وتعاونهم على البر والتقوى، فإن قدمت هذه الورقة شيئاً من الفائدة فهو من الله، وهو ما أرجوه، وإن أخطأت فمن نفسي، ولا تستقيم النفس إلا بالتقويم، فلا تحرموني إياه.
وقد سعيت –رغم العجالة– أن أستفيد من كل المدارس الإسلامية دون أن أتحيز لهذه أو تلك، حيث إنني أعتقد يقيناً أن ميراث الأمة بمختلف مدارسها هو حق للجميع، سواء في الاستفادة منه أو تفعيله، أو نقده بموضوعية بعيداً عن أي تشنج أو تعصب، وهذا ما أرجو الله أنني قد قمت به في هذه الصفحات القليلة، فأسأل الله المغفرة ومنكم الصفح عن كل زلل لم أقصده، ولا أرغب فيه.
ولا يسعني إلا أن أشكر جمعية التجديد الثقافية بمملكة البحرين على إقامتها هذا المؤتمر وعلى حسن إدارتها له وكرم ضيافتها للمشاركين، وأخص بالشكر رئيسها فضيلة الأستاذ رضا رجب على دعوته الكريمة، والشكر موصول لكافة العاملين في هذه الجمعية الرائدة وللعلماء المفكرين المشاركين في المؤتمر.
أسأل الله جلّت قدرته أن يكلل المؤتمر بالنجاح، فيأتي أكله يانعاً زكياً، فيجني المسلمون ثمرته الطيبة، ونلحظ نتيجته بأعيننا شاخصة على أرض الواقع، حيث نأمل منه الخطوات المنهجية العملية مع المرتكزات الفكرية النظرية.

تمهيد

لا أحد يستطيع أن ينكر الفرقة الحاصلة بين المسلمين منذ عهد الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وأن تلك الفرقة قد تشعبت بعد ذلك حتى أصبحت مذاهب في العقيدة والفقه والعمل، وأصبح كل فريق يعدّ نفسه أنه على الحق، وأن الآخر ليس كذلك، وإن وجد عند غيره من حق فيجب أن يقاس بدرجة قربه من مذهبه، فجعل كل مذهب من نفسه محكاً للحق، ومركزاً للصواب، فبيّضت صحائف الكتب بذكر محاسن المذهب، فجاء مبرأ من كل عيب، مصاناً من كل شائبة، معصوماً من كل زلل، وبما أن الأشياء تعرف بأضدادها، فلابد من ذكر مثالب المذاهب الأخرى، فأعمل المسلمون القلم الذي هداهم الله إياه لهداية البشرية في تقطيع أوصال أمتهم وتفريق شملها.
وليت الأمر وقف عند حد القلم واللسان، وإنما تعدى إلى جرِّ السيوف من أغمادها وسلِّ السنان من أكنانها، فأزهقت الأرواح وعيث في الأرض الفساد، وأصبحت المذهبية مطية يركبها كل جائر، يستنصر بها ضد من ناوأه، فدخلت جحر السياسة، وحق لها أن تأرز إلى بيتها الذي خرجت منه، فما الفرقة إلا وليدة تلك السياسة التي لم تحمد عاقبتها بين الأمة منذ أول أمرها.
وإنك قد لا تستغرب أن تزل القدم مرة فتنهض من عثرتها أو تليها عثرة أخرى وثالثة بل وعاشرة، ولكن يأخذك العجب كل مأخذ عندما تتطاول بنا الدهور ولا زلنا نعيش الكبوة تلو الكبوة، وكأن حالنا اليوم هو بالأمس، وما يعصر النفس حزناً ويفلق القلب كمداً أن يَرُوج هذا الصراع باسم الدين، فيتقرب بممارسته إلى الله، وحينها نخشى والعياذ بالله أن يصدق علينا في ذلك قوله تعالى: ((الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً)) الكهف:104.
بيد أن وجود الكثيرين من المخلصين في الأمة –من أمثالكم– ممن يلملم جراحها، ويرتق فتقها، ويبحث عن حلول عملية لتجاوز هفوتها، وإقالة عثرتها، يبشر بغد أفضل، ويجعل جذوة الأمل متقدة بعودة الأمة إلى طراوة عهد نزول الوحي وحكمة الرسول القائد، ومهما بدا الطريق شاقاً والعقبة كؤوداً والهدف نائياً فإن من سار على الطريق وصل، وكما يقال: إن أول الطريق خطوة، وأول الغيث قطرة.
إن أدواء الأمة التي بَذَرت فيها شقاقَ الفرقة وعمقت الهوة بين أبنائها عديدة جداً، وكل داء منها يحتاج إلى حذاق الأطباء المخلصين من الأمة لعلاجه، وتأتي رواية “الفرقة الناجية” أحد الأسباب التي تشبث بها أصحاب المذاهب للانتصار لما عندهم وغمط حق الآخرين، ولا يستثنى من ذلك مذهب من مذاهب المسلمين، إلا أنه علينا أن نعلم أن المشكلة ليست منحصرة في هذا العنصر، فهناك عناصر كثيرة جداً أخرى أخطر شأناً منه، بل إنني أذهب إلى أن ادّعاء الفرقة الناجية ليس هو مرضاً بقدر ما هو عرض من الأعراض التي تهيجها جراثيم تحتاج منا إلى بحث عنها، ودراسة لطبيعتها، وعمل على اجتثاثها واستئصالها، حتى يشفى جسد الأمة وينشط في الفعل الحضاري الكوني الذي ناط الله به البشر عندما استخلف له الإنسان، وأرشده إلى أن يسلك فيه مسالك الإيمان المتنزل على رسل الله عليهم السلام.
ومع هذا كله فإن العرض ذاته إن تمودي في علاجه تحول بسبب تداعيات الجسد إلى علة يصعب علاجها، فلذلك يلزم تسليط الضوء عليه، ووضعه على منضدة التشريح، لنقرأ من خلاله الكثير من الدلالات، ولنقف أيضاً على جذور المشكلة.
نقول هذا ونحن نستحضر تلك المركزية التي حظيت بها هذه الرواية في الانتصار للمذهب، وتقرير بأن ما عليه وحده هو الحق، وأن ما سواه باطل، وهي مركزية جعلتنا نعيش في خدر مزمن، يحتاج للصحو منه إلى أيد مخلصة وقلوب صادقة ودماء تشتعل حماسة لأجل الدين قبل المذهب، بل ولو جاوزت شيئاً من معطيات المذهب إن كان فيها ما يخالف دين الله، فالله سمّانا المسلمين دون غيره من الألقاب، وفي هذا يجب أن يكون جهادنا قبل كل شيء، قال تبارك اسمه: ((وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ)) الحج:78.
إن هذه الرواية تحولت في حقل الفرق إلى أصل من أصول الدين ومعلم من معالم الحق ودليل من دلائل النبوة، ولأنني لا أحب أن استجر الأوجاع ولا أقلب المواجع فإنني أضرب صفحاً عن نقل شيء من تلك المغالاة، فما يهمنا هنا هو الإصلاح وليس نكأ الجراح.

الرواية والسند

لا تسعى هذه القراءة إلى إلغاء الرواية من أساسها لعدة اعتبارات؛ لعل من أهمها:
– أن الإلغاء هو أسهل الطرق للتخلص من تبعة الأمر، لكنه لا يشفي علة، ولا يروي ضمأ، ولربما قام به الإنسان كسلاً وخمولاً وهو يدعي معالجة مشكلات الأمة الفقهفكرية والتاريخسياسية ونحوها، مع إننا لا ننكر أن في بعض الأحيان لا يملك الباحث إلا الإلغاء والرفض، عندما لا يجد مبرراً منطقياً لقيام الرواية.
– إن الإلغاء والرفض يفوّت علينا التحليل النقدي لوقائع تأريخنا والتي تشكِّل مفردات كثيرة من تديننا، ولذلك كثيراً ما نلجأ إلى التنقير العميق، والحفر في الواقع، والتفتيش عن الروايات، ولمدة غير يسيرة من الزمن، حتى نصل إلى فهم جوانب من طبيعة حركتنا التأريخية، لعلنا نسد ثغرة من ثغرات التأريخ.
– في عالم الرواية يشكّل الإلغاء نوعاً من الحساسية المفرطة عند التيارات الفقهعقدية، لأنك تصادر تراثها العلمي، وربما وقعت في شيء من الحيف اتجاهها، وهذا ما نعمل دوماً على تجاوزه في صالح الحقيقة بقدر الإمكان.
– الإلغاء في ذاته لا يعدّ حلاً للمشكلة بقدر ما هو هروب عن المواجهة، بل قد يكون تكريساً للمشكلة وتفاقم في تداعياتها.
ولذلك سنعمد إلى قراءة رواية الفرقة الناجية في ضوء معايير أكثر أهمية من السند، وهي: القرآن الكريم، ومنطق الإيمان، وحركة التأريخ، والسنة النبوية، ودلالات التشريع.
إن كانت الرواية –أي رواية– قد لا تعني بالضرورة سنة ماضية، وقد لا تبني حكماً تشريعياً في كل الأحوال –كما سنلاحظ ذلك لاحقاً– فإن ذلك لا يعني أنها لم تصدر عن المقام النبوي الشريف، فالصادر عنه عليه السلام –أمراً أو نهياً– قد يكون سنة تتناوبها الأحكام الخمسة، أو رأياً يراه في أمر من أمور الحياة، أو هو من قبيل العادات التي يمارسها النبي بحكم وجوده الزمني والبشري، لكن لا ريب أن تدوين الروايات وجمعها قد حفظ لنا تلك الوقائع التي تحرك بها الزمان منذ النبي، مروراً بأصحابه وتابعيهم، وهذا قد شكّل مادة مهمة لدراسة تطور المجتمع الإسلامي.
وفي هذا الجمع الدائب كان لأصحاب المدونات الروائية بدءاً من الصحاح وحتى المصنفات مروراً بالمسانيد وكتب السنن؛ شروط في أخذ الرواية، وهي شروط قد اختُلِف فيها من مدوِّن إلى آخر، وهذا أمر طبيعي في الحقل المعرفي، إلا أنه في الأخير خلال القرون الخمسة الأولى من صدر الإسلام تم معظم التدوين تقريباً، واستقرت المادة الروائية في كتب الرواية على وجه العموم، ومع كل الاختلافات في النظر إلى الرواية فإنه قد انعقد شبه إجماع على أنه لا يمكن أن يقطع بصدورها عن النبي صلى الله عليه وسلم ما لم تصل إلى التواتر؛ مهما بلغت صحة سندها، وخلت في نظرهم من أي شذوذ أو علة قادحة، والتواتر في الرواية اللفظية يُذكر ولا يُبصر، اللهم إلا السنة العملية الماضية بين جميع المسلمين، كما أنه أيضاً اتفق على أن الرواية مهما ضعف سندها أو انقطعت سلسلة نقلتها فإنه لا يمكن أن يقطع بعدم ثبوت نسبتها إلى النبي الكريم.
ولأجل ذلك احتاجت الرواية إلى أن تقرأ في ضوء معايير داخلية وخارجية، فالداخلية كاستقامة المعنى وإمكان الصدور عن النبي عليه السلام وعدم الركاكة في الألفاظ ونحو ذلك، والخارجية كعدم مخالفتها للقرآن الكريم، أو لما هو أقوى منها من الروايات، أو لوقائع التأريخ ولمنطق العقل، ونحو ذلك.
إذن بعد اكتمال حركة التدوين أصبح المقام الأول للنظر في المتن، وهو ما يعرف بعلم الدراية، ويأتي السند تالياً له، وعندي –على الأقل في الإخبار– ينبغي أن لا نلتفت إلى السند كثيراً بعد التدوين، فحاجته كانت قائمة عند الجمع، أمَا وقد اكتملت منظومة الجمع منذ مئات السنين، وظهرت بفعل حركة التأريخ الكثير من المناهج التي يمكن أن تقرأ على ضوئها الرواية؛ فإن السند أصبح أمره ثانوياً، خاصة بعدما دخله الكثير من الخصوصية المذهبية التي كانت مستعرة على أوجها بين أفراق الأمة.
ونقد السند بما سمي علم الرجال والجرح والتعديل في بعض جوانبه هو غير موضوعي، وهذا يظهر من معايير النقد عند أصحاب الحديث وطرائقهم، ولذلك أسباب عديدة؛ منها القدح في الأقران، والحميّة القبلية، والانحياز الإقليمي، والمغالاة في التجريح، واستخدام اللغة العنيفة، وأهمها طبعاً التعصب المذهبي؛ حيث جعلوا التشيّع والخروج والاعتزال والأخذ بالرأي مثلاً مما تسقط به الرواية، مع أنهم قد اعتمدوا روايتهم في بعض المواضع لسبب أو آخر، وأغلبه الموافقة في الاتجاه، فأصبح هذا الفن يشكّل خصوصية مذهبية أكثر منه علماً موضوعياً عاماً.
نقول ذلك ونحن لا نعرّض في هذا بأصحاب الحديث من أهل السنة، فهم على أقل تقدير قد رووا عن غيرهم وحفظوا ما نقله رواة المذاهب الأخرى، وبقيت المادة محفوظة في بطون كتبهم، وإن جاء بعدهم من حاول أن يستبعد الرواة المخالفين مذهبياً في قبول الرواية، فهو يمارس عمله وفق منظومته الفكرية الخاصة التي قد لا تلزم غيره، أصحاب مدرسة أهل الحديث نقلوا الكثير من الرواية الواردة من طرق غيرهم، وهذا في رأيي يحسب لهم محمدة، في حين أن غيرهم امتنع أو كاد أن يمتنع عن الرواية عن بقية الفرق، فالإباضية والشيعة الإمامية والزيدية لم يرووا عمن خالفهم في المذهب إلا النزر اليسير، ولذلك لم يحتاجوا إلى أن يجرحوا أو يعدلوا غيرهم.
وهذا يحتاج منا إلى أن نضع مرويات جميع الفرق في نسق معرفي واحد، ونعمل على دراستها بحسب المعطيات الحضارية، متجاوزين تلك الأحكام الشديدة التي مارسها بعض نشطاء الجرح والتعديل في حق من خالفهم، ونستفيد منها جميعاً، ونقوم بتصنيف جديد للإفادة منها؛ في التشريع والتاريخ والعمران والأفكار ونحو ذلك، بل حتى دراسة التفكير الأسطوري الذي ساد تلك الأزمنة، كل ذلك بدون أن يكون لدينا تحيّز مذهبي، أو اللجوء إلى الطعن في الرواة من بقية المنظومات.
وبعد؛ فإن دراستنا لرواية الفرقة الناجية ينبغي أن تمر –حسب رأيي– على هذا المحك، ولذلك حاولت أن استجمعها من سائر مدارس الأمة؛ سنة وإباضية وشيعة، ولا أقول إنني تتبعت كل مظانها، إلا أنني استحضرت بعض النماذج، راجياً من الله أن يقدرني على إلقاء نظرة ولو سريعة عليها، كما أنني سأجد ولا شك عندكم أيها العلماء الأجلاء والمفكرون الفضلاء ما ينير العقل ويثلج الصدر من دراسة موضوعية لها.
وكما قلت سلفاً إن الورقة لا تسعى إلى إلغاء أصل الرواية، فإنها كذلك ليس ديدنها تضعيف الرواية أو تقويتها، لأننا بذلك قد لا نتجاوز كثيراً السجال المذهبي، وهو ما نطمح إلى تجاوزه، وهذا لم يمنعني من أن أبدي رأيي في ألفاظ الرواية، وفي كيفية صدورها وتحركها في حقول الفرق المتنافسة.

الرواية وسيكلوجية الحفاظ على الذات

ليس من العدل أن نمر على المناطق المعتمة التي خلفها التعامل السلبي مع الرواية دون الاستنارة بالمناطق المضيئة ، وقد قيل: لا يوجد شر محض أو خير محض في عالم الإنسان، بل هو أوشاب منهما.
لقد شكّلت رواية الفرقة الناجية نزوعاً نفسياً للحفاظ على الذات، وهو نزوع –يمارسه العقل الجمعي المذهبي شعورياً وباطنياً– أدّى إلى محاولة مستديمة ومستميتة عدم الاقتراب من “الفرق الهالكة”، أي محاولة الالتصاق أكثر بالدليل والحجة، ومن المؤكد أنها قد آتت ثمرتها، بغض النظر عن الأخطاء والمآسي التي رشحت عنها، فنحن اليوم نلمس بوضوح عدم خروج مدارس الأمة عن الأدلة الشرعية المعتمدة، كما أنك تجد الفرصة التي تخاطب بها أفراق الأمة بحجة الكتاب والسنة سانحة، وأقول: إن غياب هذه الرواية ربما أدّى إلى نوع من الهلامية والضبابية في الحفاظ على هوية الأمة في بعض نواحيها، وهي تعبر بحراً متلاطم الأمواج من متغيرات الحياة، إن الرواية من هذه الحيثية هي أشبه بالمضادات التي يفرزها جهاز المناعة ليحافظ على وجود الجسم، وكما أن المرض يتطور فكذلك الجسم يطور مضاداته المناعية، وهذا فعلاً ما حدث مع رواية الفرقة الناجية إذا ما استقرأنا مختلف ألفاظها عند فرق المسلمين.
كما أن هنالك فائدة أخرى يمكن أن نجتليها، وهو أن الصراع المحموم بين أفراق الأمة على “الفرقة الناجية” ولّد حصيلة فكرية وفقهية وكلامية هائلة، ملئت بها بطون الكتب، وهي حصيلة يمكن تثميرها في الاستنباط الفقهي، وفي التأمل الفلسفي، وفي الحجج الكلامية مع خصوم الإسلام فكرياً، وفي البحث الاجتماعي، والتحليل النفسي، وفي النقد الأدبي، والدراسات التأريخية، وفيما لا يحصى من فنون المعرفة، وربما نجد في هذا الجانب مكتبة علمية قلَّ نظيرها في العالم.
وبالجملة؛ فإن هذا النزوع النفسي للحفاظ على الذات في مقابل الآخر أدّى إلى الحفاظ على الهوية المشتركة بشكل عام مع الميراث المعرفي الضخم، وفي معظمه رائع، وهذا لا يعني أنني أبرر وجود الرواية، فهي موجودة شئنا أم أبينا، ولكني أحب أن أنحو بها صوب التحليل والاستنطاق الحضاري والفلسفي.

الرواية في المذاهب

عمدت جميع الفرق الإسلامية تقريباً إلى الاحتجاج برواية “الفرقة الناجية” لتدعيم صواب موقفها، وأنها هي على الحق دون سواها، وقد زخرت كتب الفرق والمقالات بالاستناد عليها، ولأنه ليس وظيفتنا هنا أن نتتبع آراء تلك الفرق وبيان حقها وباطلها، كما أنه يقيناً يوجد عند كل فرقة شيء من الصواب وشيء من الخطأ، ولذلك نحن مبدئياً نرفض تفعيل الرواية في حقل التكييف الطائفي الذي آلت إليه الأمة؛ سنة وشيعة وإباضية؛ من فرقة، ولكن لا يمنعنا ذلك من الوقوف عند الطبيعة التأريخية لحركة هذه الرواية، ونبتدئ بموقعها في المذاهب، ومدى القابلية عندهم لمناقشتها.

– عند الزيدية:

خلت المنظومة الروائية الزيدية المؤسِّسة من هذه الرواية حسب اطلاعي على مجموع الإمام زيد بن علي الحديثي والفقهي([1]) ومجموع بقية كتبه ورسائله([2])، إلا أن هذا لا يعني رفضها، بل يوجد عن الإمام زيد تقرير استقامة مذهبه على معناها، وكتابه “الصفوة”([3]) قائم على ذلك، فمما ورد فيه ما يدل على اعتمادها:
(وقد رأيت ما وقع الناس فيه من الاختلاف، تبرأوا من بعضهم، وتأولوا القرآن برأيهم على أهوائهم، واعتقدت كل فرقة منهم هوى، ثم تولوا عليه، وتأولوا القرآن على رأيهم ذلك، بخلاف ما تأوله عليه غيرهم، ثم برأ بعضهم من بعض، وكلهم يزعم فيما يُزين له أنه على هدى في رأيه وتأويله، وأن مَن خالفه على ضلالة أو كفر أو شرك، لابد لكل أهل هوى منهم أن يقولوا بعض ذلك، وكل أهل هوى من هذه الأمة يزعمون أنهم أولى الناس بالنبي صلى الله عليه وآله، وأعلمهم بالكتاب الذي جاء به، وأنهم أحق الناس بكل آية ذكر الله فيها صفوة أو حبوة… الخ)([4]).
ثم ذكر بعد ذلك في كتابه هذا تفضيل أهل البيت على غيرهم، وأن غيرهم تبع لهم، وهذا جليّ بأن الزيدية يعتمدون أصل هذه الرواية وإن لم أجدها عندهم مرفوعة إلى النبي عليه الصلاة والسلام.
وقد تعمدت نقل هذا الكلام عن الإمام زيد بن علي رغم أنه بعد ذلك ينتصر لمذهبه، إلا أن في هذا الكلام دلالة ضمنية على رفض التمايز وفق الادعاء، وهذا يعني أن الرواية قابلة للمناقشة لديه، وهذا على فرض اعتماده عليها فعلاً، وإلا فالزيدية في حلِّ من إلزاماتها، بل إننا يمكن أن نقرر بأن كلام الإمام زيد فيه دليل على حركة الرواية وفق منطق اجتماعي وقع للمسلمين، والميزة لدى الزيدية هنا فيما يخص موضوعنا أنها لم ترتفع إلى رواية مؤسِّسة منسوبة إلى النبي عليه السلام.

– عند المعتزلة:

لم أجد عند المعتزلة على حسب اطلاعي إلا رواية واحدة ساقها الزمخشري في كشافه وهي:
(افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، كلها في الهاوية إلاّ واحدة وهي الناجية، وافترقت النصارى ثنتين وسبعين فرقة، كلها في الهاوية إلاّ واحدة، وتفترق أمّتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في الهاوية إلاّ واحدة)([5]).
وهي رواية جاءت في الكشاف معلقة بدون سند، مما يعني خفة المؤونة لدى المعتزلة سندياً، ولعل الزمخشري لم ينقلها من الرواة المعتزلة، بل من المجاميع الروائية الأخرى، بدليل وجودها بهذا اللفظ عند الآخرين([6]).

