بعد التطوّر التكنولوجي الهائل، طرأت الحاجة للتجديد في وسائل وأساليب استنباط المعارف، وفي إعادة النظر إلى ما صدر من أحكام، بقصد حيازتها على المصداقية والقبول، وفي هذا المجال لا يمكن إنكار دور علم الإحصاء في معالجة الموضوعات الاجتماعية والإنسانية، والبحوث الفلسفية والنفسية، وفي إثبات العلوم الطبيعية وتصديق النظريات العلمية، فالأساليب الإحصائية أصبحت في عالم اليوم من الأعمدة الأساسية التي يركن إليها في التوصّل إلى حلول مناسبة قريبة من الواقع للكثير من المشاكل والقضايا التي تهمّ المجتمع، كقضايا الصحة والتعليم والزراعة والصناعة والتجارة.
يعرّف علم الإحصاء بأنّه علم تجميع المعطيات وتفسيرها، وبعبارة أخرى هو المنهج العلمي المعتمد لتقصّي الحقائق واستخلاص النتائج، والمنهج الإحصائي هو مجموعة من أساليب العمل تتوخّى التوصّل إلى مخرجات صادقة من خلال دراسة علاقات الارتباط بين المتغيّرات المختلفة، وإجراء المقارنات، ووضع الفروض والاختبارات الإحصائية كمقدّمات أساسية لتقديم تفسيرات منطقية وحلول علمية لما تعترض الباحث من مسائل ومشكلات، في ضوء متغيرات العصر وتطلّعات الناس وخبراتهم وآمالهم.
هذا الانفتاح الواسع للتطبيقات الإحصائية على كافة العلوم يجرّنا للتساؤل عن مدى إمكانية تطبيق الطريقة الإحصائية في علم الفقه واستنباط الأحكام الشرعية، فالسائد هو أنّ الأحكام – على مدى قرون وإلى يومنا هذا- تُستنبط من كتاب الله، أو من سنّة رسول الله أو بحصول إجماع الصحابة والتابعين، ثم اعتمد القياس في عصور متقدّمة، فأصبح بالإمكان إلحاق أمر ليس فيه حكم شرعي بآخر منصوص على حكمه لاتحاد العلة بينهما، كما اعتمد العقل لاحقاً وصار أداة يعتدّ بها في استنباط الأحكام الشرعية حين لا يكون ثمة نص شرعي، وفي أغلب الأحوال فإنّ الحكم الشرعي يعدّ موثوقا حين يصدر عن العلماء المجتهدين من أمة محمد رسول الله (ص).
لكنّ الملاحظ أنّ الفقه لم يزل يقف وراء نقولات سابقة لا يحيد عنها، ما يجعله -في بعض الأحيان- بعيدا كلّ البعد عن الواقع الاجتماعي والفعلي للأفراد والجماعات، وكأنّ الفقه والواقع يسيران في اتجاهين متعاكسين، وكأنّ الأحكام تتجاهل ما تقرّه الأبحاث العلمية، هذا الأمر يجعل الحاجة ماسّة لربط الفقه بالواقع المعاش وبحركة المجتمعات وتقدّم المعارف، فمعالجة المسائل من منظار المناهج العلمية المعاصرة من شأنه أن يساعد على التخلّي عن التأصيل الجاف النظري للأحكام الشرعية، ويهيئ لالتحام الفقه بالمنطق وسهولة اندماجه في قلوب العامة وبالأخص الشباب منهم.
إن التشريع الديني وهو ينطلق من النص أو الأدوات الاستنباطية الأخرى ينطلق من أن الحكم الشرعي هو إرادة ربانية لا حاجة اجتماعية، فكأن كل الأحكام تعبدية لا يوجد فيها تشريعات توصلية، ومع أن الفقهاء يقولون أن حكم الله يبتغي المصلحة إلا أنهم يجعلون الحكم نفسه دليلا عليها دون أن يعرضوه لأدوات تكشف تحقيق المصلحة من عدمها، فكأن ما توصلوا إليه هو حتما مراد الله ، وكأن المصلحة تظل ثابتة مرّ الدهور، ولهذا فهم لا يتصورون الحاجة لمتابعة ما أفتوا به على أرض الواقع هل هو نافع أم ضار؟ أصلح أم أفسد؟ أعان الناس وسهل حياتهم أم عسّر عليهم؟ فهم لا يفكرون بالمراجعة من خلال متابعة الآثار التي يمكن لعلم الإحصاء أن يكشفها لهم.
