(إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ، وَلَا يَسْتَثْنُونَ) (القلم: ۱۷-۱۸)
قصة أصحاب الجنة توجه رسالة، لكنها رسالة بأسلوب مختلف عن الدعوة للتأمل والتفكر والمراجعة «لعلهم يهتدون». كانوا جماعة منعمين، يملكون «جنّة» غناء وافرة، لكنهم تحالفوا على الطغيان والأنانية، فعزموا على سلب الحق المعلوم للسائل والمحروم، خطّطوا لمنع الماعون، وقطع سبيل الخير والرحمة لأجل حصد المزيد من الأموال والاستحواذ على نصيب المحتاجين، والانتفاع بحقوق المساكين، إلا أن الأمور انتهت بخاتمة مأساوية أفقدتهم جنتهم التي يتفاخرون بها، ودفعوا ثمن سلوك الأثرة الذي تحركه منظومة الحرص والطمع والجشع.
في زمن التنزيل ، ترسل القصة رسائل ضمنية إلى أهل قريش، لتخبرهم بأنهم أصبحوا في دائرة البلاء، تماماً كأصحاب الجنّة، بلاؤهم بعثة محمد(ص)، فقد جاء بدعوة إحياء، جوهرها ليس تغيير عقيدتهم الشركية، فلقد جاء الدين أساسا ليحرر العقائد والناس معا، وقد أعلن محمّد بأنه ليس بمسيطر على أحد، ولا يكره في الدين، وإنما هي حركة إصلاحية ضرورية لا بد منها، لكنهم لا يقبلون الإصلاح، فاستفزّتهم دعوته لأنها تهدّد مصالحهم، وتضطرهم إلى إعادة ترتيب أوضاعهم، فإنه لا يستقيم معهم مسألة دعوته لتحرير العقول، واحترام الإنسان ، والنظر إلى الإنسان كإنسان بلا فرق في لونه أو عرقه أو دينه ، ولا يمكنهم القبول بإعادة الاعتبار للقيم والوفاء والأمانة وإلى استرجاع الفضائل التي غيبها طمع النفوس وجشعها وأنانيتها، لم يكن من السهل عليهم سماع صوت يستصرخ في وجه كل من يخالف مبادئ الرحمة والتكافل والعدالة الاجتماعية، ويطلق حملة لمحاربة الفساد والظلم والطغيان ويتطلع لبناء مجتمع المساواة والمعروف والكرامة ، والقيم والمآثر التي لا ينبغي أن تهفت أبداً على هذه الأرض المقدسة.
فأهل قريش هم أصحاب الجنة، جنتهم هي «الكعبة» البيت الحرام، الذي يُجبى إليه ثمرات كل شيء، موقعهم يحملهم مسؤولية إنسانية، ومن غير المقبول إطلاقاً أن تنحدر القيم في هذه البقعة المباركة، للدرجة التي يتأمرون بينهم «أن لا يَدْخُلَنَهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينُ) (القلم:٢٤)، فلقد خططوا أن يقفوا بالمرصاد أمام النبي (ص) وأطروحته الجديدة، خوفاً من أن يفشل جمعهم، ويقضي على مصالحهم وسلطانهم، ويحرمهم من نعمة «الجنة» والانتفاع من خيراتها لوحدهم، فحذرهم محبة ورأفة بهم من مصير «أصحاب الجنة».
إلا أنهم سلكوا مسلكهم، وأصروا أن يمنعوا حق «المسكين»، ودبروا المؤامرات «في ليل»، خوفاً أن يُسحب البساط من تحتهم، ولئلا تسود العدالة ويحكم «الميزان»، وتصان حقوق الناس، لم يعوا سيناريو القصة، وما علموا بأن قوى «الغيب» الجبارة تعمل في السر لصالح «المسكين»، ولأجل «القيم» المهدرة ولقهر قوى ”الظلام والبغي»، وحينما “تطوف عليهم ” فلن ينفعهم شيء، وسيندمون على فواتهم نداء «أوسطهم ” ولن يجديهم حينها تراجعهم واعترافهم بـ «ظلمهم» و «طغيانهم». كذلك العذاب.
في يومنا هناك نماذج كثيرة جدا كـ «أصحاب الجنة»، كجماعات التجار المستأثرين، وأصحاب رؤوس الأموال، والمتمذهبين المانعين حقوق المحتاجين إلا من غير أتباع مذهبهم، وآخرون.. إنه منهج الأثرة والإقصاء والتعالي والطغيان
فهل نعي الرسالة؟
استجابات