– عند الإباضية:

وجدت رواية واحدة عند الإباضية في مسند الإمام الربيع بن حبيب جاءت بهذه الصيغة، سنداً ومتناً: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلهن إلى النار ما خلا واحدة ناجية، وكلهم يدعي تلك الواحدة)([7]).
وسندها متصل صحيح عند الإباضية بحسب صنعتهم الحديثية، بل هو عالي السند، وهو من طريق عبدالله بن عباس، وابن عباس فقيه كبير وجليل من فقهاء الصحابة، انتشر علمه الواسع بين الأمة قاطبة، حتى عرف بالبحر وحبر الأمة وترجمان القرآن، إلا أنه من صغار الصحابة، وأغلب رواياته من قبيل مرسل الصحابة، وعند الإباضية مرسل الصحابة لا يقطع الرواية ولا يوهنها، على اعتبار أن ابن عباس لا يروي إلا عنهم، وهم في عمومهم عدول لدى الإباضية، إلا من تعمّق منهم في الفتنة، أو ثبت عنه ما يقدح في نقله كالكذب في نقل خبر أو القذف ونحو ذلك، فحينه يحاكم على ما ثبت عنه، وبما أن الرواية أصلاً خارجة في الفتنة وانقسام الأمة فالمجال يسمح –بحسب هذا التأصيل الإباضي– بمناقشتها، حيث إن النقاش في هذه الحالة سينصب على المتن الذي يشكّل صيغة واحدة من ألفاظ الرواية الكلية التي انغمست في الفتنة، وليس في السند الذي جميع رواته عدول عند الإباضية.
والرواية لدى الإباضية وإن كانت تنص على نجاة فرقة واحدة، لكن لم يوجد في مروياتهم ما يتحيّز لإباضيتهم، وهذه ميزة تحيّد الرواية في أصلها دون تنصيص مذهبي، اللهم إلا الاستغلال المذهبي المتأخر على جهة التأويل، بل الرواية تم تحييدها قرآنياً، فقد جاء في مسند الربيع بن حبيب قبل رواية الفرقة الناجية مباشرة وبنفس السند؛ رواية عرض ما جاءعن النبي على القرآن: أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنكم ستختلفون من بعدي، فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فعني، وما خالفه فليس عني)([8])، وحسب رأينا أن في هذا دلالة بيّنة –ربما متعمدة– من الرواة الإباضية على تحييد رواية الفرقة الناجية مذهبياً لصالح القرآن المجيد وحده، وخاصة أن ترتيب روايات المسند هو من وضع صاحبه الربيع بن حبيب كما دللنا على ذلك في رسالة بحثية بعنوان “قراءة في فقه مؤسسي المدرسة الإباضية”([9]).
ونجد مجموعة من فقهائهم من يصرح بأن هذه الفئة هي التي تكون على كتاب الله وسنة رسوله، ونكتفي بما قاله سالم بن حمود السيابي: (واختلاف الأمة أمر قضى الله به في الأزل لحكمة كما قال عزَّ وجلَّ : ((لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ))([10])، والتمسك بمقتضى الكتاب والسنة هو النجاة عند الله.
قال الإمام (=عبدالله بن حميد السالمي) رحمه الله: وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حكم بأنه ما خالف الكتاب والسنة الصحيحة المتفق عليها، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي والدين كامل والنعمة بالإسلام تامة، وقد علم الناسخ من المنسوخ، والعام والخاص، واستقرت الشريعة على قرارها المكين، واستبان الحق بعد أن كاد لا يبين، فما جاء بعد ذلك فهو مردود إلى ما صح وثبت عنه عليه الصلاة والسلام)([11])، وواضح من هذا البيان الموجز أن الرواية المختلف فيها ترد إلى كتاب الله والسنة الصحيحة المتفق عليها بين الأمة.
وهذا الكلام بالإضافة إلى أنه يخفف من وقع رواية الفرقة الناجية المذهبي يعطينا مساحة للحديث عن متنها داخل ساحة المذهب الإباضي بردها إلى الكتاب والسنة المتفق عليها.

– عند الشيعة الإمامية:

وهي عند الشيعة الإمامية مروية بألفاظ عدة، منها ما هو مرفوع إلى مقام النبي عليه الصلاة والسلام، ومنها ما هو موقوف على أئمة أهل البيت، وهؤلاء الأئمة عند أتباعهم من الشيعة نصوصهم مؤسِّسة للتشريع تالية للنص النبوي، والحق لم أقف على تحليلهم السندي لهذه الروايات، حتى ألقي عليه هنا لمحة، ولكني أكتفي بما كتبه مالك وهبي:
(روى الشيخ الطوسي من علماء الإمامية، عن رسول الله “ص” أنه قال: ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، فرقة ناجية والباقون في النار. وعنه “ص” قال: ستفترق أمتي ثلاثاً وسبعين فرقة، واحدة منها ناجية واثنتان وسبعون في النار.
وقد ساق الشيخ الطوسي هذا الكلام في الموضعين لبيان عدم عصمة الأمة عن الخطأ، وإلا لما افترقت إلى هذا الحدِّ، وروى الكليني من علماء الإمامية أيضاً، بسند معتبر عن أبي جعفر”ع” قال: إن اليهود تفرقوا من بعد موسى “ع” على إحدى وسبعين فرقة، منها فرقة في الجنة، وسبعون فرقة في النار، وتفرقت النصارى بعد عيسى “ع” على اثنين وسبعين فرقة، فرقة منها في الجنة، وإحدى وسبعون في النار، وتفرقت هذه الأمة بعد نبيها “ص” على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون فرقة في النار، وفرقة في الجنة، ومن الثلاث وسبعين فرقة ثلاث عشرة فرقة تنتحل ولايتنا ومودتنا، اثنتا عشرة فرقة منها في النار، وفرقة في الجنة، وستون فرقة من سائر الناس في النار.
وروى الشيخ الصدوق من علماء الإمامية بسند معتبر، أن أمير المؤمنين عليه السلام علّم أصحابه في مجلس واحد أربعمائة باب مما يصلح للمسلم في دينه ودنياه… إلى أن يقول: افترقت بنو إسرائيل على اثنين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة.
وروى ابن الشيخ المفيد وهو أيضاً من علماء الإمامية، بسنده عن أبي عقيل قال: كنا عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه فقال: لتفرقتن هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، والذي نفسي بيده أن الفرق كلها ضالة إلا من اتبعني وكان من شيعتي.
وفي بعض الأخبار أن ثلاث عشرة فرقة يدَّعون مودة أهل البيت “ع”، وهو ما رواه الشيخ الطوسي بسنده عن علي “ع” أنه قال لرأس اليهود: على كم افترقتم؟ فقال: على كذا وكذا فرقة. فقال علي “ع”: كذبت يا أخا اليهود.
ثم أقبل على الناس فقال: والله لو ثنيت لي الوسادة لقضيت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل القرآن بقرآنهم، أيها الناس، افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، سبعون منها في النار، وواحدة ناجية في الجنة، وهي التي اتبعت يوشع بن نون وصي موسى “ع”، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، إحدى وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي التي اتبعت شمعون وصي عيسى “ع”، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون فرقة في النار، وفرقة في الجنة وهي التي اتبعت وصي محمد “ص”، وضرب بيده على صدره، ثم قال: ثلاث عشرة فرقة من الثلاث والسبعين كلها تنتحل مودتي وحبي، واحدة منها في الجنة وهم النمط الأوسط، واثنتا عشرة في النار.
وروى الحاكم في مستدركه بسنده عن عوف بن مالك، عن النبي “ص”، أنه قال: تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال.
وقد صحح الحديث على شرط الشيخين، وصححه أيضاً الهيثمي.
وروى البيقهي بسنده عن أبي هريرة عن النبي “ص” أنه قال: افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة.
وروى الهيثمي بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله “ص”: تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلهن في النار إلا واحدة، قالوا: وما تلك الفرقة؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي.
رواه الطبراني في الصغير، وفيه عبدالله بن سفيان، قال العقيلي: لا يتابع على حديثه هذا، وقد ذكره ابن حبان في الثقات.
ولو أردنا أن نحصي كل من روى هذا الحديث لطال بنا المقام لهذا نقتصر على هذا المقدار، فليراجع من أراد التفصيل كتب الحديث.
ولا ينافي هذه الروايات ما رواه الشيخ الطوسي بسنده عن سلمان الفارسي أنه قال: قال رسول الله “ص”: تفترق أمتي ثلاث فرق، فرقة على الحق لا ينقض الباطل منه شيئاً، يحبوني ويحبون أهل بيتي، مثلهم كمثل الذهب الجيد كلما أدخلته النار فأوقدت عليه لم يزده إلا جودة، وفرقة على الباطل لا ينقص الحق منه شيئاً، يبغضوني ويبغضون أهل بيتي، مثلهم مثل الحديد كلما أدخلته النار فأوقدت عليه لم يزده إلا شراً، وفرقة مدهدهة على ملة السامر، لا يقولون: لا مساس. لكنهم يقولون: لا قتال، إمامهم عبدالله بن قيس الأشعري.
فإنه يمكن إرجاع الفرق الاثنتين والسبعين إلى هاتين الفرقتين المقابلتين للفرقة التي هي على الحق، وهما الفرقة التي هي على الباطل، والفرقة المذبذبة.
كما لا ينافيه أيضاً ما رواه ابن حنبل بسنده عن أبي سعيد الخدري، عن النبي “ص” قال: تفترق أمتي فرقتين، فتمرق بينهما مارقة فيقتلها أولى الطائفتين بالحق. فإن الملحوظ في هذه الرواية مرحلة زمنية معينة، ولا تتحدث عن حال الأمة في مستقبلها السياسي والديني.
وعلى كل حال فلم يشكك أحد في حديث افتراق أمته “ص” إلى ثلاث وسبعين فرقة، وقد ادّعى ابن البطريق الإجماع من كافة أهل الإسلام على هذا الخبر عن النبي “ص”، وإن فسر الفرقة الناجية بالفرقة التي تمسكت بالثقلين عملاً بقوله “ص”: ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا. فصار التمسك بهما هو طريق النجاة، وترك التمسك بهما هو طريق الضلال.
وادّعى غير واحد تواتر هذا الحديث، مثل السيد نعمة الله الجزائري)([12]).
ومن كلامه هذا يظهر واضحاً أنه لا علة في سند الحديث شيعياً، وإن كان يبدو أيضاً متشككاً من دعوى إجماع نقل كافة الأمة له، وكذلك من تواتره، وهو تشكك مقبول حسب رأينا، فإننا لم نطلع على كافة نقول الأمة، فإن الطوائف الباقية في الأمة لا تعدو العُشر، هذا إن حسبناهم بالفِرَق، وإن حسبناهم أفراداً بَعُد الإجماع بما لا يمكن أن يقدّر، وهذا ينسحب على التواتر، فكيف يكون التواتر في رواية لم تتفق ألفاظها المنقولة، بل كثير منها متناقض.
ثم إن الكاتب بعد أن استقر عنده سلامة السند فإنه شرع في مناقشة المتن ودلالاته، حتى أنه نقل كلاماً يرفض صيغاً من ألفاظه، فقال:
(ولشدة الأثر الذي ترتب على هذا الحديث، كثر الوضع في بعض تفصيلاته وتفسيراته، نذكر على سبيل المثال، ما ذكره صاحب تذكرة الموضوعات: فقد نقل عن اللآلىء أن لا أصل لخبر: تفترق أمتي على سبعين أو إحدى وسبعين، كلهم في الجنة إلا فرقة واحدة. قالوا: يا رسول الله؛ من هم؟ قال: الزنادقة وهم القدرية.
ونقل عن المقاصد أنه لم ير: الزندقة مجوس هذه الأمة.
ونقل عن القزويني أن حديث: القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم. موضوع من حديث المصابيح، وكذا: صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب القدرية والمرجئة)([13]).
وقد ناقش الكاتب بعد ذلك كثيراً دلالات المتن، وهذا ما يقودنا إلى تقرير موقف لدى الشيعة هو أقرب إلى ما قررناه عن الإباضية، وهو أن المجال العلمي يسمح لديهم بمناقشة متن الرواية.

– عند أهل السنة:

ونجد رواية الفرقة الناجية في مرويات أهل السنة بعدة ألفاظ وطرق؛ نذكر على سبيل المثال الآتي:
– (عن أَنسِ بن مالكٍ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم: تَفتَرِقُ أُمَّتي على ثلاثٍ وسبعينَ فرقةً، كلهنَّ في النّارِ إِلاّ واحدةً. قالوا: وما تِلكَ الفرقَةُ؟ قال: ما أَنا عليهِ اليومَ وأَصحابي.
رواه الطبراني في الصغير، وفيه: عبدالله بن سفيان، قال العقيلي: لا يتابع على حديثه هذا، وقد ذكره ابن حبان في الثقات)([14]).
– (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة. فقالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي.
ولأبي داود من حديث معاوية، وابن ماجة من حديث أنس وعوف بن مالك؛ وهي الجماعة، وأسانيدها جياد)([15]).
– (وعن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: افْتَرَقَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ عَلى إِحْدَى وَسَبْعِيْنَ مِلَّةً، وَلَنْ تَذْهَبَ اللَّيَالِي والأيَّامُ حَتَّى تَفْتَرِقَ أُمَّتِي عَلَى مثلها.
رواه البزار، وفيه: موسى بن عبيدة الرَّبذي، وهو ضعيف)([16]).
– والظاهر أن رواية الفرقة الناجية عند بعض أهل السنة عليها مآخذ إسنادية بحتة، وهو ما نراه قد حدى بالبخاري ومسلم إلى عدم روايتها بألفاظ الافتراق إلى السبعين، بدليل وجود روايات أخرى لديهما في الموضوع لا تقلّ دلالتها عن هذه الرواية، ومنها:
رواية عند البخاري ومسلم: (حدَّثنا محمدُ بن المثنَّى حدثنا الوليدُ بن مسلم حدَّثنا ابنُ جابرٍ حدَّثني بُسرُ بن عُبَيداللهِ الحضرميُّ أنه سمعَ أبا إدريسَ الخولانيَّ أنه سمعَ حذيفةَ بن اليمان يقول: كان الناسُ يسألونَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنِ الخير، وكنتُ أسألُهُ عنِ الشرِّ مخافةَ أن يُدركَني، فقلتُ: يا رسول الله، إنا كنَّا في جاهليةٍ وشرّ؛ فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعدَ هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلتُ: وهل بعد ذلك الشرِّ من خير؟ قال: نعم وفيه دَخَن. قلتُ: وما دَخَنُه؟ قال: قومٌ يَهدونَ بغير هَدْيي، تَعرفُ منهم وتُنكر، قلتُ: فهل بعدَ ذلك الخير من شرّ؟ قال: نعم، دُعاةٌ على أبوابِ جهنمَ، مَن أجابهم إليها قَذَفوهُ فيها. قلتُ: يا رسول الله، صِفهم لنا، قال: هم من جِلدَتنا، ويتكلمون بألسنتنا، قلتُ: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تَلزمُ جماعة المسلمين وإِمامَهم، قلتُ: فإن لم يكن لهم جماعةٌ ولا إمامٌ؟ قال: فاعتزلْ تلكَ الفرَقَ كلَّها، ولو أن تَعضَّ بأصلِ شجرة حتى يُدركَكَ الموتُ وأنتَ على ذلك)([17]).
ورواية عند مسلم: (حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ وَهُوَ ابْنُ الْفَضْلِ الْحُدَّانِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ: تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ)([18]).
– هذه المعضلة الإسنادية في رواية الفرقة الناجية بألفاظ الافتراق إلى السبعين؛ التي حالت البخاري ومسلم عن روايتها حاول الحاكم أن يعالجها بتخريجها على شرطهما، وساقها في مستدركه على الصحيحين، فقد جاء فيه:
(أخبرنا أبو العباس قاسم بن القاسم السياري بمرو، ثنا أبو الموجه حدثنا أبو عمار، ثنا الفضل بن موسى بن محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله قال: افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَالنَّصارَى مِثْلَ ذلِكَ، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً.
هذا حديث كثر في الأصول، وقد روي عن سعد بن أبي وقاص وعبدالله بن عمرو وعوف بن مالك عن رسول الله مثله.
وقد احتج مسلم بمحمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، واتفقا (=البخاري ومسلم) جميعاً على الاحتجاج بالفضل بن موسى وهو ثقة)([19]).
– (عن عوفِ بنِ مالكٍ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم قال: تفترقُ أُمَّتي على بِضْعٍ وسبعينَ فِرْقَةً، أَعْظَمُها فِتْنَةٌ على أُمَّتي قومٌ يقيسُونَ الأمورَ برَأْيِهِمْ، فيُحِلُّونَ الحرامَ ويحرِّمونَ الحلالَ.
قلت: عند ابن ماجة طرف من أَوله.
رواه الطبراني في الكبير والبزار ورجاله رجال الصحيح) ([20]).
– (قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: افْتَرَقَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَلَنْ تَذْهَبَ اللَّيَالِي وَلاَ الأَيَّامُ حَتَّى تَفْتَرِقَ أُمَّتِي عَلَى مِثْلِهَا، وَكُلُّ فِرْقَةٍ مِنْهَا فِي النَّارِ إِلاَّ وَاحِدَةً وَهِيَ الْجَمَاعَةُ.
عبد بن حُميد عن سعد بن أَبِي وَقَّاص رضيَ اللهُ عنهُ)([21]).
– (حديث: افتراق الأمة: وفيه: الناجي منهم واحدة. قالوا: ومن هم؟ قال: أهل السنة والجماعة. فقيل: ومن أهل السنة والجماعة؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي.
أخرجه الترمذي من حديث عبدالله بن عمرو وحسنه)([22]).
– (تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، كلهم في الجنة إلا فرقة واحدة. قالوا: يا رسول الله؛ مَن هم؟. قال: الزنادقة وهم القدرية.
لا أصل له كذا في اللآلىء)([23]).
– حدثنا يوسف بن موسى قال: نا أحمد بن عبدالله بن يونس قال: نا أبو بكر بن عياش عن موسى بن عبيدة عن أخيه عبدالله بن عبيدة عن عائشة ابنة سعد عن أبيها قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين ملة، ولن تذهب الليالي والأيام حتى تفترق أمتي على مثلها).
وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن سعد إلا من هذا الوجه، ولا نعلم روى عبدالله بن عبيدة عن عائشة عن أبيها إلا هذا الحديث([24]).
هذه نماذج لألفاظ الرواية عند أهل السنة، وكما رأينا بعض التعليقات آنفاً فهي الرواية لديهم قابلة للنقاش سنداً ومتناً، ويحسن بنا هنا أن نذكر شيئاً من الأخذ والرد حول سندها.
= رأي يرى صحة الرواية، وهذا يظهر من مناقشة سليم بن عيد الهلالي:
(أ. المراد بحديث الفرقة الناجية: إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم في جملة مستفيضة من أحاديثه: أن أهل الكتابين من قبلنا اختلفوا على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وأن هذه الأمة ستختلف اتباعاً لسننهم في الافتراق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة.
ب. هذا الحديث مستفيض، فقد ورد من حديث أبي هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان، وأنس بن مالك، وعوف بن مالك الأشجعي، وأبي أمامة الباهلي، وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن عوف المزني، وعبدالله بن عمرو بن العاص، وأبي الدرداء، وواثلة بن الأسقع رضي الله عنهم.
ورواية هذا الجمع الذين يستحيل تواطؤهم على الكذب ترقى بالحديث إلى حد التواتر، أو ما هو قريب منه.
ت. أن كثيراً من هذه الأحاديث أسانيدها نظيفة؛ كحديث أبي هريرة، ومعاوية، وعوف بن مالك، وأبي أمامة وغيرهم.
ث. وعلى فرض أن أسانيد هذه الأحاديث في مفرداتها ضعف، فلا يشك من له أدنى خبرة بالصناعة الحديثية أن ضعفها ليس شديداً، وهي بذلك ترتقي إلى درجة الصحة والثبوت والاحتجاج.
ج. أن أئمة الصنعة الحديثية حكموا على حديث الفرقة الناجية بالثبوت ولم يختلفوا في تصحيحه، ودونك سرداً بأسمائهم ومواطن قولهم:
أولاً: حديث أبي هريرة رضي الله عنه:
قال الترمذي “2640”: حديث حسن صحيح. وقال الحاكم “1/128″: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي.
ثانياً: حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه:
قال الحاكم “1/128″: هذه أسانيد تقوم بها الحجة في تصحيح هذا الحديث. ووافقه الذهبي، قال الحافظ ابن حجر في «تخريج أحاديث الكشاف» “ص 63″: حسن.
ثالثاً: قال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» “3/345″: الحديث صحيح مشهور في السنن والمسانيد.
رابعاً: قال الشاطبي في «الاعتصام» “2/186″: صح من حديث أبي هريرة.
خامساً: قال الحافظ ابن كثير في تفسيره “2/482″: كما جاء في الحديث المروي في المسانيد والسنن من طرق يشد بعضها بعضاً: إن اليهود افترقت… الحديث، وقال “4/574″: كما جاء في الحديث المروي من طرق.
سادساً: وممن نص على ثبوته عبدالقاهر البغدادي في «الفَرْق بين الفِرَق» “ص 7″ فقال: للحديث الوارد على افتراق الأمة أسانيد كثيرة.
سابعاً: محدث العصر شيخنا الإمام الألباني في «الصحيحة» “204و205″ عقد بحثاً حديثياً نفيساً، وفند شبهات المخالفين.
كل هؤلاء الأعلام الفحول جزموا بصحة الحديث وثبوته، خلافاً لبعض المعاصرين الذين تكلموا في غير فنهم فأتوا بالعجائب.
ويمكن الجزم بتلقي أئمة الحديث لهذا الحديث بالقبول بطريقتين.
الأولى: كثرة أصحاب السنن والمسانيد والمعاجم وكتب التراجم والعقائد الذين رووه دون إنكار لمتنه.
الثانية: كثرة الكتب التي صنفت في الملل والنحل مثل «الملل والنحل» للشهرستاني، و«الفَرْق بين الفِرَق» للبغدادي، و«الفِصَل في الأهواء والملل والنِّحَل» لابن حزم، و«مقالات الإسلاميين» لأبي الحسن الأشعري وغيرهم)([25]).
= رأي يرى عدم صحة الرواية، وهذا يظهر من مناقشة حسن بن علي السقاف:
(إن نصَّ حديث الافتراق هو: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرَّقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة. رواه أحمد بن حنبل في مسنده “2/332″ وغيره.
وفي رواية ابن ماجة “3993” وأحمد وغيرهما: كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة.
وفي روايةٍ للطبراني: ما أنا عليه اليوم وأصحابي.
وقد روي هذا الحديث من عدة طرق كما بينته بإسهاب في كتابي «من فكر آل البيت صحيح شرح العقيدة الطحاوية» ص629–634، وأختصر ما ذكرته هناك في نقده على طريقة أهل السنة وحسب موازينهم الحديثية فأقول:

  1. رُوِيَ هذا الحديث عن أبي هريرة مرفوعاً وفي إسناده محمد بن عمرو بن علقمة وهو ضعيف، قال يحيى بن سعيد ومالك: ليس هو ممن تريد. وقال ابن حبان: يخطىء. وقال ابن معين: ما زال الناس يتقون حديثه. وقال ابن سعد: يُسْتَضْعَف.
  2. وروي عن معاوية مرفوعاً وفي السند أزهر بن عبدالله الهوزني “….” له طامات وويلات، قال الأزدي: يتكلّمون فيه. وأورده ابن الجارود في كتاب «الضعفاء».
  3. وروي عن أنس بن مالك من سبعة طرق كلها ضعيفة لا تخلو من كذاب أو وضاع أو مجهول. انظر كتابنا «صحيح شرح الطحاوية» حاشية 371 ص 629.

وروي عن عوف بن مالك مرفوعاً وفي سند روايته عباد بن يوسف وهو ضعيف، أورده الذهبي في ديوان الضعفاء برقم “2089”.

  1. وروي عن عبدالله بن عمرو بن العاصي مرفوعاً عند الترمذي في «السنن» “5/26″ وفي إسناده عبدالرحمن بن زياد الإفريقي وهو ضعيف.
  2. وروي عن أبي أمامة مرفوعاً عند ابن أبي عاصم في «السنة» “1/25″، وفي إسناده قطن بن نسير وهو ضعيف منكر الحديث.
  3. وروي عن ابن مسعود مرفوعاً عند ابن أبي عاصم في سنته، وفي سنده عقيل الجعدي، قال الحافظ ابن حجر في «لسان الميزان» “209/4″ قال البخاري: منكر الحديث.
  4. وروي عن سيدنا علي كرّم الله وجهه ممن رواه ابن أبي عاصم في كتابه «السنة» “2/467 برقم 995″، وفي إسناده ليث ابن أبي سُلَيم وهو ضعيف جداً، وحاله معروف عندهم، قال ابن حجر في التقريب برقم “5685”: اختلط جداً ولم يتميَّز حديثُه فَتُرِك)([26]).