من هنا تبرز الحاجة إلى اعتماد أساليب ومناهج حديثة لاستنباط الأحكام، ومنها المناهج الإحصائية كجزء معتمد من وظائف “العقل” الذي أنيطت به مهمّة التشريع لدى البعض، هذه المناهج تُكوّن معطياتها ومادّتها من سبر دخائل الواقع والنبش في أعماقه، مع الأخذ بالاعتبار وجهة نظر الناس ومشاكلهم ومخاوفهم ومنافعهم ومضارهم فيما يحيط بهم من قضايا وأحوال، ثم استخلاص ما يقرّه العقلاء منهم تحقيقا لمصالحهم ودرءا لما يفسد أحوالهم، وفي زماننا المتقلّب والمتقدّم، فإنّ علم الإحصاء وحده يستطيع أن يقدّم قراءات دقيقة للقضايا المختلفة، وعلى ضوء هذه القراءات يمكن بناء قرارات سليمة وإصدار أحكام مناسبة، غالبا ما تكون صائبة، وفي ذات الوقت مقبولة عند المكلّفين.
الإحصاء علم واسع، يمكن أن يقوم مقام التسديد الإلهي أو ما يعرف بالوحي الذي ساند الأنبياء في اتخاذ قرارات سديدة، ساعدت على قبول دعوتهم ونجاحها، فلقد كان الوحي في زمن الأنبياء يأتي بتوصيات لمعالجة مشكلة، أو لتغيير واقع، أو لفرض أمر، آخذاً في الاعتبار ما يحيط بهذه المشكلة أو ذلك الواقع أو الأمر من ظروف وملابسات، فيقدّم الحلّ من نظرة إحصائيّة عليمة محيطة بكل التفاصيل وفاحصة لجميع المعطيات، فقوله تعالى –على سبيل المثال-: ” الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ” (الأنفال – 66) ، هذا التسديد جاء ليحل مشكلة عجز المؤمنين عن تنفيذ أمر سابق بأن يتكفل الواحد من المؤمنين بغلبة عشرة من الكافرين، ” يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ” (الأنفال- 65)، إذ لم يكن المؤمنون حينها قادرين على هذه المواجهة، فجاء الوحي بحلّ آخر بعد أن تغيّر الظرف الواقعي والنفسي وتبيّن صعوبة تطبيق الأمر السابق، ورضي منهم بأن يغلب المؤمن الواحد اثنين، وما كان ذلك ليكون لولا حصول العلم الواقعي (الإحصائي أو المسحي) بحال المؤمنين، وباستعدادهم النفسي والجسدي وبعد استقراء لوضعهم ولمتوسط قابليتهم، هذا العلم “وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً” هو سبب رئيسي لهذا التخفيف، وهكذا فقد كان الوحي الذي هو علم ربّاني من لدن حكيم عليم، هو الباب المتاح لحصول هذا العلم، أما بعد انقطاع الوحي، فعلى المشرّع أن يبتكر أساليب أخرى يبني عليها تشريعاته، ومن الممكن لمنهج الإحصاء أو الدراسات المسحيّة أن يحتلّ دورا رياديا مهما في هذا الجانب، لأنّه قادر على تقديم حقائق ونتائج مرضية وسليمة إلى حدّ كبير.
إذن كما أنّ الوحي يعلّم ويسدّد، فكذلك الإحصاء إن أسّس على مبادئ علمية نزيهة وشاملة يمكن أن يعلّم ويسدّد، وأولى هذه المبادئ مراعاة مقاصد الشريعة وغاياتها، لأنّ مقاصد الشريعة تعنى بروح الفعل وجوهره، وتبقي الحكم الشرعي في إطار المصلحة العامة، ثم لا بدّ أن تُستثمر المسوحات الإحصائية لتفعيل القيم الرفيعة والأخلاق الإنسانية وأن تنشد بلوغها، فلا تخرج عنها، لأنّ المراد والغاية أن يعين هذا العلم المرء على تحقيق حالة السلم مع نفسه، ومع من حوله، وأن يدفع باتجاه رفع العوائق التي تقف أمام سمو الإنسان ومصلحة المجتمعات.
ومع ذلك، فإنّ الإحصاء إن اعتمد في التشريع، فإنّه لا يسمح له أن يطال إلا الأحكام التي يمكن إعادة النظر فيها، فليس المراد الانقلاب على جميع ما جاءت به نصوص الفقه في الثوابت التي ليست مدار الاجتماع والسياسة المدنية، فالعبادات وما يرتبط بها من تفاصيل هي أمور غير قابلة للتغيير، لأنّها لا تتأثّر بتبدّل الزمان ولا بتغيّر المجتمعات وليست ذات علاقة تداولية بين الناس، وهي أشبه ما تكون بتشريعات مغلقة، واضحة في فلسفتها ومقاصدها وتامّة في موضوعها وتفصيلاتها، فأحكام الصلاة وعموم أحكام الصوم ومناسك الحجّ –في أصلها- أحكام ثابتة علّمها النبي (ص) لأمته، هدفها صنع إنسان صالح متوازن روحيا ونفسيا وبدنيا، والإنسان هو الإنسان، ما خفّت حاجته لتلك العبادات لينال منها القدر المطلوب من هذا التوازن، دون أن يعني ذلك حرمة المسّ ببعض الحيثيات والشكليات في العبادة بحسب ما يقتضيه تغير الظروف، كهيئة الطواف والرمي وكهندسة المساجد وأثر تدخل التقنيات في سعة المصلى وغيرها من أمور شكلية لا جوهرية.
