البيعة ممارسة سياسية في الإسلام، اختطها الرسول (ص) وأثبتها القرآن، وسارت عليها الأمة، وأفسدتها الممارسة المنحرفة، حتى عادت فيها كمثل ” البو” يستدر به لبنها وهو أجوف. واليوم لا يعرف المسلمون من البيعة إلاّ بقايا ممارسات سياسية قديمة في بعض الدول، من أخذ البيعة من المسلمين لمن تولى عليهم، توطيدا.
للإدعاء بأن طاعتهم باتت واجبة شرعاً كطاعة الله ورسوله، ارتكازاً على قوله تعالى “أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم”، هذا هو المثبت في الأحكام السلطانية عند المسلمين، في دولهم التي كانت تتشبث بالشرعية الدينية، لتضم نفسها في مسرحية هزلية ضمن نسق دولة الرسول.
إن هذا المفهوم الأجوف اليوم للبيعة لم يكن كذلك في أيام الرسول (ص)، بل كان مفهوماً إسلامياً حيويا، أثبته القرآن في غير موضع ومارسه الرسول (ص) مراراً وتكراراً، وهو في الإسلام يعني باب الشرعية لأي عمل سياسي جماعي، ويعني الكثير مما قتلته السياسات الفاسدة التي استبدت بالسلطان دون الأمة. إن أول ما ينبغي الالتفات إليه، أن مفهوم البيعة يثبت المبدأ العظيم الذي قامت عليه كل الأنظمة الديمقراطية اليوم، وهو أن “السلطان للأمة” فلا يحق لأحدٍ أن يتولى عليها بغير رضاها، وهو مفهوم متفرع من مبدأ أعظم وأشمل منه ألا وهو مبدأ الحرية، وأن “لا إكراه في الدين”.
إن مبدأ البيعة حسم مبكراً، النزاع الذي لا يزال دائرا حتى اليوم بين المسلمين، هل الدولة في الإسلام مدنية تتبع اختيار الناس أم دينية يتولاها الإمام أو الخليفة بأمر من الله؟ لقد مضى المسلمون طوال تاريخهم في الطريق الثاني، فادّعى الخلفاء أنهم إنما يحكمون الناس باسم الله والدين، وأن لهم على الناس الطاعة الواجبة، وعندهم لمن عصاهم العصا المقدسة، فصار كل خارج عليهم خارج على الدين، وكل عاص لهم عاص لله، وكل مخالف لهم شاق لعصى الأمة، في الوقت الذي كان كل تاريخ السيرة النبوية يكرس حق الأمة في الاختيار، وأن لاحق حتى للرسول (ص) أن يسير بالناس فيما لم يتعاقدوا عليه معه، وإن كانوا آثمين في مخالفته بصفته نبيا!!
أسس الإسلام هذا المفهوم الجديد: البيعة، كأساس للعمل السياسي والاجتماعي المنظم، فهو واجب في كل تعاقد سياسي اجتماعي جماعي، كالدولة والحزب، فقد أخذ النبي (ص) لنفسه البيعة حينما كان حزباً يناضل نحو التغيير، وأخذها عند تأسيس دولة المدينة. ولم يأخذها من المسلمين قبل تكوين الجماعة، ذلك أن الدخول في الإسلام لا يتطلب إلاّ الشهادتين، وهو لا يعني بالضرورة الدخول في جماعة المسلمين يومها، ولا هو كذلك اليوم، فالدخول في الإسلام شيء، والدخول في تجمع لمسلمين على برنامج شيء آخر، فقد كان للجماعة حول الرسول برنامج عمل، تنوع وتغير ونقص وزاد عبر مسيرتهم التاريخية، وكان الرسول (ص) يجدد البيعة عند كل منعطف جديد في تاريخ الجماعة، إثباتا منه (ص) لسلطان الأمة، وأن لا يحق لأحد بعده أن يفرض عليها شأنا، لم تعقد هي له الولاية عليها فيه. إن البيعة في الإسلام لها ثلاثة أطراف المبايَع والمبايع وموضوع البيعة، فلابد أن تكون الأطراف الثلاثة معلومة وجليّة ومؤهلة وصالحة للمبايعة، فللمبايعَ (بالفتح) شروط ينبغي أن تكون محددة لإثبات الأهلية بحسب الموضوع المراد التصدي له، إن كان قيادة الأمة أو قيادة الحزب أو غيره، وللمبايعِ (بالكسر) شروط كذلك، فالمبايع يجب أن يكون أهلاً لمثل هذه العقود من حيث السن والوعي، ولمحتوى البيعة شروط أيضاً، منها