وهكذا كما يظهر من النقاش؛ إن سند الرواية في حقل أهل السنة والجماعة غير متفق على صحته، وهذا يجعل نقاش متنها متقبلاً لديهم حسب تصوري، وهو ما حدث بالفعل لدى بعض محدثيهم كما هو الحال عند حسن السقاف، حيث أعقب تلك الدراسة السندية مناقشة للمتن ذهب فيها إلى عدم استقامة المتن، ونكتفي بهذا المختصر منها:
(إنَّ متن هذا الحديث مضطرب ففي بعض طرقه: ألا وإنَّ هذه الأمة ستتفرق على ثلاث وسبعين فرقة في الأهواء. رواه ابن أبي عاصم “69”.
وفي بعضهـا: فواحدة في الجنة واثنتان وسبعون في النار. رواه ابن أبي عاصم “63”.
وفي بعضها: لم ينج منها إلا ثلاث. رواه ابن عاصم “71”.
وفي بعضها: كلها في النار إلا السواد الأعظم، رواها ابن أبي عاصم “68”.
وفي بعضها كما عند ابن حبان “15/125″ قال: إنَّ اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى على مثل ذلك.
وتلاعب بعضهم في متن هذا الحديث أكثر، فذكر في آخــره: من أخبثها الشيعة. وبعضهم قال: شرهم الذين يقيسون الأمور بآرائهم. يشير إلى الحنفية أتباع الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وفي بعض رواياتهم التالفة: كلهم في الجنة إلا القدرية. وفي بعضها: إلا الزنادقة. وهكذا.
وكل ذلك كذب وافتراء على النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم)([27]).
ويحسن بنا هنا أن نشير إلى دراسة على هذه الرواية شبيه بدراسة حسن السقاف، إلا أنها متقدمة عنها زمناً([28])، خرجت بالنتيجة نفسها، حيث كشفت عن ضعف الرواية سندياً، وعدم استقامة متنها مع الأصول الكلية للشريعة، الدراسة جاءت بعنوان “التقريب بين المذاهب الإسلامية وعلم التوحيد” لعبدالمتعال الصعيدي، وقد نشرتها مجلة رسالة الإسلام([29])، التي كانت تصدر عن دار التقريب بين المذاهب الإسلامية بالقاهرة، ولهذه الدراسة ونتائجها حسب تقديري أهمية في هذا المجال، حيث يأتي على رأس دار التقريب حينذاك شيخ الأزهر عبدالمجيد سليم من المحيط السني، وآية الله محمد تقي القمي من المحيط الشيعي، وكانت المجلة مسرحاً لكبار الأقلام الفقهية في زمانها على مستوى المدرستين السنية والشيعية، ومن هؤلاء: شيخا الأزهر عبدالمجيد سليم ومحمود شلتوت ومحمد تقي القمي ومحمد حسين كاشف الغطاء ومحمد أبو زهرة وعبدالحسين شرف الدين العاملي ومحمد جواد مغنية ومحمد محمد المدني، وكان هذا الأخير رئيس تحرير المجلة([30]).
وهذا يعني موافقة ضمنية على قبول مناقشة الرواية سنداً ومتناً من قبل السنة والشيعة، وهما المكونان الأكبر للفرق الإسلامية المعاصرة.
هذا؛ ويعدّ مجمع الفقه الإسلامي واتحاد العالمي لعلماء المسلمين ومجامع التقريب بين المذاهب الإسلامية وكذلك مؤتمرات وندوات التقريب التي تشمل كبار علماء المذاهب الإسلامية قاطبة؛ إباضية وسنة وشيعة؛ تجاوزاً عملياً للمضامين التي شرّعتها رواية الفرقة الناجية بين فرق الأمة.
وبذلك نستطيع أن نقول: إن الرواية ليست أمراً مصمتاً لا يمكن فتحه، وأن دراسة متنها في ضوء معايير القرآن والسنة ومنطق الإيمان وحركة التأريخ ودلالة التشريع لم يعدّ –مذهبياً– مختوماً بختم التأثيم والتجريم، وخاصة بعد أن شارفت الأمة على الانتقال إلى مرحلة عدم الخوف على الشخصية المذهبية في صالح الهوية الإسلامية التي يُطمح أن يكون لها خط الريادة في رقعة العالم.

الرواية بين النقل والدلالة

وهذا يقودنا إلى التمييز بين صحة نقل الخبر –إن ثبتت– وبين دلالة الرواية، حيث تنحصر دلالتها كما هو واضح من تأصيل أصحاب الفرق على جهتين: الإنباء عن الغيب، والتشريع للتمايز بين الفرقة الناجية والفرق الهالكة.
فأما على جهة الإنباء بالغيب عن الافتراق فهذا يعني أن الأمة حتماً ستفترق، فهو أمر قد قدّر عليها سلفاً، وليس للأمة القدرة على سلوك طريق غيره، فهو قضاء إلهي ماضٍ في المسلمين، وهذا ما لا يمكن قطعاً قبوله، فقد وجدنا الله سبحانه وتعالى يحذّرنا من الاختلاف والتنازع في كثير من محكم تنزيله، ويدعونا إلى الاعتصام بعرى الوحدة والإتلاف، كقوله: ((وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)) الأنفال:46، وقوله: ((حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ)) آل عمران:152، وقوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)) النساء:59، وقوله: ((وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً)) آل عمران:103، وقوله: ((وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) الأنعام:153.
فكيف لنا أن نعمل بهذه التوجيات الربانية وقد قضي أمر الافتراق بين الأمة أزلاً؟ فهذا تكليف بمستحيل، أو وقوع في التناقض، وهذا لا يجوز حتماً صدورهما عن الله تعالى وتنزه عن كل نقص.
وكذلك يقال لمن يرى أن الرواية تلقتها الأمة بالقبول، فالتلقي شيء ودلالة الرواية على التشريع شيء آخر، فنحن نرفض هذه الدلالة كما رفضنا دلالة الإنباء عن الغيب.
والفرقة بين الأمة حاصلة؛ قائمة ومشاهدة، لا تحتاج إلى التصديق عليها بختم “تلقي الأمة الرواية بالقبول”، ولكن السؤال: هل تقبل الأمة أن تجعل من دلالة الرواية أمرَ الفرقة بين المسلمين محسوماً سلفاً من قبل الله تعالى، أو أن الرسول عليه الصلاة والسلام يشّرع للأمة التمايز بين الفرقة الناجية والفرق الهالكة، وأن تكون الأمة متعبدة بإقامة أسوار المفاصلة بين أتباعها إلى يوم الدين؟.
وإذ نفينا هذين الأمرين عن الله ورسوله لم يبق أمامنا إلا حمل الرواية –إن صحت في أصلها– على جهة استشراف المستقبل للتحذير من عاقبة الاختلاف الوخيمة، وإذا رفض هذا التوجيه الأخير فلا يبقى أمام صدور الرواية إلا أحد احتمالين:
– الأول: أنها صدرت منفصلة عن منطق الوجود وسننه، وهذا فاسد ساقط، إذ هو من العبث الذي يجلّ عنه عقلاء الناس فكيف بخاتم الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام أجمعين؟ كما أنه يخالف قانون السببية في الوجود، فلا يمكن لرسول الله أن ينطق بهذه الرواية من دون دافع ولا غاية.
– الثاني: أنها برمتها موضوعة منحولة على النبي عليه السلام من بعده، ولدت لحظة الفتنة بين المسلمين، وترعرت في لهيبها، وآتت أكلها المرّ على طول أعصر المسلمين حتى يومنا هذا، وهذا أمر جائز لا يمكن استبعاده كلية، بل هو حاصل في بعض ألفاظ الرواية، كما أنه حاصل في كثير من المعاني التي حملت عليها.
إلا أننا لازلنا نحتاط من قبول هذا الاحتمال بالنسبة لأصل الرواية، لاعتبارات موضوعية في صالح نظرية الاستشراف المستقبلي، وهذا ما سندلل عليه في المحاور التالية:

الرواية وحركة التاريخ

إن من دلائل عدم صدور الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم هي عدم خضوعها لمنطق التأريخ وحركته الواقعية، فإذا خالفت الرواية حركة التاريخ فإن ذلك مؤذن ببطلانها، كما أنها إذا انعكست عليها الوقائع المتأخرة عن عهد النبوة فإن ذلك يدل أيضاً على الصناعة المتأخرة لها.
ونحن لو رجعنا إلى أحداث التأريخ فلا أحد يمكنه أن ينكر الانشقاق الذي حصل في صف الأمة فمزق أوصالها إلى أشلاء، وفصم جسدها عزين، والرواية في بعض ألفاظها ليست أكثر من توصيف لهذا الواقع، ونحن لو غضضنا الطرف عن حرفية النص في تحديد عدد الفرق بالسبعين وما يقاربه، ونظرنا إليه على أنه غير مقصود لذاته، بل إشارة إلى كثرة الافتراق، لوجدنا فعلاً أن الأمة قد افترقت وذهبت طرائق قدداً، وباتت كل فرقة تلعن أختها في أحايين كثيرة وللأسف الشديد، هذا أمر شاخص في تأريخنا الإسلامي، والسؤال يبقى: هل الرواية انعكاس لهذا التأريخ، أو هي تستشرف حصوله؟ كلا الأمرين جائز عقلاً وواقعاً.
فإذا كان الواقع يمكن أن ينعكس على رواية (افْتَرَقَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ عَلى إِحْدَى وَسَبْعِيْنَ مِلَّةً، وَلَنْ تَذْهَبَ اللَّيَالِي والأيَّامُ حَتَّى تَفْتَرِقَ أُمَّتِي عَلَى مثلها)، كما أنه لا يستبعد من النبي عليه السلام وهو من أوتي الحكمة أن يستشرف واقع المسلمين الذي يمكن أن يحصل لهم فينبههم عليه، فإننا لا يمكن أن نعدّ رواية (افْتَرَقَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَلَنْ تَذْهَبَ اللَّيَالِي وَلاَ الأَيَّامُ حَتَّى تَفْتَرِقَ أُمَّتِي عَلَى مِثْلِهَا، وَكُلُّ فِرْقَةٍ مِنْهَا فِي النَّارِ إِلاَّ وَاحِدَةً وَهِيَ الْجَمَاعَةُ) إلا انعكاساً للوضع الذي آلت إليه الأمة من إعلاء شأن تيار السلطة الذي دعا إلى نفسه باسم الجماعة.
وهذا التنصيص ليس من الشرط أن يكون انعكاساً سياسياً خالصاً كما في الرواية السابقة، بل قد يكون تنصيصاً عقدياً فقهياً، وهذا ما نراه بوضوح في رواية (افتراق الأمة، وفيه: الناجي منهم واحدة. قالوا: ومن هم؟ قال: أهل السنة والجماعة. فقيل: ومن أهل السنة والجماعة؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي)، وفي رواية (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة. فقالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي)، وهو وضوح يغنينا عن التفصيل، ويقودنا إلى تقرير أن عبارة (ما عليه أنا وأصحابي) ما هي إلا درجة في سلّم التأصيل المذهبي.
أو هو تنصيص يظهر في حمأة السجال القتالي بين الأفراق، حيث جاء (تفترق أمتي فرقتين، فتمرق بينهما مارقة، فيقتلها أولى الطائفتين بالحق)([31]).
وربما تعدى الأمر إلى مناطق فكرية محضة كما ورد في رواية (تُفْتَرِقُ أُمَّتي على بِضْعٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، أَعْظَمُها فِتْنَةً على أُمَّتِي قَوْمٌ يقيسونَ الأُمورَ بَرَأْيِهِمْ، فَيُحلّونَ الْحرامَ وَيُحَرِّمونَ الْحلالَ).
لا يمكن أن تعدّ هذه النماذج من الروايات إلا من باب الانعكاس التأريخي، وهو تسجيل دقيق لما حصل بين المسلمين من تنازع، وليس في ذات التسجيل أي مشكلة، لكن تكمن المشكلة في تحويل الرواية إلى سيف يضرب به بعضنا رقاب بعض.
وتبقى الرواية ذات الألفاظ المجردة من الانعكاس التأريخي البيّن ذات قابلية للمناقشة العلمية الموضوعية، هل هي من قبيل هذا الانعكاس أو هي استشراف يتوقع المستقبل؟ فرواية (قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفَرَّقَتِ الْنَّصَارَى عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفَرَّقَتِ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً) وأمثالها؛ يمكن قبولها في السياق التأريخي حيث إن الواقع يقرّ فعلاً بحدوث هذه الانشقاقات في الأمم.

الرواية والقرآن الكريم

إن كان القرآن الكريم –وهو تنزيل من علام الغيوب– لم يتعرض بالتفصيل لغيب المستقبل الدنيوي؛ ونقصد به حركة الناس في واقع الحياة الدنيا، فإن الروايات المرفوعة إلى الرسول يجب أن تقرأ على هذا الأساس، كيف وهو عليه السلام لا يعلم الغيب تماماً كغيره من البشر، فقد أكدّ الله في كثير من مواضع الكتاب العزيز أنه لا يعلم أحد من الخلق الغيب إلا إن كان تبليغاً عن طريق الوحي الإلهي قال تعالى: ((وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)) الأنعام:59، وقال: ((قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)) النمل:65.
بل الله بيّن في كتابه أنه لم يُطْلِع نبيه والمؤمنين على أحوالهم حتى لا تحصل المفاصلة بينهم وبين المنافقين، وإنما استأثر بذلك في غيبه، حيث قال سبحانه: ((مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ)) آل عمران:179، وهذا فعلاً يجعلنا نتساءل: هل يمكن أن يعمد الرسول إلى تقسيم الأمة بين هالك وناج بدعوى علمه عليه السلام الغيب من قبل الله تعالى؟.
وفي نظرنا لا يمكن أن يحتج على معرفة الرسول الغيب من دلالة قوله تعالى: ((عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً، إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً)) الجـن:26–27.
لأن؛ أولاً؛ المقصود هنا بالغيب الوحي، وبالرسول الملك الذي يحمل هذا الوحي، فيحميه الله بالرصد حتى لا يُطّلع عليه من قبل شياطين الجن أو غيرهم؛ حتى يصل كما هو إلى مقصده، بدليل قوله تعالى بعد ذلك: ((لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً)) الجـن:28.
ولأنه تعالى أمر نبيه الكريم أن يبيّن للناس أنه لا يعلم إلا اتباع ما يوحي إليه؛ وهو حتماً القرآن العظيم، قال تعالى: ((قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ)) الأنعام:50، وأما ما يحدث لغيره؛ بل لنفسه فإنه عليه السلام لا يعلمه وإنما الله تعالى استأثر بعلمه، فقال: ((قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) الأعراف:188.
ولا يقال: إن ما يخبر به عليه السلام من غيب أحداث الدنيا المستقبلية هو من وحي الله تعالى وإنما رسول الله مبلغ عن ربه، وذلك لأن القرآن –كما قلنا– لم يتطرق إلى ذلك فيما يتعلق بأمور الدنيا، فكل الإشارات الغيبية المستقبلية هي عمومات كلية، وحتى عندما تعرض القرآن لحدث مستقبلي دنيوي وقع عن كثب لم يتحدث عن تفاصيله، وهذا ما وقع في إنباء الله عن انتصار المسلمين تزامناً مع انتصار الروم على الفرس في سورة الروم، وهذا مثال يكاد يكون وحيداً بهذه الكيفية، قال تعالى: ((الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ للهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ)) الروم:4.
إن كان القرآن نفسه لم يسلك مسلك التفصيل فإن النبي عليه السلام كان خلقه وشرعته القرآن، وبذلك فإن أي رواية تفصّل في أمر الغيب المستقبلي لابد أن تخضع لهذا القانون القرآني، وروايات افتراق الأمة ومنها رواية الفرقة الناجية في كثير من ألفاظها تخرم هذا القانون، ومما يدخل في ذلك رواية (عن أبي عبدالله الشامي قال: سمعت معاوية يخطب يقول: يا أهل الشام حدَّثني الأنصاري قال: قال شعبة: يعني زيد بن أرقم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، وأني لأرجو أن تكونوا هم يا أهل الشام)([32]).
ومثلها: (وعن مرة البهزي: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلى الحَقِّ ظَاهِرِيْنَ عَلى مَنْ نَاوَأَهُمْ، وَهُمْ كَالإنَاءِ بَيْنَ الأكَلَةِ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ الله وَهُمْ كَذَلكَ. قلنا: يا رسول الله؛ وأين هم؟. قال: أكْنَافِ بَيْتِ المَقْدِسِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلى الْحَق ظَاهِرِينَ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلى الشَّامِ)([33]).
ونحن لو استحضرنا رواية (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلهن إلى النار ما خلا واحدة ناجية، وكلهم يدّعي تلك الواحدة) نجدها تسلم نوعاً ما من ذلك الإغراق في التفصيل، كالتنصيص على سلامة فرقة محددة بعينها، ولذلك يمكن استساغة صدورها عن النبي عليه السلام هذا فيما لو اعتبرنا العدد غير مقصود لذاته، اسئتناساً بألفاظ بعض الروايات الأخرى الوارد فيها (بضع وسبعين فرقة)، وأن النجاة لا تتحدد بفرقة مذهبية بعينها، وإنما هو مطلق النجاة لمن آمن بالله وعمل صالحاً من جميع فرق المسلمين، وبمنطق القرآن الكريم لا يعني وجود شخص في بيئة معينة أنه هالك أو ناج، بل الأمر خاضع لإيمانه وعمله ولو وجد في بيئة مغايرة، فابن النبي نوح –مع أنه قد حسبه أبوه نوح عليه السلام أنه من أهله– وصفه الله بأنه ليس من أهله وأنه عمل غير صالح وهلك مع الهالكين قال تعالى: ((وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)) هود:45–46، بينما برأ سبحانه امرأة فرعون من الكفر وأدخلها في زمرة المؤمنين، قال تعالى: ((وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) التحريم:11.
ومعرفة افتراق بني إسرائيل ليس شأناً نبوياً خاصاً لا يمكن الوصول إليه من قبل بقية الناس، بل هو شأن متاح لهم جميعاً بحكم الواقع القائم بين بني إسرائيل من جهة، وبحكم نص القرآن على ذلك من جهة أخرى، فلا يجوز أن تحمل هذه الرواية على أنها من معالم نبوته عليه السلام؛ حتى وإن حملنا صدورها عليه، وإنما معلم نبوته الذي لا يطمس صواه مدى الدهر هو القرآن الكريم الذي قال الله فيه عن هذه الفرقة: ((وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)) الأعراف:168، إلا أن هذه الأمم لم تصل إلى السبعين، بل هي اثنتا عشرة أمة([34])، ولم يكن تقطّع بني إسرائيل بعد موسى بل قبله حيث قال تعالى: ((وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)) الأعراف:160، فأين نضع رواية افتراق بني إسرائيل إلى الإحدى والسبعين أو الاثنتين والسبعين قبالة هذه الآيات البيّنات؟.
هذا تساؤل مشروع وإن كان لا يستلزم رد الرواية، إذ قد يقال: إن هذا افتراقهم العرقي قبل النبي موسى، ومقصد الرواية هو الافتراق الديني بعده عليه السلام، ولكن مع ذلك يظل السؤال قائماً ومنطقياً: كيف يذكر القرآن هذا التقطع العرقي، مع أننا لو تتبعنا منطق القرآن فإنه يولي العناية قضايا الدين دون العرق، فكان من باب أولى ذكر الافتراق الديني فيه لو كان مقصوداً ذكره؟.

الرواية والإيمان بالغيب

إن المرتكز الأساس في الإسلام هو الإيمان بالغيب، فهو ما تقوم عليه كافة الأعمال بعد ذلك، قال الله تعالى في مطلع كتابه العزيز رابطاً بين بالإيمان بالغيب وبين الصلاة والإنفاق: ((ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)) البقرة:2–3، وقال: ((وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ)) فاطر:18.
وجعل سبحانه التقيّد بالمناسك العملية دليلاً على الإيمان بالغيب فقال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) المائدة:94.
وحصر جلَّ شأنه الاستفادة من الإنذار فيمن يخشاه بالغيب فقال: ((إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ)) يّـس:11، وجاء الربط واضحاً بين الإيمان بالغيب وإقامة مصالح الناس وتطبيق العدل في قوله تعالى: ((لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)) الحديد:25.
والذين يؤمنون بالغيب وحدهم من يخشى اليوم الآخر فلا يعصون الله لأنهم سيجدون وزر ما عملوا، قال جلَّ شأنه: ((الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ)) الأنبياء:49، ولذلك يكافئهم الله بالمغفرة والأجر الكبير فقال سبحانه: ((إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ)) الملك:12.
وجملة الأمر فإن الله يخطاب في كتابه العزيز عباده المستجيبين له بصفة الإيمان، نحو قوله: ((يا أيها الذين آمنوا))، والإيمان هو تصديق غيبي.
إذا علمنا هذه المقدمة وجب علينا أن نحتاط غاية الحيطة في أخذ الغيب، ولذلك اشترط جمهور الأمة في قبوله أعلى درجات النقل والدلالة، فقالوا: إن الغيب –وهو ما يعبّرون عنه بالعلم– لابد له من التواتر في النقل والإحكام في الدلالة، وإن الظن لا يوجب العلم.
والإفادة اليقينية لا تحصل إلا بتواتر اللفظ ذاته، فلو اجتمعت عدة طرق آحادية على نقل معاني خبر ما بألفاظ مختلفة فإنه لا يرقى إلى اليقين، وإنما يظل متلجلجاً في دائرة الظن.
وعندما نأتي إلى رواية “الفرقة الناجية” فإننا لو سلّمنا بصحة طرقها سندياً عن الرسول صلى الله عليه وسلم فإن تلك الطرق لا تصل إلى التواتر، بل ولا تقترب منه، هذا فضلاً عن اختلاف متونها حتى وصل الأمر إلى قلب المعنى تماماً كما في رواية (تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة كلهم في الجنة إلا فرقة واحدة)، وهذه الرواية الأخيرة وإن وصفت بأنها لا أصل لها من حيث السند مقارنة برواية (كلها في النار إلا واحدة)، إلا أنها وبكل تأكيد تعكس أزمة الرواية، وتدل بما لا تدع مجالاً للشك على أن رواية الفرقة الناجية إن صح صدورها عن النبي عليه السلام فإنها قد تعرضت لكثير من الخلخلة والبتر والاستغلال، مما يخرجها بعيداً عن نطاق الاعتماد عليها في مجال الغيب الذي يحتاج إلى درجة عالية من الثقة في النقل، وإلا لوقعنا فيما حذر الله منه وهو اتباع الظن، قال تعالى: ((وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلا ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ)) يونس:36.
وقد عاب الله على المشركين اتباعهم الظن رغم تشبثهم بأصل ديني وهو المشيئة الإلهية، ولكن لأنهم فهموها خطأ حسب ظنونهم التي ليس لها حجة من العلم فقد انتقدهم الله على ذلك فقال: ((سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ)) الأنعام:148، ولم ينفع أهل الكتاب نقلهم الروائي جيلاً بعد جيل في اعتقادهم قتل المسيح عليه السلام وصلبه، وعدّه معتقداً فاسداً لأنه منبن على الظن دون وجود حجة علمية، قال تعالى: ((وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً)) النساء:157.
وبناءً على ذلك لا يمكن أن نعتمد رواية الفرقة الناجية في إثبات الغيب المستقبلي مهما كانت طرقها، والذي بنت عليه المذاهب جميعها أصل نجاتها وهلاك الآخرين، فلو فرضنا جدلاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم أنبأه الله بغيب مستقبلي دنيوي فإنه لا يمكن أن نثق بوصوله إلينا كما أنبأه تعالى إياه إلا بطريق متواتر –بدرجة القرآن الكريم– يضمن عدم الرواية بالمعنى وعدم الوهم والتدليس والزيادة والنقصان من الرواة، وهذا ما لا يتوفر في الروايات اللفظية قاطبة حسب اطلاعي.
وحتى مع الافتراض الجدلي بتواتر رواية الفرقة الناجية؛ فإن ثبوت الخبر يختلف عن دلالته، فالأمة مختلفة بحسب الواقع سواء تواتر الخبر بذلك، أو لم يأت الخبر أصلاً، لكن لا يمكن أن نعدّ الرواية من قبيل الإنباء بالغيب، لأن ذلك يلزم التناقض على الله تعالى، وهذا محال قطعاً، وقد بيّنت هذه القضية في محور “الرواية بين النقل والدلالة”.