لكن ما عدا ذلك، من قبيل فقه المعاملات وبعض الأحكام الجزائية، إضافة إلى ما يستحدثه العصر من مسائل وابتلاءات، ومن أحكام تقبل المراجعة وتحتمل التجديد، فإنّه من الممكن للمنهج الإحصائي ولنظام الاحتمالات أن يتناولها بالبحث والاستقصاء، وأن يقدّم حلولا مرضية ومناسبة، وأن يسنّ أحكاما شرعية أقرب للواقع ولطبيعة الإنسان واحتياجاته.
من الأمثلة التي يمكن للعلوم الإحصائية أن تبحثها، موضوع سن اليأس عند المرأة القرشية وغير القرشية، فالقرشية هي المرأة التي تنتسب إلى بني هاشم، والمشهور بين الفقهاء (الشيعة) أنَّ غير القرشيّة تبلغ سنَّ اليأس ببلوغها سنّ الخمسين، أمّا القرشية فببلوغها سنّ الستين، والمعلوم أنّ هذا الحكم يترتب عليه جملة أحكام تتعلّق بعبادة المرأة وعدّتها، وهو حكم مثبت ومتوارث في جميع كتب الفقه، ومرجعه روايات عن الأئمة والصالحين، وهو أيضاً موضع إجماع بين فقهاء الأمة، إلا أنّ المفارقة أنّ الواقع بدا أنّه لا يتوافق معه تماماً، ويؤكّد أنّ هذا الحكم -مع إطلاقه- ليس دقيقا، إذ أنّ كثيرا من النساء القرشيات وغير القرشيات ييأسنّ في سنّ مبكّرة، ربما في الأربعين أو حولها، كما أنّ كثيرا منهنّ لا ييأسنّ إلا بعد الستين بكثير قرشيات وغير قرشيات، الأمر برمته لم يخضع في يوم من الأيام للفحص أو الاستقراء، فلو تُقصّي الأمر وجُمِعَت الحقائق واستقرأ الواقع، بالاستناد إلى مسح إحصائي يدرس الحالة دراسة علمية، فمن الممكن أن تُستنبط قواعد أكثر دقّة ومصداقية، مبنية على المعطيات العلمية الدقيقة، وأن تُستخلص نتائج مختلفة، تربط الأمر بأسباب موضوعية أخرى غير النسب الهاشمي، مثل متغيّرات الظروف الزمانية والمكانية، وتأثيرات الأغذية والأجواء البيئية وغيرها، وربما التوصّل في نهاية الأمر أنّ الطمث حالة فردية لا علاقة لها البتة بالعرق فمن انقطع طمثها فهي يائس.
ولنأخذ مثلا آخر، مسألة سن الرشد، وهي أيضا قضية جدلية بين الفقهاء، فمنهم من يحدّده ببلوغ المرء الثامنة عشر، ومنهم من يقول أنّه قبل أو بعد ذلك، أما النصّ القرآني فمفتوح في هذه المسألة، إذ تذكر الآية في شأن اليتامى قوله تعالى: “وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ” (آل عمران -6)، فكيف يمكن أن نحدّد سنّا دقيقا للرشد العقلي الذي يعقب البلوغ الجنسي، وهل يمكن اعتماد معايير صادقة تعيّن الراشد، من خلال دراسة الحالة الذهنية للإنسان في هذه المرحلة، والاسترشاد برأي المختصين والباحثين الاجتماعيين والسيكولوجيين، ذلك بالتحديد ما تقوم به المسوحات الإحصائية أو العيّنات الاستقرائية، فهي تطرح عدداً من الأسئلة التي تدرس أحوال البالغ، وتختبر حسن تصرّفه في المشكلات، وقدرته على إدارة أحواله ورعاية شئون من حوله، وتمتحن صواب تفكيره، ورأيه في معالجة الموضوعات وإبداء الآراء، وغيرها من التقييمات التي تعين على اقتراح عمر مناسب للراشد، أو تحسمه وتجعله اختباراً فرديا يختلف من شخص لآخر بحسب تكوينه النفسي والبيئي، كما يمكن تجزئة سن الرشد بحسب مواضيعه فالراشد في التصرف في المال مثلا غير الراشد في تقرير موقفه من العقيدة التي يختارها لنفسه.