أن يكون معلوما ومحدداً وممكناً، فليس عبثاً سميت مبايعة، فإنما سميت كذلك لتستمد صفاتها من عقود البيع، فللبائع والمشتري شروط وللمبيع شروط، ينبغي توافرها بأشد ما يمكن في عقد البيعة نظراً لأهمية هذا العقد، فكما أنه لا يجوز بيع المجهول أو الفاسد بغير بيان فساده، أو غير المعين بمكيال أو وزن، فكذلك ينبغي أن لا يكون عقد البيعة قائم على العموميات غير المحددة تحديدا يخرجها عن دائرة الجهالة، كأن تقوم البيعة اليوم على العمل وفقا للكتاب والسنة، فإن مثل هذا الموضوع لم يعد بالوضوح الذي كانا عليه أيام أبي بكر الصديق (رض) فالكتاب والسنة اليوم أمران يحتويان كل متناقضات المسلمين المذهبية والسياسية، وهو اليوم اشد إبهاما من بيع السمك وهو في البحر، فلا بد أن يراعى في صحة البيعة ما يراعى في صحة عقود البيع وبأشد الاحتراز، لجلالة قدر عقد البيعة قياسا لعقد البيع. إن النبي (ص) في كل بيعة كان يحدد محتوى العقد تحديداً واضحاً، هل هو الالتزام بأصول الجماعة الإسلامية كجماعة كما في مثل بيعة النساء من الإيمان والإخلاص للجماعة وللرسول، أو هو النصرة والمنعة والدفاع ضد الغزاة للمدينة المنورة كما في بيعة العقبة الثانية، أو هو البيعة على الصبر حتى الموت كما في بيعة الرضوان، فكل بيعات النبي (ص) كانت محددة ومفصلة، لا كما صار يطلب من المسلمين بعدها: البيعة على السمع والطاعة دون تحديد المسموع والمطاع تحديدا يخرجه عن الإبهام وتعدد الاحتمال.
إن من أهم ما ينبغي الالتفات إليه اليوم في أمر البيعة ما يلي:
أولاً: إنه لا يحق للحركات الإسلامية، أن تفرض على المسلمين دولة إسلامية، قبل أخذ البيعة من عامتهم على هذا الأمر، فالسلطان يظل للأمة، وكونها مسلمة شيء، وقبولها بنظام سياسي يسمى إسلامياً شيء آخر، فلا بد من الاستفتاء أولاً؛ هل يريدون دولة إسلامية كما يعبرون اليوم؟ فإن قالوا نعم بغالبيتهم؛ جاز الدخول بعد ذلك في بقية التفاصيل، لتحديد طبيعة هذا النظام السياسي، وإن قالوا لا، تركت الأمة وما اختارت، سواءً أحسنت أم أساءت، فحساب الناس على الله، وإنما على الدعاة البلاغ أسوة بسيد الأنبياء.
ثانياً: ينبغي تخليص مفهوم البيعة من شوائب التاريخ التي أفسدته، والتمسك بالصحيح منها فقط، فأخذ البيعة من الجميع متيسر اليوم، والوعي بالإسلام والسياسة متاح للجميع، فلا ينبغي التقليل من شأن العامة لصالح الخاصة، أو كما يسمون أهل الحل والعقد، فلا داعي لتجزئة البيعة إلى قسمين: بيعة الانعقاد لأهل الحل والعقد، وبيعة الطاعة أو البيعة العامة لسائر المسلمين، فلا يكون اختيار المسلمين إلاّ من خلال اختيار طبقة الشيوخ (أهل الحل والعقد) فهذه كانت في صدر الإسلام، لأن الإسلام لا يزال دعوة وغالبية المسلمين حديثي عهد بالدين وثقافته، فكان الأمر يقوم على اختيار الصحابة والتابعين من العارفين بالأفراد في بيعة خاصة، ثم يعلن اختيارهم للناس لطلب البيعة العامة، فتكون بيعة العامة مجرد تصديق على بيعة الخاصة، بل لم يكن ممكنا يومها أخذ رأي كل الخاصة، فكان الأمر يقتصر على من وجد منهم في دار الخلافة، ثم يعلن اختيارهم لبقية الأمصار، فلا يكون لهم حق في الاعتراض، و حيث كذلك لم يكن أمر الاقتراع العام ممكناً يومها للافتقار لوسائل الاتصال و الإعلام والدعاية والنشر،أما اليوم فينبغي احترام رأي العامة بعد أن صارت أخلاق الإسلام ومبادئه العامة معلومة للجميع، وصار أمر الاتصال والدعاية والنشر ميسرا.