الرواية والسنة النبوية

السنة النبوية لدينا تختلف عن الرواية، فالسنة هي الفعل –عملاً وقولاً ونهياً– الذي دأب الرسول صلى الله عليه وسلم على فعله على جهة التشريع، فشاهده أصحابه الكرام أو سمعوه منه، كلهم أو معظمهم، ثم فشى بين الناس وتناقلوه حتى وصل إلينا، وعلى هذا فالسنة النبوية ليست محتكرة في مذهب دون آخر، بل هي متفق عليها موجودة بين المسلمين بمختلف مشاربهم.
والسنة منها ما هو فرض عيني كالصلوات الواجبة وأوقاتها وهيئاتها، ومنها ما هو فرض كفائي كتكفين الميت والصلاة عليه ودفنه، ومنها ما هو مندوب إليه تأكيداً كصلاة العيدين، ومنها ما هو محرم كالجمع بين المرأة وعمتها أو المرأة وخالتها، وهكذا، هذا من العمل، أما من القول فكحديثه عليه السلام: (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).
وهذه سنن قد وصلت إلى جميع الناس فلم يختلفوا فيها، وعلى ذلك نقرر بأنه لا توجد سنة شيعية وأخرى إباضية وثالثة سنية (=نسبة إلى أهل السنة والجماعة)، بل هي سنة واحدة صادرة عن النبي الكريم وواردة إلى جميع المسلمين.
وأما الرواية فهي كل ما رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد تولى الرواة نقله، وطالما أن الرواة هم في الحقيقة أتباع مذاهب فإنهم ينقلون الخبر وهم محملون بآرائهم ومعتقداتهم وتصوراتهم، ولذلك تلونت الرواية بلون المذهب الذي ينتمي إليه الراوي.
ولذلك فإنه ينبغي أن تقرأ الروايات وفق دلالات خارجية حيادية بعيدة عن شخص الراوي ومذهبه.
ونحن نقول هذا فإنه لا يعني أن الرواية غير مقبولة على إطلاقها، بل هي في أحايين كثيرة تعبر عن مضامين السنة النبوية، أو بعضٍ منها، وهذا موضوع يطول، لسنا هنا بصدد شرحه، وإنما أتينا بهذه الخلاصة المكثفة لنلج منها إلى موضوعنا وهو رواية الفرقة الناجية.
ألفاظ رواية الفرقة الناجية وإن كانت في مجملها متفقة على تقرير افتراق الأمة لكن لا يمكن أن ندرجها في باب السنن لأمور منها:

  1. الغيب لا يتقرر بالرواية، لأنها لم تصل –أي رواية لفظية– على حدِّ علمنا درجة التواتر، وهذا لا يعني أن الروايات الآحاد لم تتعرض لمسائل الغيب، بل تعرضت ولا يؤخذ منها إلا ما كان وارداً في كتاب الله، فحجة القرآن الكريم من جهتين: علمية ذاتية حيث قام إعجازه بين الخلق إلى قيام الساعة، وموضوعية خارجية حيث نقل إلينا بالتواتر المفيد لليقين.
  2. اختلفت ألفاظها اختلافاً بيّناً، إلى درجة يستحيل الجمع بينها، فكيف يمكن لها أن تبني سنة ماضية بين الخلق، ونكتفي هنا نموذجاً بما يخص العدد كنحو:

– من 73 إلى 79 فرقة: (تُفْتَرِقُ أُمَّتي على بِضْعٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً أَعْظَمُها فِتْنَةً….).
– 73 فرقة: (تَفْتَرِقُ عَلى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي الْهَاوِيَةِ إِلاَّ وَاحِدَةً هِيَ النَّاجِيَةُ).
– 72 فرقة: (وإنكم تكونون على ثنتين وسبعين فرقة، كلها ضالة إلا الإسلام وجماعتهم)([35]).
– بين 71 و73 فرقة: (وَأُمَّتِي أَيْضاً سَتَـتَفَرَّقُ مِثْلَهُمْ، أَوْ يَزِيدُونَ وَاحِدَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلاَّ وَاحِدَةٌ)([36]).
– 71 فرقة: (افْتَرَقَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ عَلى إِحْدَى وَسَبْعِيْنَ مِلَّةً، وَلَنْ تَذْهَبَ اللَّيَالِي، والأيَّامُ حَتَّى تَفْتَرِقَ أُمَّتِي عَلَى مثلها).
– 12 فرقة: (وَتَفْتَرِقُ فِي اثْنَتَي عَشْرَةَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي الْهَاوِيَةِ إِلاَّ وَاحِدَةً هِيَ النَّاجِيَةُ)([37]).
– 3 فرق: (تفترق أمتي ثلاث فرق).
– فرقتان، على اعتبار أن الناجين كلهم فرقة واحدة، إذ لا يضر افتراقهم شيئاً طالما أنهم جميعاً على الحق الذي يوصلهم إلى الجنة، ولأنهم لا يتقاطعون ولا يتدابرون في الدنيا: (تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، كلهم في الجنة إلا فرقة واحدة).

  1. اصطبغت بعض الروايات الواردة في الافتراق بالصبغة المذهبية، فمع فرض صدور أصلها عن مقام النبي الأعظم فإنها لم تعد تعبّر عن النص النبوي الخالص، بل ولا حتى عن مضمونه، وإليكم بعض النماذج دون الحاجة إلى الكثير من البيان والتعليق:

– (وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلها في النار غير واحدة. قيل: وما تلك الواحدة؟. قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي)([38])، وذلك لأن الله في كتابه يوجهنا نحو أتباعه وأتباع نبيه، ولا يستقيم أن يؤمر النبي باتباع أصحابه، وقد اختلفوا فيما بينهم حتى تقاتلوا، فكأنما هو عليه السلام يشرّع أسس الاختلاف بنفسه، لأن ما من مذهب إلا وهو متبع في عمومه الصحابة.
– (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً. وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَثِنْـتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَنْ هُمْ؟ قَالَ: الْجَمَاعَةُ)، وهذا تأسيس لمذاهب الجماعة على حساب مذاهب المعارضة.
– (عن أبـي غالبٍ قالَ: كنتُ بالشامِ، فَبَعَثَ الـمُهَلَّبُ ستـينَ رأساً من الـخوراجِ فَنُصِبُوا علـى دَرَجٍ دِمَشْقَ، وكنتُ علـى ظَهْرِ بـيتٍ لِـي إِذْ مَرَّ أبو أُمَامَةَ، فَنَزَلْتُ فاتَّبَعْتُهُ، فَلَّـمَا وَقَفَ عَلَـيْهِمْ دَمَعَتْ عيناهُ، وقالَ: سُبْحَانَ الله ما يَصْنَعُ الشيطانُ بِبَنِـي آدَمَ، ثلاثاً، كِلاَبُ جَهَنَّـمَ، كِلاَبُ جَهَنَّـمَ، شَرُّ قَتْلَـى تـحتَ ظِلِّ السماءِ، ثلاثَ مراتٍ، خَيْرُ قَتْلَـى مَنْ قَتَلُوهُ، طُوْبَى لِـمَنْ قَتَلَهُمْ أَوْ قَتَلُوهُ، ثم الْتَفَتَ إِلـيَّ فقالَ: يا أبا غالبٍ أَعَاذَكَ الله مِنْهُمْ، قلتُ: رَأَيْتُكَ بَكَيْتَ حينَ رَأَيْتَهُمْ، قالَ: بَكَيْتُ رَحْمَةً، رَأَيْتُهُمْ كانُوا من أهلِ الإِسلامِ، هَلْ تَقْرَأُ سورةَ آلِ عِمْرَانَ، قلتُ: نَعَمْ فَقَرأَ ((هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَـيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُـحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ))، حَتَّـى بَلَغَ ((وَمَا يَعْلَـمُ تأْوِيلَهُ إِلاَّ الله)) وَإِنَّ هؤلاءِ كانَ فـي قُلُوبِهِمْ زَيْعٌ وزِيغَ بِهِمَ، ثم قَرَأَ ((وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا)) إلـى قولِهِ ((فَفِـي رَحْمَةِ الله هُمْ فِـيْهَا خَالِدُونَ)) قلتُ: هُمْ هَؤُلاَءِ يَا أَبَا أُمَامَةَ. قالَ: نَعَمْ. قلتُ: مِنْ قِبَلِكَ تقولُ أو شيءٌ سَمِعْتَهُ من رَسُولِ الله صَلَّـى الله عَلَـيْهِ وَسَلَّـمَ، قالَ: إِنِّـي إِذاً لَـجَرِىءٌ، بَلْ سَمِعْتُهُ لا مرةً وَلاَ مرتـينِ حَتَّـى عدَّ سبعاً.
ثم قالَ: إِنَّ بَنِـي إسرائيلَ تَفَرَّقُوا علـى إِحْدَى وسبعينَ فِرْقةً، وَإِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تزيدُ عَلَـيْهِمْ فِرْقةً، كُلُّهَا فـي النارِ إلا السوادَ الأعظمَ، قلتُ: يَا أَبَا أُمَامَةَ، أَلاَ تَرَى ما يفعلونَ؟، وقالَ: عَلَـيْهِمْ مَا حَمَلُوا وَعَلَـيْكُمْ مَا حَمَلْتُـمْ)([39]).
وواضح هنا أن المقصودين بالهلاك على وجه الخصوص هم فرق المحكمة (=المعروفين بالخوارج) الذين أدموا السلطة الحاكمة، وأن المقصودين بالنجاة هم أولئك المنضوون تحت لواء السلطة، ولو فعلوا ما ينكره الشرع، وقد عرّفتهم الرواية بالسواد الأعظم.
– (عَنْ يحيى بن عبداللهِ بن الْحَسن عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَخْطُبُ،… فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنَا عَنْ أَحَادِيثِ الْبِدَعِ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: إِنَّ أَحَادِيثَ سَتَظْهَرُ مِنْ بَعْدِي، حَتَّى يَقُولُ قَائِلُهُمْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ. وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ. كُلُّ ذلِكَ افْتِرَاءٌ عَلَيَّ، وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَق لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتي عَلى أَصْلِ دِينِهَا وَجَمَاعَتِهَا عَلى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا ضَالَّةً مُضِلَّةٌ تَدْعُو إِلى النَّارِ، فَإِذَا كَانَ ذلِكَ فَعَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّ فِيهِ نَبَأُ مَا كَانَ قَبْلَكُمْ، وَنَبَأُ مَا يَأْتِي بَعْدَكُمْ، وَالْحُكْمُ فِيهِ بَيّنٌ، مَنْ خَالَفَهُ مِنَ الْجَبَابِرَةِ قَصَمَهُ اللهُ، وَمَنِ ابْتَغى الْعِلْمَ فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللهُ، فَهُوَ حَبْلُ اللهِ المَتِينُ، وَنُورُهُ المُبِينُ)([40]).
الرواية هنا مقصود بها التحذير من الفرق المشتغلة بجمع الحديث النبوي، ويأتي أصحاب الحديث من أهل السنة في مقدمة المعنيين هنا.
– (تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، كلهم في الجنة إلا فرقة واحدة. قالوا: يا رسول الله؛ مَن هم؟ قال: الزنادقة وهم القدرية).
والظاهر أن الرواية تحركت هنا بعنف صوب المعتزلة الذين عرفوا تأريخياً أيضاً بالقدرية، حيث جعلت كل الأمة ناجية ما عداهم.
– (عن عَلِيَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: تَفْتَرِقُ هذِهِ الأُمَّةُ عَلى ثَلاَث وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، شَرُّهَا فِرْقَةٌ تَنْتَحِلُنَا وَتُفَارِقُ أَمْرَنَا)([41]).
و(عن عَلِيَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: تَفَرَّقَتِ الْيَهُودُ على إحدى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَالنَّصَارَى عَلى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَأَنْتُمْ عَلى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَإِنَّ مِنْ أَضَلهَا وَأَخْبَثِهَا مَنْ يَتَشَيَّعُ، أَو الشيعَةَ)([42]).
ولا نحتاج إلى كثير من التأمل لنعرف أن المعني بالهلاك هنا هم الشيعة الإمامية، وقد جاءت الرواية على لسان الإمام علي دون الرسول عليه السلام حتى لا تنصرف الفرقة الناجية إلى الشيعة، ولأن حديث الإمام علي في الضمير الشيعي الإمامي حديث مؤسِّس للتشريع.
– (تفترق أمتي ثلاث فرق: فرقة على الحق يحبوني ويحبون أهل بيتي، مثلهم كمثل الذهب الجيد كلما أدخلته النار فأوقدت عليه لم يزده إلا جودة. وفرقة على الباطل لا ينقص الحق منه شيئاً، يبغضوني ويبغضون أهل بيتي، مثلهم مثل الحديد كلما أدخلته النار فأوقدت عليه لم يزده إلا شراً. وفرقة مدهدهة على ملة السامر، لا يقولون: لا مساس. لكنهم يقولون: لا قتال، إمامهم عبدالله بن قيس الأشعري)([43]).
و(عن أبي عقيل قال: كنا عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه فقال: لتفترقن هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، والذي نفسي بيده أن الفرق كلها ضالة إلا من اتبعني وكان من شيعتي)([44]).
وبيّن أن هاتين الروايتين جاءت متضادة مع الروايتين السابقتين.

  1. اختلاف الموارد التي صدرت بشأنها الرواية، وهذا يدلنا على أنها تعرضت بكثافة لحراك المسلمين الاجتماعي، وليست أمراً متعالياً عن وضعيتهم صادراً بتجرد عن مقام النبي عليه السلام:

– التنفير من تقليد أهل الكتاب:

(سيأتي على أمتي ما أتى على بني إسرائيل مثلاً بمثل، حذوالنعل بالنعل، حتى لو كان فيهم من نكح أمه علانية كان في أمتي مثله، إن بني إسرائيل تفرقوا على اثنتين وسبعين ملة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة)([45])، وعلى القارئ أن يلاحظ هنا التعبير بالملة وليس بالفرقة، لتوحي الرواية بأن النشأة في أصلها لم تكن متعلقة بما يحدث بين المسلمين، وإنما في الفوارق البينية التي بين المسلمين وبني إسرائيل.
– التنديد بالتحكيم الذي وقع بين المسلمين عقب معركة صفين:
(إِنَّ بَني إِسْرَائِيلَ اخْتَلَفُوا، فَلَمْ يَزَلْ اخْتِلاَفُهُمْ بَيْنَهُمْ حَتَّى بَعَثُوا حَكَمَيْنِ فَضَلاَّ وَأَضَلاَّ مَنِ اتَّبَعَهُمَا، وَإِنَّ هذِهِ الأُمَّةُ سَتَخْتَلِفُ، فَلاَ يَزَالُ الاخْتِلاَفُ بَيْنَهُمْ حَتَّى يَبْعَثُوا حَكَمَيْنِ ضَلاَّ وَأَضَلاَّ مَنِ اتَّبَعَهُمَا)([46]).
– الدعاية السياسية المضادة لحكم بني أمية القائم حينذاك بالشام، وما صاحبه من تغيرات اجتماعية فرضها اتساع الدولة وطريقة ممارسة الحكم:
(عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أنت يا عوف إذا افترقت هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة، وسائرهن في النار؟ قلت: ومتى ذاك يا رسول الله؟ قال: إذا كثرت الشرط، وملكت الإماء، وقعدت الحملان على المنابر، واتخذوا القرآن مزامير، وزخرفت المساجد، ورفعت المنابر، واتخذ الفيء دولاً، والزكاة مغرماً، والأمانة مغنماً، وتفقه في الدين لغير الله، وأطاع الرجل امرأته، وعق أمه، وأقصى أباه، ولعن آخر هذه الأمة أولها، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل اتقاء شره، فيومئذ يكون ذلك، ويفزع الناس يومئذ إلى الشام، تعصمهم من عدوهم. قلت: وهل يفتح الشام؟ قال: نعم وشيكاً، ثم تقع الفتن بعد فتحها، ثم تجيء فتنة غبراء مظلمة، ثم يتبع الفتن بعضها بعضاً، حتى يخرج رجل من أهل بيتي يقال له: المهدي. فإن أدركته فاتبعه وكن من المهتدين)([47]).
– معالجة مشكلة التكفير والغلو في الدين المنتشرة حينذاك بين المسلمين حتى وصلت إلى التقاتل بين الفرق بعضها البعض، وكذلك بين السلطة والمعارضة:
(عن أَبي الدرداءِ وأَبي أُمامةَ وواثلةَ بنِ الأسقعِ وأَنسِ بنِ مالكٍ قالوا: خرجَ علينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم يَوْماً ونحنُ نتَمارى في شيءٍ مِنْ أَمْرِ الدينِ، فغضِبَ غَضَباً شَديداً لم يغضَبْ مِثْلَهُ ثمَّ انتَهرَنَا، فقال: مهلاً يا أُمةَ محمدٍ، إِنما هلكَ مَنْ كانَ قبلَكمُ بِهَذا، ذَرُوا المِراءَ لقلَّةِ خيرِهِ، ذَرُوا المِراءَ فإنَّ المؤمِنَ لا يُمارِي، ذرُوا المِراءَ فإنَّ الممارِي قَدْ تَمَّتْ خسَارتهُ، ذَرُوا المراءَ فكفَى إِثْماً أَنْ لا تزالَ مُمارِياً، ذَروا المِراءَ فإنَّ الممارِي لا أَشفعُ لَهُ يومَ القيامَةِ، ذروا المِراءَ أنا زعيمٌ بثلاثةِ أَبياتٍ في الجنةِ في رُبَاضِها وأَوْسطِها وأَعْلاَها لمَنْ تركَ المِراءَ وهو صادِقٌ، ذَروا المِراءَ فإنَّ أَوَّلَ ما نهاني عنهُ ربي بعدَ عبادةِ الأوثانِ وشرب الخمر، ذروا المراءَ فإنَّ الشيطانَ قد يئسَ أَن يعبدَ، ولكنه قد رضيَ منكم بالتحريشِ؛ وهو المرائي، ذروا المراءَ فإنَّ بني إِسرائيلَ افترَقُوا على إِحدى وسبعينَ فِرقةً، والنَّصارى على ثِنْتينِ وسبعينَ فرقَة، كلُّهُمْ على الضَّلالةِ إِلاّ السَّوادَ الأعظَم. قالوا: يا رسولَ الله؛ ما السَّوادُ الأعظمُ؟ قال: مَنْ كانَ على ما أَنا عليهِ وأَصحابي، مَنْ لم يُمارِ في دِينِ الله، ولم يُكفِّرْ أَحَداً مِنْ أَهْلِ التوحيدِ بِذنبٍ غُفِرَ له.
ثمَّ قال: إِنَّ إلاسلامَ بدأَ غَريباً وسيعودُ غَريباً. قالوا: يا رسولَ الله؛ ومَنِ الغُرباءُ؟ قال: الذين يُصْلِحُونَ إِذا فَسَدَ النّاسُ، ولا يُمارونَ في دينِ الله، ولا يُكفِّرونَ أَحداً مِنْ أَهْلِ التوحِيدِ بذَنْبٍ)([48]).
– الدعاية السياسية للحكام من بني أمية: (وإنَّ هَذِهِ الأمَّةَ –يعني أمته– سَتَفْتَرِقُ عَلى ثِنْتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا في النَّارِ إلاَّ فِرْقَةً وَاحِدَةً. قلنا: يا نبي الله؛ من تلك الفرقة؟ قال: الجَمَاعَةُ.
قال يزيد الرقاشي: فقلت لأنس: يا أبا حمزة، فأين الجماعة؟ قال: مع أمرائكم، مع أمرائكم)([49]).
– تهميش المرأة عن التأثير الاجتماعي والسياسي: (إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من تسع وتسعين امرأة واحدة في الجنة، وبقيتهن في النار. فاشتد ذلك على من حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المسلمة إذا حملت كان لها أجر القائم الصائم المحرم المجاهد في سبيل الله، حتى إذا وضعت فإن لها بأول رضعة ترضعه أجر حياة نسمة)([50])، والظاهر أن المرأة بحسب الراوية حظها أسوأ في النجاة من النار عن شقيقها الرجل.
وبناءً على هذا الاختلاف الكبير فلا يمكن أن نقرر أن مخرج هذه روايات نبوي خالص لم تشبه أوضار حركة المجتمع وآلامه وآماله.

الرواية والتشريع

إن من المعلوم لدى الأمة كافة أن التشريع الإسلامي يؤخذ من آية بينة أو سنة ماضية، أو يستنبط من القواعد الثاوية فيهما، وقد رأينا بعد كل ما ذكرناه سلفاً أن هذه الرواية بدلالات القرآن والسنة لا يمكن أن تؤصل لتشريع تسير عليه الأمة ويتحرك به أفرادها، ويحكم به بعضهم على بعض.
وخطورة هذه الرواية على ما آلت عليه لدى أفراق الأمة في كثير من ألفاظها ومعانيها التي حملت عليها تتلخص في:

  1. أنها شرّعت لتقسيم الأمة إلى شيع وأحزاب، وهذا الصنيع وقوع فيما حذّر الله منه المؤمنين وتوعد عليه المشركين عندما قال: ((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ، مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)) الروم:30–32.
  2. ألغت مفهوم وحدة الأمة الواحدة الذي جاء الإسلام ليرسخه ليس في الأمة الخاتمة فحسب، بل في إطار الإنسانية جمعاء، وذلك عندما اعتبر أتباع الرسل جميعاً أمة واحدة ودعاهم إلى عبادة ربهم ولزوم تقواه، ولكن للأسف وقعنا فيما وقعت فيه الأمم السالفة ومضينا على سنة الأولين، فأخذت كل فرقة منا تدّعي أنها على الحق وما سواها هالك في النار، قال عزَّ وجلَّ: ((يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ، فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)) المؤمنون:51–53.
  3. جرأت المسلمين على بعضهم البعض بذكر المثالب ونهج سبيل التشهير، وعلى التنقير في تراث كل فرقة بغية الإساءة إليهم والسخرية منهم، وقد حرّم الله بين الناس كل ما يؤدي إلى ذلك فقال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ)) الحجرات:11–12.
  4. جعلت من الرسول الرحيم عليه السلام مؤسِّساً للفرقة بين الأمة عندما نصصت الروايات على نجاة فرقة بعينها وما خلاها هالك، وقسمت الأمة شطرين: شطر ناجِ وشطر هالك، بل مزقتها إلى أشلاء تجازوت السبعين، ومن وراء السبعين عدد لا يحصى من التفرق والتحزب، وهذا مخالف لطبيعة الرسول الرؤوف، فقد كان يتألف الناس، ويحسن لهم القول، ويلين لهم الجانب، قال تعالى: ((فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)) آل عمران:159.