مثال أخر يمكن أن تعالجه العمليات الإحصائية، هو حدّ السرقة، إذ نقرأ قوله تعالى: “وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” (المائدة -38)، فقد أوصت الآية بقطع يد السارق، المراد هو قطع الطريق أمامه لكي لا يعود للسرقة، وفي ذلك اختلفت المذاهب، فمنها من رأى قطع كامل اليد، ومنها من اكتفى بقطع جزء منها، وفي الدين اليهودي يصيّر السارق عبدا لمن سرقه، أما في المذاهب الوضعية، فقد اعتمد السجن عقوبة للسارق، لكنّ السؤال أي تلك العقوبات أجدى وأكثر ردعا، أهو السجن أم قطع اليد أم غيرها، فإن أعيد دراسة هذه المسألة بحسب البيئة وبنية المجتمع، وخضعت للمنهج الإحصائي، فبُحثت ملابساتها ومعطياتها، ودُرِس أيّ العقوبات أنفع في تحسين سلوك اللصوص و”قطع أيديهم” عن السرقة، مع الاستهداء برأي علماء النفس والاجتماع، وكذلك رأي الناس الذين تعرّضوا للسرقة، مع الأخذ في الاعتبار أنّ الحدود في القرآن حدودية لا حدّية، وأنّه يمكن الذهاب إلى أقصاها بقطع يد السارق إن كان في ذلك ردعا له، لأنّ المراد من علم الإحصاء أن يفتح الأبواب أمام المشرّعين والقضاة لإصدار أحكام عادلة تساعد على معالجة مثل هذه المشكلات ضمن مقاصد الشريعة وغايات وروح الآية نفسها، ليس في مسائل السرقة فقط بل في غيرها من القضايا، تماما كما سيفعل الله بالناس جميعا في يوم الحساب، يوم نلقى كتابا ” لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً” (الكهف-49)، لأنّ القضاء العادل الذي لا جدال فيه مبني على مبدأ الإحصاء “يَوْمَ يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ” (المجادلة-6).
الأمثلة على ما يمكن لعلم الإحصاء أن يبتّ فيه من الأحكام الشرعية كثيرة، منها موضوع الطلاق، فدراسة هذا الموضوع إحصائيا يمكن أن يساعد على الحدّ من فوضى فتاوى الطلاق التي انتشرت بشكل كبير، ومعالجة الجهل الشائع بين الأزواج، ودرء حالات طلاق الغضب والطلاق التعسّفي، للمحافظة على حقوق الأفراد واستقرار المجتمع. ومنها موضوع الزواج بأنواعه وأشكاله المختلفة، والتي أصبحت مبتكرة في يومنا هذا، وأعطيت لها مسميات ظريفة مثل المسيار والمصياف والمسفار والفريند وغيرها، لكن كلّها لم تستند على أساس علمي موثوق، فلو تولّت جهات إحصائية دراسة هذا الأنواع من الزيجات، وتناولت آثارها على كلّ من الرجل والمرأة، ثم على الأبناء والأسر، لأمكن للمشرّع أن يفرض واقعاً آخر يحافظ على جوهر الزواج كرابطة مقدّسة مبنية على المودة والرحمة والسكن والاستقرار، وكوسيلة لغاية أخرى هي حفظ النسل وتربية الأجيال، فيقدّم بذلك حلاً يضبط تلك الأنواع ضمن المصلحة العامة.
اعتماد علم الإحصاء من شأنه أن يوسّع دائرة مصادر المعرفة، ويعين على بناء الأنظمة والتشريعات، مع الحفاظ على أصول الشريعة الثابتة وهوية الأمة، والدين طالما يؤكد على حجية العلم الواقعي ومنزلته وموثوقيته، وأهميته في تنظيم حياة الأمة وتشريعاتها، فإن اتصلت مراكز الإفتاء بمراكز البحث العلمي، قبل أن تصوغ فتوى أو تصدر حكماً، فإنها ستشرّع لا بحسب الموروثات السائدة التي مضى زمانها أو انتهت صلاحيّتها، ولا وفق الظروف والأزمات، أو الميول النفسيّة، بل وفقا لمنطق العقل وطلبا للحقيقة والمصالح العامة، وسوف تظهر بحلية زاهية تتقبلها العقول قبل القلوب، وستتطوّر مع تطوّر العلوم، مادامت لم تراوح حدود الأخلاق والعدل، وحدود الله المراعية للفطرة النقية.
استجابات