ثالثاً: ينبغي التأكيد على أن البيعة، يجب أن تكون هي المقدمة المؤسسة لاستحقاق ولاية الأمر لا لاحقة عليه، فالذين يقولون إن ولي الأمر هو الذي يأخذ البيعة لنفسه، إنما يجعلون العربة أمام الحصان، وهم يشرّعون في الدين ما أسسه البغي والقهر، في سيرورة التاريخ الإسلامي كله، من خلال سلاطين الغلبة، فيستولي “ولي الأمر” على الأمر إما بالقوة أو الوراثة، ثم يطلب البيعة لنفسه، من غير أن يكون هناك تصويت سابق (بيعة) اختار الناس على أساسها نظاما وراثيا، إن هذا الأمر ليس من الإسلام في شيء، بل الحق أن من يريد التصدي لولاية الأمر، فعليه أن يعرض نفسه للمنصب ويبين للناس مؤهلاته وخططه وما يريد أن يعمل، سواء بنفسه أو من خلال حزبه ومريديه، ثم يجري الاقتراع في الناس ليختاروا من بين متعددين من يرونه أهلاً ، من دون اكراه، فإن بيعة المكره باطلة، أما إذا أردنا أن نشرع في الدين تاريخنا الجائر، فنسمح اليوم بكل طريقة تمت بها بيعة في تاريخ المسلمين فلن يصبح ليلنا إلاّ على ليل جديد.
رابعاً: إن محتوى البيعة قابل للتجدد والتغيير بحسب الزمان والحاجة، فاليوم لا يجب علينا أن نلتزم بما عهده الأولون من استمرار بقاء الخليفة حتى الموت، وعدم جواز عزله إلاّ إذا أرتكب “كفراً بواحاً عندنا من الله فيه برهان” (لاحظ التشدد)، أو أن نجعل كل السلطات في يديه، فالبيعة عقد بين متعاقدين، ولكن موضوعه ليس هو السمع والطاعة في كل شيء كما أراد منا التاريخ والمتشرعة، بل هو الالتزام بما جرى عليه التعاقد، ولقد أثبتت الأحداث مدى الكوارث والفساد الذي نتج عن استبداد الخلفاء بالحكم والقرار المنفرد.
خامساً: إذا ما جمعنا بين مبدأ البيعة ومبدأ الشورى، علمنا أن الطريق الصحيح للحكم في الآداب الإسلامية السياسية هي: تثبيت أن حق السلطان هو للأمة، وأنها هي فقط من له الحق في تضييق أو توسعة صلاحيات الخليفة أو الرئيس، وأن الواجب في الإسلام الاحتفاظ للأمة بحق الرأي إبداءً ونفاذاً. إن الصورة العصرية اليوم لتجسيد مبدأ البيعة هي الانتخابات الحرة بين متعددين، والصورة العصرية اليوم لتجسيد مبدأ الشورى هي المجالس النيابية، والصورة العصرية اليوم لمحتوى البيعة هي الدستور أولاً ثم البرامج الانتخابية ثانياً.