والعجيب أن هذه الرواية قد نشط تداولها في الصراع المسلح وما أعقبه بين الصحابة ومن جاء بعدهم، مع أن الآية السابقة نزلت في تولي فريق من المؤمنين من الزحف عن نصرة إخوانهم يوم أحد، وقد جاء الكفر بقضه وقضيضه لينقض على المسلمين ويستأصل شأفتهم، قال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ)) آل عمران:155.
وكان حرياً بالنبي عليه السلام –وفق هذا المنطق– أن يفصل من مجتمعه هؤلاء المتولين في ذلك اليوم العصيب، خاصة أن الله قد توعد على التولي من الزحف عندما قال: ((وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)) الأنفال:16، إلا أنه تعالى أمر نبيه الكريم أن لا يفرّق بين أمته بسبب ذلك، وأمره باللين لهم والعفو عنهم والاستغفار لهم ومشاورتهم، ففساد القلوب وضلال النفوس أمره إلى الله، فهو يتولاه، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أمر بتأليف القلوب وتجميعها، وقد سجّلت لنا بعض الروايات هذا الموقف العظيم، (عن عبدِ اللهِ بن يزيدَ قال: سمعتُ زيدَ بنَ ثابتٍ رضيَ اللهُ عنه يقول: لما خرَجَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى أُحُدٍ رجَعَ ناسٌ من أصحابهِ، فقالت فِرقةٌ: نَقتُلُهم. وقالت فرقةٌ: لا نَقتُلهم. فَنَزَلَتْ: ((فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ))، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إنها تَنفي الرِّجالَ كما تَنفي النارُ خَبثَ الحَديد)([51]).
فأين هذا من بعض ألفاظ هذه الرواية التي تؤسِّس للفرقة بين المسلمين على أمور هي دون ذلك بكثير.

  1. مناقضتها للإصلاح الإلهي في حال اختلاف المسلمين، حيث يؤمر سبحانه بالإصلاح بين المختلفين، لا بتحري الفرقة الناجية والفرق الهاوية، قال تعالى: ((وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)) الحجرات: 9–10.
  2. رغم أن الرواية –حسب تقديرنا– قد نشطت في ظل الصراع السياسي الذي دار بين المسلمين؛ إلا أنها بعد ذلك تحولت إلى تشريع للخلاف العقدي والفكري والفقهي والاجتماعي، والله حرّم كل أشكال الخلاف المؤدي إلى القطيعة بين المسلمين، بل دعا إلى الوحدة والتآلف، قال تعالى: ((وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)) آل عمران:103.
  3. تجعل بعض ألفاظ هذه الرواية على ما آلت عليه؛ الآيات البينات الربانية سبباً للخلاف والصراع بين الأمة، فما تشبث كل فريق من أفراق الأمة في التدليل على نجاته وهلاك غيره إلا بدليل من التنزيل أو قول النبي الأمين، وهذه هي السنة التي مضى عليها المتقدمون، وقد نبه على خطورتها القرآن الحكيم، فقال تعالى: ((وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)) آل عمران:105، وقال: ((وَمَا تَفَرَّقُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ)) الشورى:14.

هذا وقد حرّم سبحانه وتعالى قبل ذلك التفرق في الدين فقال: ((شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ)) الشورى:13.

  1. عرقلت جهود التقريب بين فرق الأمة وطوائفها، كما أنها فوتت مصلحة النهوض بالأمة من كبوتها، وجعلت المسلمين يتوجسون خيفة من أي إصلاح قادم من خارج دائرة مذهبهم، والأكثر من ذلك عُدَّ الإصلاح الداخلي في أي مذهب نقضاً لعراه وتحولاً نحو الآخر، وفي هذا تفويت لمصلحة الأمة كلها ومخالفة لأمر الله عندما قال: ((وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) آل عمران:104، وقال: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)) آل عمران:110.
  2. وبعد كل هذا فهل تتفق بعض ألفاظ هذه الرواية مع ما شرع الله في كتابه عندما قال: ((قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ، وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرائيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ، وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ، هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)) الجاثـية:14–20.

الرواية وأزمة التأويل

في هذا العصر المتأخر نهضت بيننا دعوات الإصلاح والتقريب عبر مؤتمرات وندوات تعقد في مختلف بلدان المسلمين أكثر إحساساً بمغبة الأمر؛ وقد آل حالنا إلى ما آل إليه من التأخر الحضاري والانكفاء الأممي، وأكثر إلحاحاً إلى تجاوز مخلفات هذه الرواية مذهبياً، ولذلك ما من ندوة من هذه الندوات أو مؤتمر من المؤتمرات إلا وهو يتعرض لها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وهذا في نظرنا ظاهرة صحية، وخاصة إن بحثت بموضوعية متعقلة بعيداً عن عواطف الانتصار للرواية أو رفضها.
إن رفض الرواية تحت طائلة التضعيف والتكذيب غالباً ما يؤدي بنا إلى عدم الاكتراث بالدراسة المحايثة لها، ونقصد بذلك الحراك الفاعل حيث وجدت الرواية وهي تنتقل من طور إلى طور، وهذا ما سنتطرق إليه في المحور الآتي إن شاء الله.
وهنا نتكلم عن الأزمة التي خلّفها الانتصار للرواية، وبداية لا أقصد بذلك أزمة التكفير وإقصاء الآخر واحتكار الحق المطلق، فهذا قد ألمحت إليه سابقاً، وإنما أقصد بالانتصار هنا هو اعتبار الرواية تشريعاً إسلامياً منطلقاً من المقام النبوي.
حتماً لا نعتبر الرواية بكافة إلفاظها إنباءً عن الغيب، وإن كنا لا نسبعد صدورها في عموم أصلها عن الرسول صلى الله عليه وسلم، لا على جهة الإنباء بالغيب، وإنما على جهة الوعي الحضاري بمسير البشرية، والتدبر العميق لمنطوق القرآن الكريم، والاستشراف التحليلي للمستقبل، فالنبي عليه السلام أوتي من الذكاء السهم الوافر، ومن الحكمة القدح المعلى، وهو في المقام الأرفع من القدرة على ممارستها، فلا ريب أن لديه عمقاً متميزاً في فهم حركة التأريخ الذي قصّه عليه ربه جلَّ وعلا، وقد وقعت الأمم السالفة في الانقسامات الدينية بعدما جاءها العلم والهدى والبينات.
فقد قال الله تعالى عن اختلاف الذين أوتوا الكتاب نتيجة البغي بين بعضهم البعض، بعد أن بيّن لهم أن الدين واحد وهو الإسلام: ((إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)) آل عمران:19، وقال: ((وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرائيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ، وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)) الجاثـية:16–17.
وبيّن سبحانه أن بني إسرائيل اختلفوا وقد فتح الله عليهم الدنيا بالرزق والطيبات؛ بعدما جاءهم العلم: ((وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرائيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)) يونس:93.
واختلاف بني إسرائيل لم يقف عند القضايا الفكرية والإيمانية؛ بل تعداها إلى القتل والتصفية الجسدية، قال تبارك ذكره: ((لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ، وَحَسِبُوا أَلا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ)) المائدة:70–71.
وبيّن سبحانه كذلك أن تفرّق الناس بعدما جاءهم العلم أدّى بهم إلى الشك فيه، أو فيما نزّل إليهم من الكتاب: ((وَمَا تَفَرَّقُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ)) الشورى:14، فخطورة الاختلاف لا تقف عند حدِّ التنازع وحده، بل تؤدي إلى ما هو أشد من ذلك وأخطر، وهو الشك في حقيقة التنزيل الرباني، أو في العلم الذي جاءهم.
هذا في الأمم السابقة، وهكذا يكون الأمر في أمة النبي محمد عليه السلام، فإن كان الله قد حفظ كتابه الخاتم من التبديل والتحريف فإنه قد ترك للناس حرية الاختيار في شأن تدبير حياتهم، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ على بينة.
إن هذا التقرير الواضح والشرح المفصّل من لدن الله تعالى لا ريب أنه قد وقع من النبي موقع الإدراك بحال تلك الأمم أولاً، وبحال ما تقع فيه المجتمعات المتدينة على وجه العموم، وبما يمكن أن يؤول إليه حال أمته على وجه الخصوص، فالنبي الخاتم كان يملك حساً مرهفاً حيال أمته؛ رأفة ورحمة وتوجيهاً وإرشاداً، ولذلك من الطبيعي أن يحذّر أمته من عاقبة الاختلاف والاقتتال والصراع، استمداداً من قوله عزَّ وجلَّ: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)) آل عمران:102–105.
فالرواية إن حملناها محمل الوعي بسنن الماضي، والقدرة على استشراف المستقبل بتحليل معطيات الوقائع والأحداث، هانت المسألة وقلت المؤونة، وكنا أكثر إدراكاً بلحظاتنا الراهنة، وبما ستؤول إليه مسيرة حياتنا، وأكثر فاعلية في القدرة على التفاعل الحضاري مع الأمم؛ تأثراً موزوناً غير فاقد لبوصلة قافلته، وتأثيراً يطمح إلى الإفاضة على الغير بالهدي الرباني المرشد إلى السعادتين في الدنيا والآخرة.
إننا يمكن أن نجد في تلك الإضافات المذهبية نوعاً من التفهم لأصحاب المذاهب إذا ما قدرنا أن عملهم هو الآخر نزعة استشرافية حتى لا يضيع الحق الذي يرونه في مذاهبهم، فهو فعل –إن لم يصاحبه الإقصاء والغلو والتكفير– تمارسه الطبيعة الإنسانية بتلقائية مدفوعة بالحفاظ على الذات، وهو فعل نقرأه أيضاً في الرواية إن افترضنا صدورها على وجه العموم من النبي عليه السلام، فهو لا ريب يريد لأمته أن تحافظ على هويتها من الذوبان، لكن بكل تأكيد لا يمكن أن نقرأ فيها دعوة التحزّب أو التحيّز لفرقة دون أخرى، أو إقصاء فئة على حساب أخرى، ولا يمكن أيضاً أن يناقض عليه السلام نفسه بحيث يقول: (كلهم يدّعي تلك الفرقة)، ثم هو بنفسه يحدد تلك الفرقة لأجل أن يشرّع للادعاء، كما أن الرواية عنه عليه السلام لا يمكن أن تشتمل على تلك الألفاظ المتضاربة، هذا فارق جوهري بين المعطى النبوي ومعطى من جاء بعده من الناس.
بيد أن الأمة وهي تقرأ الرواية على أنها تشريع تكويني لا مفر للأمة للنجاة من قدره، أو تشريع حكمي يلزم أفراق الأمة أن تتعقب فيه بعضها البعض بادعاء أنها الفرقة الناجية وأن غيرها هالك، قد أوقعها في منعطفات حادة في طريقها الذي تشعبت به السبل، وجعلت فيه كل حزب بما لديه فرحاً يتيه على أجزاء جسد أمته فخراً واستعلاءً في نفسه، واستنقاصاً واستخفافاً بغيره.
وعندما حانت لحظة تصفية أجواء الأمة من الكدر المذهبي، والاستفاقة من الخدر الحضاري، وجدنا كثيراً من المصلحين المخلصين لأمتهم قد وقفوا حيارى ناحية هذه الرواية، ولذلك حدى بكثيرين منهم أن يركبوا مطية التأويل المتكلف حتى يستطيعوا أن يجمعوا بين شتات هذه الرواية وبين أملهم المنشود في تخطي آثارها، ولا يهمنا الآن أن نتتبع تلك التأويلات، والتي قد نستفيد من نظرتها الواقعية في الجمع بين النزعة التي تستعظم التفريط في الرواية وبين الرغبة للمسير بنهضة الأمة نحو الأمام.
ومع عدم الرغبة –كما قلت– في الدخول في استقراء تلك التأويلات المتأخرة إلا أنه لا يفوتني هنا أن أشير إلى أزمة التأويل الذي سلكه بعض المفكرين؛ عندما بنوا تأويلهم على تقسيم الأمة: إلى أمة دعوة؛ وهم المقصودون بالدعوة من غير المسلمين، وأمة إجابة؛ أي المستجيبين لدين الله الداخلين فيه، وقالوا: إن الفرق السبعين المقصودة بالهلاك هم أمة الدعوة غير المسلمين، وإن الفرقة الناجية هم المسلمون الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذا تأويل يصعب جداً قبوله، فأمة محمد عليه السلام بهذا المعنى لم تكن أمة واحدة في زمانه ثم افترقت من بعده، بل الكفار كانوا يناوؤن المسلمين قتالاً وعداوة وبغضاء منذ اللحظة الأولى لمجئ الإسلام، فمتى كانت البشرية؛ مؤمنها وكافرها؛ أمة واحدة حتى تفترق؟.
ثم إننا لو أخذنا بحرفية هذا التقسيم وأردنا أن نعمل الرواية عليه لما استقام لأحكام الشريعة أي معنى، فما مصير الظلمة وسفاكي الدماء وأصحاب الفجور بشتى أنواعه من هذه الأمة؛ أي أمة الإجابة؟ هل يقال بأنهم ناجون، وأن حالهم كحال المؤمنين الموفين الذين يخشون الله في كل جليلة ودقيقة، وهم من الآخرة مشفقون؟ إن هذا التقسيم عندي لا يستقيم حتى مع الرواية ذاتها، وإن قلنا بأنهم خرجوا بعملهم هذا من أمة الإجابة، فمعنى ذلك بناءً على هذا التقسيم أنهم قد دخلوا في أمة الدعوة، وهي أمة غير مسلمة اتفاقاً، وبذلك نقع في مطب التكفير من حيث أردنا الهروب منه.
إن هيمنة الروايات على الأمة وجعلها مصدراً تشريعياً مستقلاً عن القرآن والسنة والعقل هو ما جعلنا نلجأ إلى شتى ضروب التأويل المتكلف، إن التشريع يحتاج إلى درجة عالية من الأدلة لا تكفلها الرواية لوحدها.
وإنما أرجع هنا إلى التأويلات المتقدمة المنصصة، التي –كما قلت– يمكن أن نتفهم نشأتها ووجودها، لكن لا يمكن قبول تشريعها للإقصاء والتكفير، وبين هذا وذاك فإن الرواية بمختلف ألفاظها مفتوحة للدراسة والقراءة المتأنية.
أستطيع أن أقول: إن المنطلق الأول للرواية –مهما كان موقف صدوره، وممن صدر– هو تلك الرواية المجردة من أي تحيّز مذهبي أو سياسي أو اجتماعي أو فكري، كالألفاظ التالية:
– (ستفترق أمتي ثلاثاً وسبعين فرقة، واحدة منها ناجية، واثنتان وسبعون في النار).
– (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلهن إلى النار ما خلا واحدة ناجية، وكلهم يدعي تلك الواحدة).
– (افْتَرَقَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ عَلى إِحْدَى وَسَبْعِيْنَ مِلَّةً، وَلَنْ تَذْهَبَ اللَّيَالِي والأيَّامُ حَتَّى تَفْتَرِقَ أُمَّتِي عَلَى مثلها).
إلا أن هذه الانطلاقة المعانقة للبراءة الأولى للنص ما لبثت أن احتاجت إلى نوع من التأويلات للإجابة عن تساؤل يلح في الذهن: مَن هي هذه الفرقة؟.
فجاءت التأويلات بحسب الاحتياج الآني، بحيث يمكننا أن نقرأ فيها تلك الديناميكية التي يتفاعل بها المجتمع المسلم آنذاك.
إن ذلك التساؤل لابد أن يثمر عن إجابة، ولأن المجتمع هو مجتمع انقسم زمن الصحابة وحولهم، وبالتالي من الطبيعي أن ينقسم الرأي حولهم عن مدى صلاحية مرجعيتهم للأمة، فأتت الرواية لتحاول حلّ ذلك الإشكال، بأن الفرقة الناجية هي ما عليه الصحابة لتأكد بقاء مرجعيتهم، ولأن هذه المرجعية يصعب قبولها والفتنة مستعرة حولهم فإنه لابد من سلف لهم، ومن الطبيعي أن يكون ذلك هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، (افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى كذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا واحدة. قالوا: من هي يا رسول الله. قال: ما أنا عليه وأصحابي)([52]).
لكن المشكلة تظل قائمة، فالجميع يأخذ من الصحابة، وسلف جميع المسلمين فيهم، فأي الصحابة هم المقصودون، وقد اختلفوا وتقاتلوا؟ وحتى يُعرفوا فمن الطبيعي أن يكون السواد الأعظم في ذلك الوقت هم الناقلين عن جمهور الصحابة، (كلُّهُمْ على الضَّلالةِ إِلاّ السَّوادَ الأعظَم. قالوا: يا رسولَ الله؛ ما السَّوادُ الأعظمُ؟ قال: مَنْ كانَ على ما أَنا عليهِ وأَصحابي).
ويبقى السواد الأعظم غير متكيّف ولا مؤطر في بنية معرفية محددة، فتأتي رواية الجماعة لتحل هذا الإشكال (وَكُلُّ فِرْقَةٍ مِنْهَا فِي النَّارِ إِلاَّ وَاحِدَةً وَهِيَ الْجَمَاعَةُ).
ثم إن الجماعة هي إطار جمعي عام قد يحمل عليه من هم مع السلطة أو ضدها، فهو إطار مطاط لا يحل المشكلة كثيراً، وأصبح ذاته مشكلاً للسلطة القائمة، فلابد من تخصيص ذلك، مَن هي الجماعة؟ مَن هم السواد الأعظم؟ فتقدم الرواية حلّها، (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: أَيُّكُمْ يَقُومُ إلى هَذا فَيَقْتُلَهُ؟. قال علي: أنا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: أَنْتَ لَهُ إِنْ أَدْرَكْتَهُ. فذهب علي فلم يجده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: أَقَتَلْتَ الرَّجُلَ؟ قال: لم أدر أينَ سَلَكَ مِن الأرضَ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: إِنَّ هَذا أَوَّلَ قَرْنٍ خَرَجَ فِي أُمَّتِي. قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: لَوْ قَتَلْتَهُ –أو قَتَلَهُ– مَا اخْتَلَفَ فِي أُمَّتِي اثْنَانِ، إنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقُوا عَلى إِحدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً، وإنَّ هَذِهِ الأمَّةَ –يعني: أمته– سَتَفْتَرِقُ عَلى ثِنْتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا في النَّارِ إلاَّ فِرْقَةً وَاحِدَةً. قلنا: يا نبي الله، من تلك الفرقة؟ قال: الجَمَاعَةُ.
قال يزيد الرقاشي: فقلت لأنس: يا أبا حمزة، فأين الجماعة؟ قال: مع أمرائكم، مع أمرائكم).
إذن الجماعة هم المنضوون تحت جناح السلطة، أما المعارضون فلا يدخلون ضمن السواد الأعظم.
بيد أن الرواية بهذا المعنى قد دُوّلت لصالح السلطة القائمة آنذاك، وهو تجريد للمذاهب الفقهية من سيادتها المعرفية، يجعلنا نستحضر ذلك التنافس الذي وقع بين السياسي والفقيه، فكان لابد للفقه أن يحافظ على ذاته بالتنصيص على المذاهب الفقهية، وكذلك بالنسبة للعقيدة، وهذا في حدّ ذاته يثير حساسية مذهبية لابد أن تواجه بردود فعل، فجاء الانتصار لهذا المذهب وذاك، ودخلت الأمة في مرحلة الصراع الفقهعقدي، كل يعلي من شأن مذهبه، قد لحظنا ذلك في بعض ألفاظ الرواية التي سقناها سابقاً.
على أن هذا التنافس السياسي الفقهعقدي يستلزم الكثير من التأويل والتأويل المضاد، وهو عمل عقلي، يتداول فيه المنظر السياسي والفقيه العديد من الآراء، لكنها آراء لا تحد من المشكلة، بل توهجها وتزيدها تفاقماً، فيأتي التحذير من استخدام الرأي (تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيحلون الحرام ويحرمون الحلال).
إذن ما الحل بعد كل هذا؛ وخاصة إذا علمنا أن الرواية السابقة جاءت للتحذير من التوسع في استخدام العقل في الاستنباط من كليات التشريع وقواعده الكامنة في القرآن والسنة؟ لا ريب أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم المنطلق الأول المفترض للرواية هو المرجع، فتعمل آلة جمع الرواية المرفوعة إلى النبي بأقصى طاقتها، إلا أن هذا النهم في جمع الرواية لم يؤدِ الغرض، فليس كل رواية هي صحيحة، وقد تُزيّد عليها، ووقع فيها الوضع والكذب، فلا ملجأ إلا كتاب الله (فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ (=علي بن أبي طالب) أَخْبِرْنَا عَنْ أَحَادِيثِ الْبِدَعِ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: إِنَّ أَحَادِيثَ سَتَظْهَرُ مِنْ بَعْدِي، حَتَّى يَقُولُ قَائِلُهُمْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ. وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ. كُلُّ ذِلكَ افْتِرَاءٌ عَلَيَّ، وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَق لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتي عَلى أَصْلِ دِينِهَا وَجَمَاعَتِهَا عَلى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا ضَالَّةً مُضِلَّةٌ تَدْعُو إِلى النَّارِ، فَإِذَا كَانَ ذلِكَ فَعَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّ فِيهِ نَبَأُ مَا كَانَ قَبْلَكُمْ، وَنَبَأُ مَا يَأْتِي بَعْدَكُمْ، وَالْحُكْمُ فِيهِ بَينٌ، مَنْ خَالَفَهُ مِنَ الْجَبَابِرَةِ قَصَمَهُ اللهُ، وَمَنِ ابْتَغى الْعِلْمَ فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللهُ، فَهُوَ حَبْلُ اللهِ المَتِينُ، وَنُورُهُ المُبِينُ).
طبعاً قد لا تكون حركة التأويل لحل المشكلة التي خلّفها التعامل مع رواية الفرقة الناجية قد مرّ بنفس هذا الانتقال المعرفي المفترض تأريخياً، فلا ريب أن هناك الكثير جداً من المؤثرات في البنية الاجتماعية الإسلامية لم تنحصر في الافتراق الذي حصل في الأمة، لكن لا ريب عندنا أيضاً أن الحاجة كانت ماسة إلى تأويل للانطلاقة الأولى للرواية التي لم تفِ بالغرض نتيجة الحراك الاجتماعي والتغيّر السياسي والانفتاح الأممي، وأهمها الحفاظ على الذات.
هذا التأويل يمكن أن يعاد ترتيبه وفق دراسة بحثية أكثر شمولاً للمنظومات المعرفية الواردة إلينا من تلك الحقب، وهذا ما نأمله أن يقوم به دارسون متخصوصون، فهو عظيم النفع، عميم الفائدة.

من فقه الرواية

لسنا مع من ينادي بالقطيعة التامة مع التراث، ولا مع من يهمل الرواية، فنحن ننادي بدراسة التراث، والبحث فيه عن الآثار الحسنة، وما أكثرها، للاستفادة منها في بناء أمتنا، فقد قيل من لا ماضي له لا حاضر له، فالقطيعة مع التراث –حقاً– تذيب هويتنا وتميت شخصيتنا وتطمس وجودنا، وهذا ما لا يمكن أن يقبله عاقل، فضلاً أن يكون موضوعاً قابلاً للتبني، وكذلك البحث عن المؤثرات السيئة لتجاوزها في مسير حياتنا، بل لتحويل المعوقات إلى محركات دفع نحو الأمام، فإن بناء الأمم قائم على تحويل الأزمات إلى مواطن قوة، وتثميرها فيما يخدم مصالح الأمة في شتى النواحي، وليس على تجاوزها فحسب.
إن كنا نقول ذلك في عموم التراث فإننا من باب أولى ندعو إلى دراسة الروايات، وفي رأينا أنه يجب تجاوز التصنيف الحدّي للرواية بأنها صحيحة أو موضوعة أو نحو ذلك، فهذا التصنيف الكلاسيكي هو مؤشر واحد من مؤشرات قياس الرواية؛ له وعليه، ويبقى العديد من المناهج العلمية التي يجب سلوكها في التعامل معها، وقد ألمحت إلى بعضها خلال ورقتي هذه.
إن الروايات سجل موسوعي ضخم يسجل كل مفردات الحياة؛ ليس الإسلامية فحسب، بل والإنسانية، تبدأ من المعتقدات والإيمان، ولا تنتهي عند حدٍّ بعينه، فهناك السياسة والثقافة والعادات والقبيلة والاجتماع والاقتصاد والحرب والسلم والفنون والصحة والنفس والسلوك، وما لا يحصى من مركبات الحياة المعقدة والبسيطة، نجدها مشحونة في الروايات.
إن دراسة الرواية من كل الزوايا ينشئ لدينا فقهاً روائياً أوسع، يتجاوز كلاسيكيات الفقه المعهودة، إننا لا ننادي بهذا الفقه في دوائر التأريخ والاجتماع والعلوم الإنسانية المعروفة فحسب، بل ننادي به على وجه الخصوص في التعامل الفقهي مع الأدلة والحجج الشرعية، الذي لا يزال بعيداً عن تحليل المؤثرات الحضارية على الأحكام وتطورها، وهو ما يعني بجزء منه فقه المقاصد، إننا ما نرغبه من فقه الرواية هو أعم من فقه المقاصد وأشمل.
فإن كان فقه المقاصد يقف عند حدِّ توصيف الحكم الشرعي نظراً للغاية الإنسانية، فإن علم تحليل الرواية يسبر غور الكينونة الإنسانية بكل أبعادها ليجتلي منه الفقيه ما يساعده على استنباط الحكم الشرعي المناسب، وليقف على كيفية عمل الحكم وتطوره على أرض الواقع، فيعينه على تهيئة هذه الأرض، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن علم تحليل الرواية يؤسس لعلوم إنسانية أكثر التصاقاً بدينها وواقعها، هذه العلوم هي الأخرى تساعد الفقيه على استنباط الحكم الشرعي، وعلى بناء مجتمعه في الوقت نفسه، أي أن هذا العلم يقودنا إلى دلالات حكمية ودلالات بنائية في آن واحد.
وسنقرأ هنا بعض القضايا المستفادة من هذه الرواية باختصار:

  1. سيَر الرجال والتراجم العلمية:

أدّى التنافس على “الفرقة الناجية” إلى تقديم كل مذهب رموزه، فحفظ لنا الكثير من معالم سيَر هؤلاء الرجال، وكذلك علومهم، بل أن علوم هؤلاء الرموز ترجمت إلى وقائع عملية يأخذ بها الأتباع، وقد صنف كل مذهب أسفاراً في طبقات رجاله وسيَرهم، فحفظت لنا بذلك الكثير من العلوم التي تتعلق بهذا المنحى الإنساني المهم.
وفي المقابل فإنه قد دوّن الآخر المناوئ نقداً غير محمود عن هؤلاء الرجال وسيَرهم، ومع أن هذا أمر لا يمكن أن يعدّ حسناً، إلا أنه لا يخلو من فائدة عند قراءة ما تحت سطوره، ولعل من بعض فوائده أنه يدخل تحت قانون التدافع الذي قال فيه سبحانه وتعالى: ((فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)) البقرة:251، وقال: ((الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)) الحج:40.

  1. رصد المجتمع:

إن الرواية بمختلف ألفاظها وهي تسجل ذلك التسابق المحموم على الفرقة الناجية مولية دبرها الفرقَ الهالكة، هي في الحقيقة تدوِّن أيضاً حركات المجتمع وتقلبه، وتتحسس آلامه وآماله، وتكشف عن ضميره وعن عاطفته وتعقله، وإذا كان مما يؤخذ على التأريخ بشكل عام أنه يؤرخ للساسة والحكام والشخوص البارزة في المجتمعات، فإن هذه الروايات وأمثالها قد حفظت لنا قدراً جيداً من المادة التأريخية المتعلقة بأحوال المجتمع وعموم حياة الناس والعلاقة التي تربطهم، ونظرة بعضهم إلى بعض، إنها سجلّت مناطق نفوذ الآراء والأفكار في المجتمع، ونقاط تقاطعاته السياسية والاجتماعية، وبؤر خوفه من المجهول، وطرائق عيشه، ونحو ذلك.
وبالخلاصة إنك تستطيع أن تجمع قدراً كبيراً من المادة التأريخية للمجتمع في شتى مساربه؛ مما أخل به المؤرخ عن قصد أو عدم قصد.

  1. آلية الحفاظ على الذات:

أساساً قد جاءت رواية الفرقة الناجية –حسب رأينا– لتحافظ على الذات من الذوبان في الآخر، وبالتالي ابتكرت الفرق الكثير من الأساليب لذلك، سواء بالتأليف العلمي، أو الدعوة في المجتمعات، أو الحشد الجماعي من الأنصار، أو أساليب الخطابة والمنبر، وفي وقتنا هذا يدخل في ذلك الجريدة والكتاب والإذاعة والتلفزة الفضائية والإنترنت والهاتف النقال، كل هذه الأساليب نشطت فيها كل فرقة للحفاظ على “فرقتها الناجية”؛ أي الحفاظ على ذاتها.
إذا كان في ذلك الكثير من الأخطاء والغلو في ممارسته عند الفرق حتى فاتت العديد من مصالح الأمة، فإنه في الوقت ذاته يمكن أن نجد فيه سبيلاً للحفاظ على الذات في مقابل التحولات الحضارية الهائلة التي تشهدها البشرية الآن، وبكل تأكيد لا ندعو ونحن نحافظ على ذاتنا عالمياً إلى سلوك أساليب الفرق الفظة، إلا أننا نجد الكثير من القدرات والإمكانات فيها لتطويرها وحشدها بأسلوب متزن متعقل.

  1. دراسة علم النفس الجمعي:

علم النفس الجمعي هو أحد فروع علم النفس المهمة، وكل من يريد أن يفهم أي مجتمع، أو يندمج فيه، أو يأثر عليه، أو يسيطر عليه، فإن بوابته هذا العلم، حيث يقوم بدراسة المجتمعات، وبجمع عينات وقائعها، ثم يقوم بتصنيفها وتحليلها، ليخرج من ذلك بمادة تساعده على فهم هذا المجتمع كيف يفكر؟ وكيف يتحرك؟ وما هي العلاقات المنظمة له؟.
بل إن علم النفس الجمعي يذهب إلى أبعد من ذلك، حيث تستغله الدول لفهم أفراد مجتمعها وكيف يفكر، بغية الوصول إلى سلاسة انقياده، والأخطر من ذلك عندما يرصد أي مجتمع من قبل مناوئيه بهدف التأثير على رأيه العام، وهذا ما نلاحظه في الحروب الباردة التي تسبق الحروب الساخنة وتعقبها، بل الأكثر من ذلك عندما تدرس انفعالات المجتمع وطرائق مواجهته، فيتم تحديد أسلوب التعامل معه مبكراً.
بدون شك؛ إن لدينا حصيلة وافرة لدراسة ما شكّل عقلنا الجمعي؛ عمودياً وهو يتوغل في حقب التأريخ، أو أفقياً وهو يمتح في رقعة الأرض، سواء في الماضي أو الحاضر، إن هذه المادة يمكن أن تفيدنا كثيراً لو أحسنا استغلالها فيما يخدم وحدة الأمة ونهضتها، وتقارب مذاهبها وتآلف أتباعها وتراحم أبنائها، وهو ما يمكن أن نستنبطه بصورة أو أخرى من رواية الفرقة الناجية، ومن الآثار التي تركتها على الأمة.

  1. علمُ كلامٍ جديدٌ:

لدى الأمة علم كلام ضخم، لا نكون مبالغين إن قلنا بأنه لا يوجد مثله في دين من الأديان رغم تقدمها الزماني وسبقها المكاني، هذا العلم الكلامي كوّن لدينا فلسفة إسلامية، جعلها متميزة عن الفلسفات الأخرى كاليونانية ونحوها.
وكل علم من نتاج البشر له وعليه، إلا أننا نجد في علمنا الكلامي مناقشة واسعة للاحتجاج وقدرة هائلة على الاستنباط، كل هذا وضعنا أمام جزئيات دقيقة من تفكيرنا العقدي، بل على وعي قوي بمناطق الإيمان داخل النفس الإنسانية.
إننا يمكن أن نحمل هذا العلم لضخه في الحوار الثقافي والفكري مع الأمم والأديان الأخرى، فعندنا مكنة علمية تجعلنا لا نهاب من ميراث الأمم، بل تكونت لدينا عبر تأريخنا الكلامي الكثير من الخبرات المهمة في التعامل مع الآخر نظرياً وواقعياً، وهذا ما يمكن أيضاً أن نفعّله في حماية بيتنا الإسلامي الكبير من الغزو الثقافي المفروض بآلة العولمة، فعلينا أن نصوغ علم كلام جديداً موجهاً نحو رياح العولمة لنستفيد منه إسلامياً، علم كلام يقوم على أنقاض علم الكلام القديم الذي وجهت نصاله إلى نحور المسلمين؛ من قبل بعضهم البعض.

  1. علم البيان والمعاني:

إذا كان علم الكلام وهو يبني براهينه يستخدم الحجج العقلية بقصد إقناع الغير بها؛ فإن علم البيان والمعاني يستخدم اللغة وتصريفاتها للتأثير على النفس الإنسانية، وإن كانت العربية –وعاء العلوم الإسلامية– بطبيعتها تحمل البيان والإيضاح، فإن الجدال الدائر بين طوائف الأمة وهي تنتصر لفرقتها الناجية، قد أعطى العربية قدراً كبيراً من الجدل المؤثر في الآخر وعليه.
ويأتي الشعر في مقدمة علم البيان، حيث استغل في نصرة الآراء، والإعلاء من شأن الرموز، والإقلال من شأن الخصوم، وإلى حدِّ الآن حسب تقديري لم ينزل بالشعر أرض الواقع لخدمة العقيدة والقيم الرائعة التي جاء بها الإسلام بالقدر المطلوب، وكأن الشعر قد كتب له أن يهيم بعيداً عن ساحة الإيمان، ونرى أنه قد جاء الوقت لحفز القيم الإنسانية العليا التي نادى بها الإسلام عبر قوالب الشعر البيانية المؤثرة.
وكان أيضاً للقصة دورها، حتى عرف تأريخنا الفكري القُصّاص الذين اعتمدت عليهم المذاهب كثيراً في نصرة آرائها، وقد ارتفع البيان القصصي في أحايين كثيرة إلى نصوص منسوبة إلى النبي عليه السلام، وهذا يدل على قوة اللغة المستخدمة، حتى استطاعت أن تؤسِّس لنص يلتبس على المتلقي بينه وبين كلام النبي عليه السلام.
والإيجاز اللغوي الذي تمتع به الجدل الفقهي والعقدي لدى فطاحلة المذاهب البيانيين، سبك قوالب جزلة من البيان المؤثر جداً، حتى أنه يصدق على صاحبه أنه أوتي فصل الخطاب.
والتحليل اللغوي؛ لفظاً ومعنى، استخدم إلى أقصى مداه في سبيل تشييد الحجة عن طريق الجدل البياني، حيث أشبعت الألفاظ بحثاً، سواء عن طريق استخدامات القرآن المختلفة، أو استعمال العرب في أشعارها، أو عن طريق تفتيت الكلمة إلى جذورها الأولى، ومن يقرأ كتب التفسير وأسفار علم الكلام وموسوعات الفقه يجد آية ما نقوله، بل تجاوز الرسم البياني المتنافس بين الأفراق هذه الأسفار إلى ولوجه قواميس اللغة ذاتها.
إن دراسة هذه القضايا أمر مهم لنرى مدى التطور اللغوي الذي قدمه هذا الصراع الملتهب بين أفراق الأمة.

  1. دراسة خط التكفير والغلو الديني:

إننا الآن في عصر نقل الخبر لحظة بلحظة؛ نرقب عن كثب ما تعاني منه الأمة الإسلامية، بل الإنسانية، من آثار التكفير والغلو في الدين، وهو ليس وصمة لحقت بعض المسلمين بسبب بيئتهم المسلمة، بل هو نزعة نفسية تولدها الكثير من الظروف المصاحبة للتغيّر الإنساني، ولكن بدون ريب فإن المسلمين عبر مراحل تأريخيهم كان لهم نصيب وافٍ من الغلو والتكفير، ولّده في الأساس افتراق الأمة إلى مذاهب متصارعة.
إن دراسة خط التكفير والغلو عندنا معاشر المسلمين منذ نشأت الفتنة وحتى اليوم بموضوعية وعدم انتصار للذات، ثم تحليل هذا الخط، والنظر في مواضع صعوده وخفوته، وإيجاد الحلول العملية لتلافيه، سيقدم خدمة جليلة للأمة، وللبشرية قاطبة، لتجنب الغلو والتطرف.
ولعلنا قد نستطيع أن ننتج فرعاً جديداً ثرياً من فروع علم النفس أو علم الاجتماع في علاج الغلو والتطرف والقضاء على التكفير، بدلاً من التلاسن الإعلامي بين أنصار الأفكار، ورمي كل جهة أختها بالتشدد، وتتملص هي منه، على حدّ المثل القائل: رمتني بدائها وانسلّت. أتصور أن غنى تأريخنا الإسلامي بالشواهد في هذا الجانب فعلاً يمكن أن يُنشأ منه علماً نافعاً في سبيل القضاء على الغلو والتطرف فيما لو استخدمنا طرائق العلم الصحيحة، وفي مقدمتها الموضوعية والأمانة العلمية.

  1. مواجهة الاستغلال العلماني للصراع المذهبي:

بداية لا أقصد بالمواجهة هي الحدّية والإقصاء وإلغاء الآخر، ولو كان علمانياً، فالعلمانية كغيرها من المناهج البشرية فيها ما يؤخذ وما يرفض، لكن بطبيعة كوننا متدينين مسلمين نرفض أن تحل المناهج العلمانية محل المنهج الإلهي، لفاصلة مهمة جداً، وهي أن الإسلام يعتمد التنزيل الإلهي والعقل الإنساني معاً لبناء المدنية، بينما العلمانية تصادر التنزيل الإلهي، وبذلك ينخفض منسوب الضمير الإنساني الحارس للعقل الذي تنادي به العلمانية، على كل حال لسنا في موقع تحليلي لهذه الحيثية، وإنما أردت أن أبيّن مفهوم المواجهة، حيث فعلاً توجد مواجهة بين العلمانية والدين في ساحتنا الإسلامية، وهذا في حدِّ ذاته ليس أمراً سلبياً، بل هو من سنن التدافع، كما أنه يجعلنا نعيد قراءة تديننا المرة تلو المرة، وهو ما يعود بالفائدة على خط تديننا وتفاعلنا البشري؛ ثقافة وسلوكاً.
إذن هي مواجهة في ساحة الفكر والعلم، إلا أننا إن كنا نقرّ من جهتنا بوجود مصادرة لدينا للآخر القريب، وأقصد بين المذاهب الإسلامية، فإنه أيضاً توجد عندنا مصادرة للآخر البعيد كالعلماني، وفي المقابل توجد مصادرة وغلو لدى العلمانيين اتجاه الدين والتدين، ولا سيما اتجاه الإسلام والمسلمين، بل تصل هذه المواجهة إلى حدِّ التطرف العلماني، وذلك عند وصم المتدين بالتخلف والغباء والرجعية والعته ونحو ذلك، ووصم الدين بأنه قد تجاوزه الزمن، وأن الأحكام التي أنزلها رب السموات والأرض هي موقوتة بزمن التنزيل، وبذلك نشأ عند العلمانيين نظرية “زمنية النص الديني”.
إننا نلحظ بوضوح ذلك الاستغلال العلماني للخلافات المذهبية بين المسلمين لأجل الطعن في الدين، وأصبح يوجد من ينادي بالعلمانية بديلاً عن الدين في مجتمعاتنا لإطفاء فتيل القنبلة الطائفية الموقوتة، إننا ولا ريب نهيب بوضع الخطط والدراسات التي تقضي على التعصب المذهبي المقيت، لكن في الوقت نفسه نرفض الاستغلال العلماني للمشكلة بهذه الصورة، بل ونرفض الطرح الذي يبغي أن يحل العلمانية محل الإسلام.
إن الثراء الكامن في التنافس على الفرقة الناجية يمكن الاستفادة منه في هذه المواجهة مع العلمانية، وبذلك نفوت عليها الفرصة، وتستفيد منه الأمة في صناعة مناهج قادرة على النهوض بها، وعلى قيادة البشرية في تطورها السريع بكلمة الله الخالدة.

  1. علم مواجهة أزمات الصراع البشري:

لا أظن أنه توجد أزمة في الأمة أسوأ من أزمة الفرقة والتناحر والاقتتال فيما بينها، ولا أطول منها على مر التأريخ الإنساني، وهي تجربة مؤلمة بيد أنها ثرية وعميقة جداً، لو استطعنا أن نتجاوز آلامها ونبني على الأجزاء الصالحة من عمقها، لكُنا بذلك قد خدمنا الأمة من جهة، وقدمنا للبشرية حلولاً جيدة في هذه الناحية من جهة أخرى.
لا يكمن النجاح البشري الآن في تخطي الأزمة، بل في استغلالها والاستفادة منها، وتحويلها إلى مواطن قوة، وهذا ما نطمح إليه في هذه الأزمة المزمنة.
لو جندنا إمكاناتنا البشرية والعلمية والفكرية في دراسة هذه الأزمة، وخرجنا بعلاج ناجع لتخطيها، ووضعنا هذا العلاج في متناول الأيدي على هيئة دراسات بحثية ونظريات علمية وأساليب عملية سنكون بذلك قد خدمنا البشرية خدمة جليلة، وقدمنا لها حلاً يعالج مواضع من أدوائها وعللها.

  1. المواءمة بين الهوية والشخصية:

نقصد بالهوية الإطار المرجعي الذي يجب أن يلتزمه الفرد أو المجتمع في شتى نواحي حياته؛ بدأ بالمعتقد والإيمان، وانتهاءً بالسلوك والعمل، مروراً بالأخلاق والقيم، وهذا الإطار المرجعي –لدينا نحن المسلمين– محفوظ بحفظ كتاب الله، ولذلك لا نخشى على هويتنا عواصف العولمة وأعاصير التغيير، لأن الله قد تكفل بحفظ كتابه المجيد حين قال سبحانه: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) الحجر:9، وقال: ((إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ)) القيامة:17.
وعلى هذا فالهوية مرتبطة بالثبات وعدم التغيّر، والهوية الإسلامية متعالية عن الخصوصية الاجتماعية، فهي تراعي الثوابت دون أن تعرقل حركة المتغيّرات، وتحفظ الكليات دون إلغاء الجزئيات.
أما الشخصية فنقصد بها الخصائص التي يحملها الفرد أو المجتمع فتميّزه عن غيره، وهذه الخصائص يجوز عليها الثبات والتغيّر، بل هي تنحو إلى التغير وإن ببطء، ولذلك تحتاج إلى إطار مرجعي حتى لا تذوب هويتها، وتفقد صلتها بدين الله، ولذلك يجب أن تكون مأطرة بإطار الهوية الإسلامية.
وهذا يتضح في أن الإسلام يحفظ دين الفرد والمجتمع دون أن يجعله مذهبياً أو عنصرياً أو قطرياً أو قبلياً أو نحو ذلك، وإنما الشخصية هي التي تحفظ ذلك.
والإسلام لم يأتِ ليصادر الخصوصيات الشخصية، فلكل مجتمع شخصيته الفكرية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
وبالحقيقة فقد استطاعت الفرق الإسلامية وهي في حمى السباق المذهبي أن تحافظ على هويتها الإسلامية، فلم يخرجها ذلك عن إسلامها، كما قد ضمن لكل مذهب شخصيته وخصوصيته، ونحن في دعوتنا إلى التقارب والتآلف والتوحد لا نسعى إلى إلغاء هذه الشخصية الخاصة بكل مذهب، فهي تضمن التنوع والتكامل، بل ندعو إلى أن نستظل جميعنا بهويتنا الإسلامية، وأن نقوم بالمواءمة بين هويتنا وشخصيتنا، فإذا استطعنا أن نحقق هذه المعادلة الصعبة، ونرجو أن نكون قد قطعنا شوطها الأطول، فإننا بذلك نكون قد مهدنا لأنفسنا أن ندخل فضاء العولمة بكل اقتدار غير هيابين ولا وجلين، إننا سيكون لنا موقعنا البارز على خارطة العالم دون أن نفقد هويتنا، بل سنحافظ على شخصيتنا الخاصة.
إن هذا الطرح يمكن أن نصوغه في نظريات قابله للتطبيق لنطرحه في عالم اليوم المتزاحم بالأفكار المؤدلجة، والمتصارع بالثقافات المختلفة، إن قيام نظرية بهذا الشأن لهو من الضرورة بمكان، حيث نستطيع أن نقدم حلاً للتغول العولمي الذي يسعى إلى طمس الهويات والشخصيات على حدٍّ سواء، فهناك هوية إنسانية يجب أن يتفق عليها عالمياً بين كل الشعوب، يجب أن تصاغ من كافة الأطراف، لا تفرض فرضاً من جهة أو أخرى، وهنالك أيضاً شخصيات خصوصية تحمل سمة كل مجتمع ودين وإقليم يجب أن لا يعتدى عليها، وأن لا تحمل على التغير إلا بمقدار الهوية الكلية للبشرية المنطلقة من الفطرة التي فطر الله عليها الكون والناس، ويترك التغيّر في الخصوصيات خاضعاً لرؤى اجتماعية وظرفية تحددها كل جماعة بحسب قدرتها على التكيّف مع الأوضاع القائمة.
هذه بعض النماذج لما يمكن أن نستفيده من فقه رواية الفرقة الناجية على سبيل المثال لا الحصر، وإلا فإن هناك الكثير مما يمكن أن يستنبط منها، وأن يُفَعّل كذلك في دوائر الفكر والحوار والبحث والدارسة الموضوعية.
وقبل الختام؛ أريد أن أبيّن أن تحليل الروايات لم يفقد من الساحة الفكرية كلية، بل هو موجود، وخاصة في هذه الآونة، إلا أنه إلى حدِّ الآن يعاني من بعض الملاحظات، منها:

  1. أنه يُعنى بالتفكيك دون البناء، وأقصد بذلك أن المشتغلين بدراسة الروايات يعمدون إلى تحليلها بغية الوصول إلى جذور نشأتها وكيفية تحركها وتطورها، دون العمل على الاستفادة منها في البناء الفكري والفقهعقدي الحضاري للأمة.
  2. أن أغلب المشتغلين بأبحاث التحليل الروائي يُنظر إليهم من قبل الضمير المسلم بتوجس؛ إما لتوجهاتهم العلمانية، أو لنقلهم دون غربلة من منظومات استشراقية، أو لاستخدامهم مناهج غربية غير مختمِرة ولا مختبَرة، ثم زجّوا تطبيقاتها بتكلف في التحليل الروائي، وأخيراً بعض هذه الكتابات لا تراعي القداسة الإسلامية حتى في القرآن الكريم ذاته.
  3. لا يزال الفقيه بعيداً عن القيام بدوره في تحليل الرواية، فضلاً عن الاستفادة منها في الاستنباط الفقهي والإصلاح الفكري والبناء الاجتماعي، ويعود هذا إلى أن الفقيه لا يزال يؤمن بأن التجديد يكمن في الوسائل والفروع التطبيقية دون الأصول المنهجية، وفي عودة الأمة إلى فقهها القائم منذ مئات السنين، دون الشعور بالحاجة إلى مراجعة المادة المؤسِّسة لهذا الفقه؛ ثبوتاً واستنباطاً وتحليلاً وتطبيقاً.