سادساً: لما كان اختيار طبيعة النظام هو حق للأمة كما قلنا بادئاً، فإن تحديد مصادر التشريع ومستوياتها هو من حق الأمة عبر ممثليها أيضاً، فإن اختيار الأمة نظام الجمهورية الإسلامية مثلاً، كان من الطبيعي أن يجعل مصادر تشريعها إسلامية، وبالدرجة والكيفية التي تناسبها وتناسب وضعها الثقافي والدولي، ولكن كل ذلك ينبغي أن يكون بعيداً عن الموروث السياسي التاريخي للمسلمين، فلا ينبغي معاملة غير المسلمين على أنهم أهل ذمة، استصحاباً للتاريخ الذي كان فيه الصراع بين الناس دينياً، فأهل الكتاب وسائر غير المسلمين هم مواطنون لم يحاربوا الدولة الجديدة، ولا علاقة لهم بأهل الكتاب والمشركين الذين قاتلوا النبي أو الدولة الإسلامية الأولى، بل إن هؤلاء قد يكونون ممن أسهم في إنشاء الدولة الجديدة ، فيبغي التعامل معهم كما تعامل النبي (ص) مع اليهود في دولة المدينة قبل أن يخونوا و يغدروا، فإنما تشدد الإسلام معهم مع الغدر والخيانة، والمفهوم الحديث للدولة يجعل كل المواطنين سواء أمام القانون، وفي العهد النبوي الأول في المدينة فصل النبي (ص) بين الدين والدولة، فجعل الدولة للجميع مسلمين ويهود ومشركين، ماداموا مسالمين ملتزمين بإرادة الأغلبية، وجعل المشترك السياسي بين الجميع هو الدفاع عن الدولة الجديدة (أرض المدينة) ولهذا فقد كان واجباً على اليهود والمشركين والمسلمين الدفاع عنها في غزوة أحد والخندق، ولم يكن واجباً على غير المسلمين الخروج لقتال أهل مكة في بدر، حيث كان الحال الأول دفاعا عن الدولة، والحال الثاني شأن يخص المسلمين وحدهم، ويومها كان مثل هذا التفريق ممكنا.
سابعـاً: إن كل التطورات السياسية الحديثة، في الدولة والنظام السياسي، يمكن الاستفادة منها في التطوير العملي، لمبدأي الشورى والبيعة، اللذين أثبتهما الإسلام كقاعدتين للدولة والسياسة، بما فيها حق البرلمانات تولي التشريع الداخل في نطاق “وأمرهم” ضمن الأطر العامة للدين والإنسانية، والخارج عن نطاق العبادات والأخلاق والعقائد، فكلمة “وأمرهم” تتضمن كل الشئون السياسية والاقتصادية والتعليمية والقضائية وغيرها، فكل متغير متجدد هو ضمن “أمرهم” وأما ما اختصه الله لنفسه من عبادات العباد وعقائدهم وخصوصياتهم معه، فلا دخل للدولة فيه وإنما عليها أن تسهل عليهم القيام بما يعتقدون من دين وشعائر بما يحفظ للناس خصوصياتهم.
ثامناً: إن مبدأ البيعة قد حسم أمر حق المرأة في التصويت، فقد أخذ الرسول (ص) بيعتها، بل إن هناك بيعة سميت بيعة النساء، فالذين يجادلون في حق المرأة في التصويت عليهم أن يراجعوا بيعة النساء وبيعة العقبة الثانية، حيث بايعت المرأة البيعتين، ولست أدري إن كانت بايعت الرضوان أم لم يطلب منها، وكانت بيعة العقبة الثانية تحتوي عهوداً بالنصرة والحماية والدفاع عن رسول الله، وقد صدقت النساء في بيعتهن حيث جاهدن وقاتلن وصابرن بما أتاحت لهن الظروف. وأما حق الترشح فالواجب أن يفصل هذا الحق عن طبيعة الجنس، إذ هو حق عام ولكنه في المآل يعود فرديّاً، فالفرد الذي يرشح نفسه لمنصب ما ينبغي أن ينظر إلى كفاءاته هو كفرد قادر على أداء الواجب المناط به، بغض النظر عن جنسه إذ ليس حقيقياً أن جنس الرجال قادر على أداء مهمات القيادة دون النساء، فهذه كفاءات فردية قد يتمتع بها رجل دون رجل أو امرأة دون رجل فالواجب وضع المواصفات والشروط دون النظر للجنس فمن كانت مؤهلاته وتجاربه تثبت أن له الأولوية قبل ترشحه، أعطي الحق في ذلك بغض النظر عن جنسه .وإنما شاع صلاحية الرجال أكثر من النساء في القيادة لما كانت تتطلبه في الماضي من القوة والجلد والسفر الشاق فكان عدد الأكفاء في الرجال بحسب الطبيعة الخلقية والمجتمعية، أكثر من عددهم في النساء، و اليوم اختلفت الظروف والمعايير والمتطلبات، فإذا ما وجدنا امرأة كفواً فلا ينبغي خسرانها لأنها امرأة، فقد أثبتت نساء كثيرات على مر التاريخ قدرات عالية في القيادة، فالأمر لا يتعلق بالحلال والحرام بل بالقدرة من عدمها، وأما اعتماد الحديث المنسوب للرسول(ص) ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة، فلا يجوز حمله على العموم، وإلا كان كاذبا، فقد كانت بلقيس سليمان أرشد وأنفع لقومها من فرعون موسى!.
استجابات