والأكثر من ذلك أن الفقيه لا يزال يتوجس خيفة من نقد مناهج الاجتهاد الكلاسيكية وإصلاحها وتطويرها، ويرى في ذلك بأن أمر الفقه سيؤول إلى الانسلاخ عن النصوص الشرعية وإلى الميوعة الفكرية، وهو خوف نتفهمه، ولذلك ندعو بصدق الفقهاء المسلمين إلى القيام بدورهم في إعادة قراءة الروايات حتى يتلافوا مناطق الانزلاق بحسب الممارسات غير الرشيدة التي أشرت إليها أعلاه، وحتى نستطيع أيضاً الاستفادة من عالم الرواية، وكذلك الإفادة منها.
الخلاصة
لقد كان لرواية الفرقة الناجية أثرها على الأمة، وظهر فيها العرض والداء اللذان يلخصان أزمة الأمة، ولذلك وجب على الأمة أن تدرس هذه الرواية من جميع جهاتها، وأن تخرج منها بملاحظات موضوعية تستفيد منها.
والرواية قد وجدت عند العديد من أفراق الأمة، وقد جعلها كثيرون منهم أصلاً من أصول التشريع لتتمايز به الفرقة الناجية عن بقية الفرق الهالكة، فوقعت الأمة في فتنة التكفير والإقصاء والغلو.
وهذه الورقة لا تتنكر لهذه الحقيقة التأريخية، ولكنها تنظر إليها من زاوية التحليل والاستفادة من التجربة الإسلامية التي مرت بأدوار تأريخية مهمة وخطيرة في تعاملها مع تحديد الفرقة الناجية والفرق الهالكة، وليس من زاوية القبول أو الرفض.
لم تسع الورقة إلى إلغاء الرواية بل عملت أولاً على تحديد موقعها في الضمير المذهبي، ثم على عرض متنها على دلالات غير سندية، وفي مقدمتها كتاب الله وسنة رسوله ومنطق الإيمان وحركة التأريخ وروح التشريع، ومع الخروج بنتيجة مهمة أن الرواية لا تنبئ بغيب لاحق موحى به من الله تعالى، ولا تؤسس لتشريع يبقى حياً في حياة الأمة، إلا أنها لا تستبعد في أصلها أن تصدر عن النبي عليه السلام على سبيل التدبر القرآني والوعي التأريخي بالأمم والقدرة الفذة على استشراف التغيرات المستقبلية للمجتمع الإنساني.
وفي الختام خرجت الورقة بمجموعة من الملاحظات التي جاءت تحت عنصر “من فقه الرواية”؛ لكي تؤسس لعمل جديد في الموروث الروائي، الذي ترى فيه الورقة سجلاً حافلاً ومهماً لحياة الأمة لحظة التدوين، منذ رسول الله وحتى اكتماله، بل وحتى بعد اكتمال التدوين الروائي للمنطوق والفعل النبوي، فقد استمر التأريخ والفقه وعلم الكلام والأدب يدون حركة المجتمعات المسلمة حتى اليوم بطريقة في أغلب الأحيان غير مباشرة وغير مقصودة، ولذلك دعت الورقة إلى تشييد مباني علم التحليل الروائي، ليستفيد منه الفقيه وغيره بأقصى ما يمكن.
هذا؛ والله ولي التوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المراجع

  1. أحمد بن حجر العسقلاني، الكافي الشاف تخريج أحاديث الكشاف، دار المعرفة، بيروت.
  2. الجامع الأكبر للتراث الإسلامي، قرص إلكتروني: 9ME3X-NG62، إنتاج: شركة العريس للكمبيوتر وقناة المجد الفضائية، المملكة العربية السعودية.
  3. الربيع بن حبيب الفراهيدي، الجامع الصحيح: مسند الإمام الربيع بن حبيب، نشر: مكتبة مسقط، مسقط، ط. أولى، 1415هـ – 1994م.
  4. حسن بن علي السقاف، تنبيه الحذاق ببطلان حديث الافتراق، نشر بالإنترنت: موقع شبكة أنصار الصحابة المنتجبين.
  5. خميس بن راشد العدوي، قراءة في فقه مؤسسي المدرسة الإباضية، ورقة بحثية قدمت في مؤسسة الشيخ عمي سعيد، غرداية – الجزائر، شوال 1427هـ – نوفمبر 2006م، نشر بالإنترنت: موقع الشيخ عمي سعيد.
  6. زيد بن علي (إمام الزيدية)، المجموع الحديثي والفقهي، تحقيق: عبدالله بن حمود العزّي، نشر: مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية، عمّان، ط. أولى، 1422هـ – 2002م.
  7. زيد بن علي (إمام الزيدية)، مجموع كتب ورسائل الإمام الأعظم أمير المؤمنين زيد بن علي، جمع وتحقيق: إبراهيم يحيى الدّرسي الحمزي، نشر: مركز أهل البيت “ع” للدراسات الإسلامية، صعدة، ط. أولى، 1422هـ – 2001م.
  8. سالم بن حمود السيابي، العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة لعبدالله بن حميد السالمي، نشر بالإنترنت: موقع كوكب المعرفة.
  9. سليم بن عيد الهلالي، بشرى المشتاق بصحة حديث الافتراق، نشر بالإنترنت: موقع النصيحة.
  10. عبد المتعال الصعيدي، رسالة الإسلام، السنة الثالثة، العدد الثاني، نشر: مجمع البحوث الإسلامية بالآستانة الرضوية المقدسة، ومجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية، إيران، 1411هـ – 1991م.
  11. مالك وهبي، التكفير وحديث افتراق أمة الرسول “ص”، نشر عبر الإنترنت: موقع علم الإسلام.
  12. مجلة رسالة الإسلام، المجلد الأول، السنة الأولى (1–4)، نشر: مجمع البحوث الإسلامية بالآستانة الرضوية المقدسة، ومجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية، إيران، 1411هـ – 1991م.
  13. محمود بن عمر الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، دار المعرفة، بيروت.

المراجع
[1] منشور بعنوان: المجموع الحديثي والفقهي، تأليف: الإمام الأعظم زيد بن علي بن الحسين بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السلام، تحقيق: عبدالله بن حمود العزي، نشر: مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية، عمّان، ط أولى، 1422هـ–2002م.
[2] منشور بعنوان: مجموع كتب ورسائل الإمام الأعظم أمير المؤمنين زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم صلوات رب العالمين، جمع وتحقيق: إبراهيم يحيى الدرسي الحمزي، نشر: مركز أهل البيت “ع” للدراسات الإسلامية، صعدة، ط أولى، 1422هـ–2001م.
[3] منشور ضمن مجموع كتب ورسائل الإمام الأعظم، السابق ذكره.
[4] زيد بن علي، كتاب الصفوة؛ مجموع كتب ورسائل الإمام الأعظم، ص219.
[5] محمود بن عمر الزمخشري، الكشاف، ج2 ص50.
[6] فقد (رواه أبو داود والترمذي والحاكم وصححاه)، فلعل الزمخشري نقله من هؤلاء الرواة، انظر: السراج المنير للشربيني، تفسير الآية 159 من سورة الأنعام، الجامع الأكبر للتراث الإسلامي، وقد خرجه كذلك أحمد بن حجر العسقلاني من كتب الرواية عند أهل السنة، انظر: الكافي الشاف تخريج أحاديث الكشاف للعسقلاني، ص63، ملحق بالكشاف؛ ج4.
[7] رواه الربيع (41).
[8] رواه الربيع (40).
[9] قدمت هذه الورقة في الجمهورية الجزائرية؛ الإيام الدراسية العلمية: من الشيخ عمي سعيد بن علي الجربي (ت927 هـ/1521 م)، إلى الشيخ حمو بن موسى عمي سعيد (ت 1425هـ/ 2005 م)، مسيرة علمية تربوية اجتماعية دعوية رائدة ومتواصلة، (10–12 شوال  1427هـ/1–3، نوفمبر 2006م، غرداية.
[10] نحن نتحفظ على مفهوم القضاء والقدر بهذا الطرح، والورقة غير معنية بهذا الموضوع ولذلك لا نتطرق إليه، وإنما يكفي أن نشير بأن الآية الكريمة التي استشهد بها السيابي مناقضة لما استشهد له.
[11] سالم بن حمود السيابي، العرى الوثيقة، ص88.
[12] مالك وهبي، التكفير وحديث افتراق أمة الرسول “ص”، موقع (علم الإسلام) على الإنترنت.
[13] المرجع نفسه.
[14] مجمع الزوائد (799)، الجامع الأكبر للتراث الإسلامي.
[15] العراقي، تخريج أحاديث الإحياء، المرجع نفسه.
[16] مجمع الزوائد (12097)، المرجع نفسه.
[17] رواه البخاري (6930)، ومسلم (4740)، المرجع نفسه.
[18] رواه مسلم (2411)، المرجع نفسه.
[19] المستدرك على الصحيحين (10)، المرجع نفسه.
[20] مجمع الزوائد (841)، المرجع نفسه.
[21] جامع المسانيد والمراسيل (3599)، المرجع نفسه.
[22] العراقي، تخريج أحاديث الإحياء، المرجع نفسه.
[23] المصنوع في معرفة الحديث الموضوع (92)، المرجع نفسه.
[24] رواه البزار، المرجع نفسه.
[25] سليم بن عيد الهلالي، بشرى المشتاق بصحة حديث الافتراق، موقع النصيحة على الإنترنت.
[26] حسن بن علي السقاف، تنبيه الحذاق ببطلان حديث الافتراق، موقع شبكة أنصار الصحابة المنتجبين على الإنترنت.
[27] المرجع السابق.
[28] تأريخ نشر الدراسة: جمادى الآخرة 1370هـ- إبريل 1951م.
[29] عبدالمتعال الصعيدي، رسالة الإسلام، ص179، السنة الثالثة، العدد الثاني.
[30] رسالة الإسلام، المقدمة بدون ترقيم، المجلد الأول، السنة الأولى (1-4).
[31] رواه أحمد (11495)، الجامع الأكبر للتراث الإسلامي.
[32] رواه أحمد (18930)، المرجع نفسه.
[33] مجمع الزوائد (12254)، المرجع نفسه.
[34] ولعل هذا ما حاولت أن تستدركه بعض الروايات، ومنها: (وَتَفْتَرِقُ فِي اثْنَتَي عَشْرَةَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي الْهَاوِيَةِ إِلاَّ وَاحِدَةً هِيَ النَّاجِيَةُ).
[35] جامع المسانيد والمراسيل (16981)، المرجع نفسه.
[36] جامع المسانيد والمراسيل (19786)، المرجع نفسه.
[37] جامع المسانيد والمراسيل (5634)، المرجع نفسه.
[38] جامع المسانيد والمراسيل (13113)، المرجع نفسه.
[39] رواه البيهقي (17122)، المرجع نفسه.
[40] جامع المسانيد والمراسيل (8601)، المرجع نفسه، وهذا جزء من حديث طويل جداً موقوف على الإمام علي بن أبي طالب.
[41] جامع المسانيد والمراسيل (5629)، المرجع نفسه.
[42] جامع المسانيد والمراسيل (5632)، المرجع نفسه.
[43] مالك وهبي، التكفير وحديث افتراق أمة الرسول “ص”، موقع (علم الإسلام) على الإنترنت.
[44] المرجع نفسه.
[45] كنز العمال (1060)، الجامع الأكبر للتراث الإسلامي.
[46] كنز العمال (1642)، المرجع نفسه.
[47] رواه الطبراني، المعجم الكبير (91)، المرجه نفسه.
[48] مجمع الزوائد (704)، المرجع نفسه.
[49] رواه أبو يعلى (4130)، المرجع نفسه.
[50] رواه أبو يعلى (2461)، المرجع نفسه.
[51] رواه البخاري (1863)، المرجع نفسه.
[52] المقاصد الحسنة (340)، المرجع نفسه.
وهذا ما لا يمكن أن يقبله عاقل، فضلاً أن يكون موضوعاً قابلاً للتبني، وكذلك البحث عن المؤثرات السيئة لتجاوزها في مسير حياتنا، بل لتحويل المعوقات إلى محركات دفع نحو الأمام، فإن بناء الأمم قائم على تحويل الأزمات إلى مواطن قوة، وتثميرها فيما يخدم مصالح الأمة في شتى النواحي، وليس على تجاوزها فحسب.
إن كنا نقول ذلك في عموم التراث فإننا من باب أولى ندعو إلى دراسة الروايات، وفي رأينا أنه يجب تجاوز التصنيف الحدّي للرواية بأنها صحيحة أو موضوعة أو نحو ذلك، فهذا التصنيف الكلاسيكي هو مؤشر واحد من مؤشرات قياس الرواية؛ له وعليه، ويبقى العديد من المناهج العلمية التي يجب سلوكها في التعامل معها، وقد ألمحت إلى بعضها خلال ورقتي هذه.
إن الروايات سجل موسوعي ضخم يسجل كل مفردات الحياة؛ ليس الإسلامية فحسب، بل والإنسانية، تبدأ من المعتقدات والإيمان، ولا تنتهي عند حدٍّ بعينه، فهناك السياسة والثقافة والعادات والقبيلة والاجتماع والاقتصاد والحرب والسلم والفنون والصحة والنفس والسلوك، وما لا يحصى من مركبات الحياة المعقدة والبسيطة، نجدها مشحونة في الروايات.
إن دراسة الرواية من كل الزوايا ينشئ لدينا فقهاً روائياً أوسع، يتجاوز كلاسيكيات الفقه المعهودة، إننا لا ننادي بهذا الفقه في دوائر التأريخ والاجتماع والعلوم الإنسانية المعروفة فحسب، بل ننادي به على وجه الخصوص في التعامل الفقهي مع الأدلة والحجج الشرعية، الذي لا يزال بعيداً عن تحليل المؤثرات الحضارية على الأحكام وتطورها، وهو ما يعني بجزء منه فقه المقاصد، إننا ما نرغبه من فقه الرواية هو أعم من فقه المقاصد وأشمل.
فإن كان فقه المقاصد يقف عند حدِّ توصيف الحكم الشرعي نظراً للغاية الإنسانية، فإن علم تحليل الرواية يسبر غور الكينونة الإنسانية بكل أبعادها ليجتلي منه الفقيه ما يساعده على استنباط الحكم الشرعي المناسب، وليقف على كيفية عمل الحكم وتطوره على أرض الواقع، فيعينه على تهيئة هذه الأرض، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن علم تحليل الرواية يؤسس لعلوم إنسانية أكثر التصاقاً بدينها وواقعها، هذه العلوم هي الأخرى تساعد الفقيه على استنباط الحكم الشرعي، وعلى بناء مجتمعه في الوقت نفسه، أي أن هذا العلم يقودنا إلى دلالات حكمية ودلالات بنائية في آن واحد.
وسنقرأ هنا بعض القضايا المستفادة من هذه الرواية باختصار:

  1. سيَر الرجال والتراجم العلمية:

أدّى التنافس على “الفرقة الناجية” إلى تقديم كل مذهب رموزه، فحفظ لنا الكثير من معالم سيَر هؤلاء الرجال، وكذلك علومهم، بل أن علوم هؤلاء الرموز ترجمت إلى وقائع عملية يأخذ بها الأتباع، وقد صنف كل مذهب أسفاراً في طبقات رجاله وسيَرهم، فحفظت لنا بذلك الكثير من العلوم التي تتعلق بهذا المنحى الإنساني المهم.
وفي المقابل فإنه قد دوّن الآخر المناوئ نقداً غير محمود عن هؤلاء الرجال وسيَرهم، ومع أن هذا أمر لا يمكن أن يعدّ حسناً، إلا أنه لا يخلو من فائدة عند قراءة ما تحت سطوره، ولعل من بعض فوائده أنه يدخل تحت قانون التدافع الذي قال فيه سبحانه وتعالى: ((فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)) البقرة:251، وقال: ((الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)) الحج:40.

  1. رصد المجتمع:

إن الرواية بمختلف ألفاظها وهي تسجل ذلك التسابق المحموم على الفرقة الناجية مولية دبرها الفرقَ الهالكة، هي في الحقيقة تدوِّن أيضاً حركات المجتمع وتقلبه، وتتحسس آلامه وآماله، وتكشف عن ضميره وعن عاطفته وتعقله، وإذا كان مما يؤخذ على التأريخ بشكل عام أنه يؤرخ للساسة والحكام والشخوص البارزة في المجتمعات، فإن هذه الروايات وأمثالها قد حفظت لنا قدراً جيداً من المادة التأريخية المتعلقة بأحوال المجتمع وعموم حياة الناس والعلاقة التي تربطهم، ونظرة بعضهم إلى بعض، إنها سجلّت مناطق نفوذ الآراء والأفكار في المجتمع، ونقاط تقاطعاته السياسية والاجتماعية، وبؤر خوفه من المجهول، وطرائق عيشه، ونحو ذلك.
وبالخلاصة إنك تستطيع أن تجمع قدراً كبيراً من المادة التأريخية للمجتمع في شتى مساربه؛ مما أخل به المؤرخ عن قصد أو عدم قصد.

  1. آلية الحفاظ على الذات:

أساساً قد جاءت رواية الفرقة الناجية –حسب رأينا– لتحافظ على الذات من الذوبان في الآخر، وبالتالي ابتكرت الفرق الكثير من الأساليب لذلك، سواء بالتأليف العلمي، أو الدعوة في المجتمعات، أو الحشد الجماعي من الأنصار، أو أساليب الخطابة والمنبر، وفي وقتنا هذا يدخل في ذلك الجريدة والكتاب والإذاعة والتلفزة الفضائية والإنترنت والهاتف النقال، كل هذه الأساليب نشطت فيها كل فرقة للحفاظ على “فرقتها الناجية”؛ أي الحفاظ على ذاتها.
إذا كان في ذلك الكثير من الأخطاء والغلو في ممارسته عند الفرق حتى فاتت العديد من مصالح الأمة، فإنه في الوقت ذاته يمكن أن نجد فيه سبيلاً للحفاظ على الذات في مقابل التحولات الحضارية الهائلة التي تشهدها البشرية الآن، وبكل تأكيد لا ندعو ونحن نحافظ على ذاتنا عالمياً إلى سلوك أساليب الفرق الفظة، إلا أننا نجد الكثير من القدرات والإمكانات فيها لتطويرها وحشدها بأسلوب متزن متعقل.

  1. دراسة علم النفس الجمعي:

علم النفس الجمعي هو أحد فروع علم النفس المهمة، وكل من يريد أن يفهم أي مجتمع، أو يندمج فيه، أو يأثر عليه، أو يسيطر عليه، فإن بوابته هذا العلم، حيث يقوم بدراسة المجتمعات، وبجمع عينات وقائعها، ثم يقوم بتصنيفها وتحليلها، ليخرج من ذلك بمادة تساعده على فهم هذا المجتمع كيف يفكر؟ وكيف يتحرك؟ وما هي العلاقات المنظمة له؟.
بل إن علم النفس الجمعي يذهب إلى أبعد من ذلك، حيث تستغله الدول لفهم أفراد مجتمعها وكيف يفكر، بغية الوصول إلى سلاسة انقياده، والأخطر من ذلك عندما يرصد أي مجتمع من قبل مناوئيه بهدف التأثير على رأيه العام، وهذا ما نلاحظه في الحروب الباردة التي تسبق الحروب الساخنة وتعقبها، بل الأكثر من ذلك عندما تدرس انفعالات المجتمع وطرائق مواجهته، فيتم تحديد أسلوب التعامل معه مبكراً.
بدون شك؛ إن لدينا حصيلة وافرة لدراسة ما شكّل عقلنا الجمعي؛ عمودياً وهو يتوغل في حقب التأريخ، أو أفقياً وهو يمتح في رقعة الأرض، سواء في الماضي أو الحاضر، إن هذه المادة يمكن أن تفيدنا كثيراً لو أحسنا استغلالها فيما يخدم وحدة الأمة ونهضتها، وتقارب مذاهبها وتآلف أتباعها وتراحم أبنائها، وهو ما يمكن أن نستنبطه بصورة أو أخرى من رواية الفرقة الناجية، ومن الآثار التي تركتها على الأمة.

  1. علمُ كلامٍ جديدٌ:

لدى الأمة علم كلام ضخم، لا نكون مبالغين إن قلنا بأنه لا يوجد مثله في دين من الأديان رغم تقدمها الزماني وسبقها المكاني، هذا العلم الكلامي كوّن لدينا فلسفة إسلامية، جعلها متميزة عن الفلسفات الأخرى كاليونانية ونحوها.
وكل علم من نتاج البشر له وعليه، إلا أننا نجد في علمنا الكلامي مناقشة واسعة للاحتجاج وقدرة هائلة على الاستنباط، كل هذا وضعنا أمام جزئيات دقيقة من تفكيرنا العقدي، بل على وعي قوي بمناطق الإيمان داخل النفس الإنسانية.
إننا يمكن أن نحمل هذا العلم لضخه في الحوار الثقافي والفكري مع الأمم والأديان الأخرى، فعندنا مكنة علمية تجعلنا لا نهاب من ميراث الأمم، بل تكونت لدينا عبر تأريخنا الكلامي الكثير من الخبرات المهمة في التعامل مع الآخر نظرياً وواقعياً، وهذا ما يمكن أيضاً أن نفعّله في حماية بيتنا الإسلامي الكبير من الغزو الثقافي المفروض بآلة العولمة، فعلينا أن نصوغ علم كلام جديداً موجهاً نحو رياح العولمة لنستفيد منه إسلامياً، علم كلام يقوم على أنقاض علم الكلام القديم الذي وجهت نصاله إلى نحور المسلمين؛ من قبل بعضهم البعض.

  1. علم البيان والمعاني:

إذا كان علم الكلام وهو يبني براهينه يستخدم الحجج العقلية بقصد إقناع الغير بها؛ فإن علم البيان والمعاني يستخدم اللغة وتصريفاتها للتأثير على النفس الإنسانية، وإن كانت العربية –وعاء العلوم الإسلامية– بطبيعتها تحمل البيان والإيضاح، فإن الجدال الدائر بين طوائف الأمة وهي تنتصر لفرقتها الناجية، قد أعطى العربية قدراً كبيراً من الجدل المؤثر في الآخر وعليه.
ويأتي الشعر في مقدمة علم البيان، حيث استغل في نصرة الآراء، والإعلاء من شأن الرموز، والإقلال من شأن الخصوم، وإلى حدِّ الآن حسب تقديري لم ينزل بالشعر أرض الواقع لخدمة العقيدة والقيم الرائعة التي جاء بها الإسلام بالقدر المطلوب، وكأن الشعر قد كتب له أن يهيم بعيداً عن ساحة الإيمان، ونرى أنه قد جاء الوقت لحفز القيم الإنسانية العليا التي نادى بها الإسلام عبر قوالب الشعر البيانية المؤثرة.
وكان أيضاً للقصة دورها، حتى عرف تأريخنا الفكري القُصّاص الذين اعتمدت عليهم المذاهب كثيراً في نصرة آرائها، وقد ارتفع البيان القصصي في أحايين كثيرة إلى نصوص منسوبة إلى النبي عليه السلام، وهذا يدل على قوة اللغة المستخدمة، حتى استطاعت أن تؤسِّس لنص يلتبس على المتلقي بينه وبين كلام النبي عليه السلام.
والإيجاز اللغوي الذي تمتع به الجدل الفقهي والعقدي لدى فطاحلة المذاهب البيانيين، سبك قوالب جزلة من البيان المؤثر جداً، حتى أنه يصدق على صاحبه أنه أوتي فصل الخطاب.
والتحليل اللغوي؛ لفظاً ومعنى، استخدم إلى أقصى مداه في سبيل تشييد الحجة عن طريق الجدل البياني، حيث أشبعت الألفاظ بحثاً، سواء عن طريق استخدامات القرآن المختلفة، أو استعمال العرب في أشعارها، أو عن طريق تفتيت الكلمة إلى جذورها الأولى، ومن يقرأ كتب التفسير وأسفار علم الكلام وموسوعات الفقه يجد آية ما نقوله، بل تجاوز الرسم البياني المتنافس بين الأفراق هذه الأسفار إلى ولوجه قواميس اللغة ذاتها.
إن دراسة هذه القضايا أمر مهم لنرى مدى التطور اللغوي الذي قدمه هذا الصراع الملتهب بين أفراق الأمة.

  1. دراسة خط التكفير والغلو الديني:

إننا الآن في عصر نقل الخبر لحظة بلحظة؛ نرقب عن كثب ما تعاني منه الأمة الإسلامية، بل الإنسانية، من آثار التكفير والغلو في الدين، وهو ليس وصمة لحقت بعض المسلمين بسبب بيئتهم المسلمة، بل هو نزعة نفسية تولدها الكثير من الظروف المصاحبة للتغيّر الإنساني، ولكن بدون ريب فإن المسلمين عبر مراحل تأريخيهم كان لهم نصيب وافٍ من الغلو والتكفير، ولّده في الأساس افتراق الأمة إلى مذاهب متصارعة.
إن دراسة خط التكفير والغلو عندنا معاشر المسلمين منذ نشأت الفتنة وحتى اليوم بموضوعية وعدم انتصار للذات، ثم تحليل هذا الخط، والنظر في مواضع صعوده وخفوته، وإيجاد الحلول العملية لتلافيه، سيقدم خدمة جليلة للأمة، وللبشرية قاطبة، لتجنب الغلو والتطرف.
ولعلنا قد نستطيع أن ننتج فرعاً جديداً ثرياً من فروع علم النفس أو علم الاجتماع في علاج الغلو والتطرف والقضاء على التكفير، بدلاً من التلاسن الإعلامي بين أنصار الأفكار، ورمي كل جهة أختها بالتشدد، وتتملص هي منه، على حدّ المثل القائل: رمتني بدائها وانسلّت. أتصور أن غنى تأريخنا الإسلامي بالشواهد في هذا الجانب فعلاً يمكن أن يُنشأ منه علماً نافعاً في سبيل القضاء على الغلو والتطرف فيما لو استخدمنا طرائق العلم الصحيحة، وفي مقدمتها الموضوعية والأمانة العلمية.

  1. مواجهة الاستغلال العلماني للصراع المذهبي:

بداية لا أقصد بالمواجهة هي الحدّية والإقصاء وإلغاء الآخر، ولو كان علمانياً، فالعلمانية كغيرها من المناهج البشرية فيها ما يؤخذ وما يرفض، لكن بطبيعة كوننا متدينين مسلمين نرفض أن تحل المناهج العلمانية محل المنهج الإلهي، لفاصلة مهمة جداً، وهي أن الإسلام يعتمد التنزيل الإلهي والعقل الإنساني معاً لبناء المدنية، بينما العلمانية تصادر التنزيل الإلهي، وبذلك ينخفض منسوب الضمير الإنساني الحارس للعقل الذي تنادي به العلمانية، على كل حال لسنا في موقع تحليلي لهذه الحيثية، وإنما أردت أن أبيّن مفهوم المواجهة، حيث فعلاً توجد مواجهة بين العلمانية والدين في ساحتنا الإسلامية، وهذا في حدِّ ذاته ليس أمراً سلبياً، بل هو من سنن التدافع، كما أنه يجعلنا نعيد قراءة تديننا المرة تلو المرة، وهو ما يعود بالفائدة على خط تديننا وتفاعلنا البشري؛ ثقافة وسلوكاً.
إذن هي مواجهة في ساحة الفكر والعلم، إلا أننا إن كنا نقرّ من جهتنا بوجود مصادرة لدينا للآخر القريب، وأقصد بين المذاهب الإسلامية، فإنه أيضاً توجد عندنا مصادرة للآخر البعيد كالعلماني، وفي المقابل توجد مصادرة وغلو لدى العلمانيين اتجاه الدين والتدين، ولا سيما اتجاه الإسلام والمسلمين، بل تصل هذه المواجهة إلى حدِّ التطرف العلماني، وذلك عند وصم المتدين بالتخلف والغباء والرجعية والعته ونحو ذلك، ووصم الدين بأنه قد تجاوزه الزمن، وأن الأحكام التي أنزلها رب السموات والأرض هي موقوتة بزمن التنزيل، وبذلك نشأ عند العلمانيين نظرية “زمنية النص الديني”.
إننا نلحظ بوضوح ذلك الاستغلال العلماني للخلافات المذهبية بين المسلمين لأجل الطعن في الدين، وأصبح يوجد من ينادي بالعلمانية بديلاً عن الدين في مجتمعاتنا لإطفاء فتيل القنبلة الطائفية الموقوتة، إننا ولا ريب نهيب بوضع الخطط والدراسات التي تقضي على التعصب المذهبي المقيت، لكن في الوقت نفسه نرفض الاستغلال العلماني للمشكلة بهذه الصورة، بل ونرفض الطرح الذي يبغي أن يحل العلمانية محل الإسلام.
إن الثراء الكامن في التنافس على الفرقة الناجية يمكن الاستفادة منه في هذه المواجهة مع العلمانية، وبذلك نفوت عليها الفرصة، وتستفيد منه الأمة في صناعة مناهج قادرة على النهوض بها، وعلى قيادة البشرية في تطورها السريع بكلمة الله الخالدة.

  1. علم مواجهة أزمات الصراع البشري:

لا أظن أنه توجد أزمة في الأمة أسوأ من أزمة الفرقة والتناحر والاقتتال فيما بينها، ولا أطول منها على مر التأريخ الإنساني، وهي تجربة مؤلمة بيد أنها ثرية وعميقة جداً، لو استطعنا أن نتجاوز آلامها ونبني على الأجزاء الصالحة من عمقها، لكُنا بذلك قد خدمنا الأمة من جهة، وقدمنا للبشرية حلولاً جيدة في هذه الناحية من جهة أخرى.
لا يكمن النجاح البشري الآن في تخطي الأزمة، بل في استغلالها والاستفادة منها، وتحويلها إلى مواطن قوة، وهذا ما نطمح إليه في هذه الأزمة المزمنة.
لو جندنا إمكاناتنا البشرية والعلمية والفكرية في دراسة هذه الأزمة، وخرجنا بعلاج ناجع لتخطيها، ووضعنا هذا العلاج في متناول الأيدي على هيئة دراسات بحثية ونظريات علمية وأساليب عملية سنكون بذلك قد خدمنا البشرية خدمة جليلة، وقدمنا لها حلاً يعالج مواضع من أدوائها وعللها.

  1. المواءمة بين الهوية والشخصية:

نقصد بالهوية الإطار المرجعي الذي يجب أن يلتزمه الفرد أو المجتمع في شتى نواحي حياته؛ بدأ بالمعتقد والإيمان، وانتهاءً بالسلوك والعمل، مروراً بالأخلاق والقيم، وهذا الإطار المرجعي –لدينا نحن المسلمين– محفوظ بحفظ كتاب الله، ولذلك لا نخشى على هويتنا عواصف العولمة وأعاصير التغيير، لأن الله قد تكفل بحفظ كتابه المجيد حين قال سبحانه: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) الحجر:9، وقال: ((إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ)) القيامة:17.
وعلى هذا فالهوية مرتبطة بالثبات وعدم التغيّر، والهوية الإسلامية متعالية عن الخصوصية الاجتماعية، فهي تراعي الثوابت دون أن تعرقل حركة المتغيّرات، وتحفظ الكليات دون إلغاء الجزئيات.
أما الشخصية فنقصد بها الخصائص التي يحملها الفرد أو المجتمع فتميّزه عن غيره، وهذه الخصائص يجوز عليها الثبات والتغيّر، بل هي تنحو إلى التغير وإن ببطء، ولذلك تحتاج إلى إطار مرجعي حتى لا تذوب هويتها، وتفقد صلتها بدين الله، ولذلك يجب أن تكون مأطرة بإطار الهوية الإسلامية.
وهذا يتضح في أن الإسلام يحفظ دين الفرد والمجتمع دون أن يجعله مذهبياً أو عنصرياً أو قطرياً أو قبلياً أو نحو ذلك، وإنما الشخصية هي التي تحفظ ذلك.
والإسلام لم يأتِ ليصادر الخصوصيات الشخصية، فلكل مجتمع شخصيته الفكرية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
وبالحقيقة فقد استطاعت الفرق الإسلامية وهي في حمى السباق المذهبي أن تحافظ على هويتها الإسلامية، فلم يخرجها ذلك عن إسلامها، كما قد ضمن لكل مذهب شخصيته وخصوصيته، ونحن في دعوتنا إلى التقارب والتآلف والتوحد لا نسعى إلى إلغاء هذه الشخصية الخاصة بكل مذهب، فهي تضمن التنوع والتكامل، بل ندعو إلى أن نستظل جميعنا بهويتنا الإسلامية، وأن نقوم بالمواءمة بين هويتنا وشخصيتنا، فإذا استطعنا أن نحقق هذه المعادلة الصعبة، ونرجو أن نكون قد قطعنا شوطها الأطول، فإننا بذلك نكون قد مهدنا لأنفسنا أن ندخل فضاء العولمة بكل اقتدار غير هيابين ولا وجلين، إننا سيكون لنا موقعنا البارز على خارطة العالم دون أن نفقد هويتنا، بل سنحافظ على شخصيتنا الخاصة.
إن هذا الطرح يمكن أن نصوغه في نظريات قابله للتطبيق لنطرحه في عالم اليوم المتزاحم بالأفكار المؤدلجة، والمتصارع بالثقافات المختلفة، إن قيام نظرية بهذا الشأن لهو من الضرورة بمكان، حيث نستطيع أن نقدم حلاً للتغول العولمي الذي يسعى إلى طمس الهويات والشخصيات على حدٍّ سواء، فهناك هوية إنسانية يجب أن يتفق عليها عالمياً بين كل الشعوب، يجب أن تصاغ من كافة الأطراف، لا تفرض فرضاً من جهة أو أخرى، وهنالك أيضاً شخصيات خصوصية تحمل سمة كل مجتمع ودين وإقليم يجب أن لا يعتدى عليها، وأن لا تحمل على التغير إلا بمقدار الهوية الكلية للبشرية المنطلقة من الفطرة التي فطر الله عليها الكون والناس، ويترك التغيّر في الخصوصيات خاضعاً لرؤى اجتماعية وظرفية تحددها كل جماعة بحسب قدرتها على التكيّف مع الأوضاع القائمة.
هذه بعض النماذج لما يمكن أن نستفيده من فقه رواية الفرقة الناجية على سبيل المثال لا الحصر، وإلا فإن هناك الكثير مما يمكن أن يستنبط منها، وأن يُفَعّل كذلك في دوائر الفكر والحوار والبحث والدارسة الموضوعية.
وقبل الختام؛ أريد أن أبيّن أن تحليل الروايات لم يفقد من الساحة الفكرية كلية، بل هو موجود، وخاصة في هذه الآونة، إلا أنه إلى حدِّ الآن يعاني من بعض الملاحظات، منها:

  1. أنه يُعنى بالتفكيك دون البناء، وأقصد بذلك أن المشتغلين بدراسة الروايات يعمدون إلى تحليلها بغية الوصول إلى جذور نشأتها وكيفية تحركها وتطورها، دون العمل على الاستفادة منها في البناء الفكري والفقهعقدي الحضاري للأمة.
  2. أن أغلب المشتغلين بأبحاث التحليل الروائي يُنظر إليهم من قبل الضمير المسلم بتوجس؛ إما لتوجهاتهم العلمانية، أو لنقلهم دون غربلة من منظومات استشراقية، أو لاستخدامهم مناهج غربية غير مختمِرة ولا مختبَرة، ثم زجّوا تطبيقاتها بتكلف في التحليل الروائي، وأخيراً بعض هذه الكتابات لا تراعي القداسة الإسلامية حتى في القرآن الكريم ذاته.
  3. لا يزال الفقيه بعيداً عن القيام بدوره في تحليل الرواية، فضلاً عن الاستفادة منها في الاستنباط الفقهي والإصلاح الفكري والبناء الاجتماعي، ويعود هذا إلى أن الفقيه لا يزال يؤمن بأن التجديد يكمن في الوسائل والفروع التطبيقية دون الأصول المنهجية، وفي عودة الأمة إلى فقهها القائم منذ مئات السنين، دون الشعور بالحاجة إلى مراجعة المادة المؤسِّسة لهذا الفقه؛ ثبوتاً واستنباطاً وتحليلاً وتطبيقاً.

والأكثر من ذلك أن الفقيه لا يزال يتوجس خيفة من نقد مناهج الاجتهاد الكلاسيكية وإصلاحها وتطويرها، ويرى في ذلك بأن أمر الفقه سيؤول إلى الانسلاخ عن النصوص الشرعية وإلى الميوعة الفكرية، وهو خوف نتفهمه، ولذلك ندعو بصدق الفقهاء المسلمين إلى القيام بدورهم في إعادة قراءة الروايات حتى يتلافوا مناطق الانزلاق بحسب الممارسات غير الرشيدة التي أشرت إليها أعلاه، وحتى نستطيع أيضاً الاستفادة من عالم الرواية، وكذلك الإفادة منها.
الخلاصة
لقد كان لرواية الفرقة الناجية أثرها على الأمة، وظهر فيها العرض والداء اللذان يلخصان أزمة الأمة، ولذلك وجب على الأمة أن تدرس هذه الرواية من جميع جهاتها، وأن تخرج منها بملاحظات موضوعية تستفيد منها.
والرواية قد وجدت عند العديد من أفراق الأمة، وقد جعلها كثيرون منهم أصلاً من أصول التشريع لتتمايز به الفرقة الناجية عن بقية الفرق الهالكة، فوقعت الأمة في فتنة التكفير والإقصاء والغلو.
وهذه الورقة لا تتنكر لهذه الحقيقة التأريخية، ولكنها تنظر إليها من زاوية التحليل والاستفادة من التجربة الإسلامية التي مرت بأدوار تأريخية مهمة وخطيرة في تعاملها مع تحديد الفرقة الناجية والفرق الهالكة، وليس من زاوية القبول أو الرفض.
لم تسع الورقة إلى إلغاء الرواية بل عملت أولاً على تحديد موقعها في الضمير المذهبي، ثم على عرض متنها على دلالات غير سندية، وفي مقدمتها كتاب الله وسنة رسوله ومنطق الإيمان وحركة التأريخ وروح التشريع، ومع الخروج بنتيجة مهمة أن الرواية لا تنبئ بغيب لاحق موحى به من الله تعالى، ولا تؤسس لتشريع يبقى حياً في حياة الأمة، إلا أنها لا تستبعد في أصلها أن تصدر عن النبي عليه السلام على سبيل التدبر القرآني والوعي التأريخي بالأمم والقدرة الفذة على استشراف التغيرات المستقبلية للمجتمع الإنساني.
وفي الختام خرجت الورقة بمجموعة من الملاحظات التي جاءت تحت عنصر “من فقه الرواية”؛ لكي تؤسس لعمل جديد في الموروث الروائي، الذي ترى فيه الورقة سجلاً حافلاً ومهماً لحياة الأمة لحظة التدوين، منذ رسول الله وحتى اكتماله، بل وحتى بعد اكتمال التدوين الروائي للمنطوق والفعل النبوي، فقد استمر التأريخ والفقه وعلم الكلام والأدب يدون حركة المجتمعات المسلمة حتى اليوم بطريقة في أغلب الأحيان غير مباشرة وغير مقصودة، ولذلك دعت الورقة إلى تشييد مباني علم التحليل الروائي، ليستفيد منه الفقيه وغيره بأقصى ما يمكن.
هذا؛ والله ولي التوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المراجع

  1. أحمد بن حجر العسقلاني، الكافي الشاف تخريج أحاديث الكشاف، دار المعرفة، بيروت.
  2. الجامع الأكبر للتراث الإسلامي، قرص إلكتروني: 9ME3X-NG62، إنتاج: شركة العريس للكمبيوتر وقناة المجد الفضائية، المملكة العربية السعودية.
  3. الربيع بن حبيب الفراهيدي، الجامع الصحيح: مسند الإمام الربيع بن حبيب، نشر: مكتبة مسقط، مسقط، ط. أولى، 1415هـ – 1994م.
  4. حسن بن علي السقاف، تنبيه الحذاق ببطلان حديث الافتراق، نشر بالإنترنت: موقع شبكة أنصار الصحابة المنتجبين.
  5. خميس بن راشد العدوي، قراءة في فقه مؤسسي المدرسة الإباضية، ورقة بحثية قدمت في مؤسسة الشيخ عمي سعيد، غرداية – الجزائر، شوال 1427هـ – نوفمبر 2006م، نشر بالإنترنت: موقع الشيخ عمي سعيد.
  6. زيد بن علي (إمام الزيدية)، المجموع الحديثي والفقهي، تحقيق: عبدالله بن حمود العزّي، نشر: مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية، عمّان، ط. أولى، 1422هـ – 2002م.
  7. زيد بن علي (إمام الزيدية)، مجموع كتب ورسائل الإمام الأعظم أمير المؤمنين زيد بن علي، جمع وتحقيق: إبراهيم يحيى الدّرسي الحمزي، نشر: مركز أهل البيت “ع” للدراسات الإسلامية، صعدة، ط. أولى، 1422هـ – 2001م.
  8. سالم بن حمود السيابي، العرى الوثيقة شرح كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة لعبدالله بن حميد السالمي، نشر بالإنترنت: موقع كوكب المعرفة.
  9. سليم بن عيد الهلالي، بشرى المشتاق بصحة حديث الافتراق، نشر بالإنترنت: موقع النصيحة.
  10. عبد المتعال الصعيدي، رسالة الإسلام، السنة الثالثة، العدد الثاني، نشر: مجمع البحوث الإسلامية بالآستانة الرضوية المقدسة، ومجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية، إيران، 1411هـ – 1991م.
  11. مالك وهبي، التكفير وحديث افتراق أمة الرسول “ص”، نشر عبر الإنترنت: موقع علم الإسلام.
  12. مجلة رسالة الإسلام، المجلد الأول، السنة الأولى (1–4)، نشر: مجمع البحوث الإسلامية بالآستانة الرضوية المقدسة، ومجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية، إيران، 1411هـ – 1991م.
  13. محمود بن عمر الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، دار المعرفة، بيروت.

الهوامش:
[1] منشور بعنوان: المجموع الحديثي والفقهي، تأليف: الإمام الأعظم زيد بن علي بن الحسين بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السلام، تحقيق: عبدالله بن حمود العزي، نشر: مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية، عمّان، ط أولى، 1422هـ–2002م.
[2] منشور بعنوان: مجموع كتب ورسائل الإمام الأعظم أمير المؤمنين زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم صلوات رب العالمين، جمع وتحقيق: إبراهيم يحيى الدرسي الحمزي، نشر: مركز أهل البيت “ع” للدراسات الإسلامية، صعدة، ط أولى، 1422هـ–2001م.
[3] منشور ضمن مجموع كتب ورسائل الإمام الأعظم، السابق ذكره.
[4] زيد بن علي، كتاب الصفوة؛ مجموع كتب ورسائل الإمام الأعظم، ص219.
[5] محمود بن عمر الزمخشري، الكشاف، ج2 ص50.
[6] فقد (رواه أبو داود والترمذي والحاكم وصححاه)، فلعل الزمخشري نقله من هؤلاء الرواة، انظر: السراج المنير للشربيني، تفسير الآية 159 من سورة الأنعام، الجامع الأكبر للتراث الإسلامي، وقد خرجه كذلك أحمد بن حجر العسقلاني من كتب الرواية عند أهل السنة، انظر: الكافي الشاف تخريج أحاديث الكشاف للعسقلاني، ص63، ملحق بالكشاف؛ ج4.
[7] رواه الربيع (41).
[8] رواه الربيع (40).
[9] قدمت هذه الورقة في الجمهورية الجزائرية؛ الإيام الدراسية العلمية: من الشيخ عمي سعيد بن علي الجربي (ت927 هـ/1521 م)، إلى الشيخ حمو بن موسى عمي سعيد (ت 1425هـ/ 2005 م)، مسيرة علمية تربوية اجتماعية دعوية رائدة ومتواصلة، (10–12 شوال  1427هـ/1–3، نوفمبر 2006م، غرداية.
[10] نحن نتحفظ على مفهوم القضاء والقدر بهذا الطرح، والورقة غير معنية بهذا الموضوع ولذلك لا نتطرق إليه، وإنما يكفي أن نشير بأن الآية الكريمة التي استشهد بها السيابي مناقضة لما استشهد له.
[11] سالم بن حمود السيابي، العرى الوثيقة، ص88.
[12] مالك وهبي، التكفير وحديث افتراق أمة الرسول “ص”، موقع (علم الإسلام) على الإنترنت.
[13] المرجع نفسه.
[14] مجمع الزوائد (799)، الجامع الأكبر للتراث الإسلامي.
[15] العراقي، تخريج أحاديث الإحياء، المرجع نفسه.
[16] مجمع الزوائد (12097)، المرجع نفسه.
[17] رواه البخاري (6930)، ومسلم (4740)، المرجع نفسه.
[18] رواه مسلم (2411)، المرجع نفسه.
[19] المستدرك على الصحيحين (10)، المرجع نفسه.
[20] مجمع الزوائد (841)، المرجع نفسه.
[21] جامع المسانيد والمراسيل (3599)، المرجع نفسه.
[22] العراقي، تخريج أحاديث الإحياء، المرجع نفسه.
[23] المصنوع في معرفة الحديث الموضوع (92)، المرجع نفسه.
[24] رواه البزار، المرجع نفسه.
[25] سليم بن عيد الهلالي، بشرى المشتاق بصحة حديث الافتراق، موقع النصيحة على الإنترنت.
[26] حسن بن علي السقاف، تنبيه الحذاق ببطلان حديث الافتراق، موقع شبكة أنصار الصحابة المنتجبين على الإنترنت.
[27] المرجع السابق.
[28] تأريخ نشر الدراسة: جمادى الآخرة 1370هـ- إبريل 1951م.
[29] عبدالمتعال الصعيدي، رسالة الإسلام، ص179، السنة الثالثة، العدد الثاني.
[30] رسالة الإسلام، المقدمة بدون ترقيم، المجلد الأول، السنة الأولى (1-4).
[31] رواه أحمد (11495)، الجامع الأكبر للتراث الإسلامي.
[32] رواه أحمد (18930)، المرجع نفسه.
[33] مجمع الزوائد (12254)، المرجع نفسه.
[34] ولعل هذا ما حاولت أن تستدركه بعض الروايات، ومنها: (وَتَفْتَرِقُ فِي اثْنَتَي عَشْرَةَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي الْهَاوِيَةِ إِلاَّ وَاحِدَةً هِيَ النَّاجِيَةُ).
[35] جامع المسانيد والمراسيل (16981)، المرجع نفسه.
[36] جامع المسانيد والمراسيل (19786)، المرجع نفسه.
[37] جامع المسانيد والمراسيل (5634)، المرجع نفسه.
[38] جامع المسانيد والمراسيل (13113)، المرجع نفسه.
[39] رواه البيهقي (17122)، المرجع نفسه.
[40] جامع المسانيد والمراسيل (8601)، المرجع نفسه، وهذا جزء من حديث طويل جداً موقوف على الإمام علي بن أبي طالب.
[41] جامع المسانيد والمراسيل (5629)، المرجع نفسه.
[42] جامع المسانيد والمراسيل (5632)، المرجع نفسه.
[43] مالك وهبي، التكفير وحديث افتراق أمة الرسول “ص”، موقع (علم الإسلام) على الإنترنت.
[44] المرجع نفسه.
[45] كنز العمال (1060)، الجامع الأكبر للتراث الإسلامي.
[46] كنز العمال (1642)، المرجع نفسه.
[47] رواه الطبراني، المعجم الكبير (91)، المرجه نفسه.
[48] مجمع الزوائد (704)، المرجع نفسه.
[49] رواه أبو يعلى (4130)، المرجع نفسه.
[50] رواه أبو يعلى (2461)، المرجع نفسه.
[51] رواه البخاري (1863)، المرجع نفسه.
[52] المقاصد الحسنة (340)، المرجع نفسه.

استجابات