رغم سلامة المبادئ الأولى التي قامت عليها الكثير من النظريات الإعلامية إلا أنها لم تصمد أمام اختبار الواقع، وتعثرت عند تداخلها مع مصالح أصحاب الآلة الإعلامية. ففي كل المدارس الإعلامية حتى تلك التي ترمي لأن يكون الجمهور هم سادة هذه الآلة ومحركها الرئيسي بما يجعلها معبرة كليّةً عنه، وناطقة بلسانه، تبقى هناك مساحةٌ للتضليل والهيمنة، حيث لابد وأن تتبدى سلطة أعلى لأحد الأطراف حين نتحول من النظرية للتطبيق.
إنّ نظرية “النظام الإعلامي الحر” التي ظهرت في القرن السابع عشر في الدول التي شهدت ولادة أنظمة ديمقراطية في العالم الغربي، والتي نظّر لها أصحاب الأطروحات التحررية كجون لوك Locke، وستيوارت ميل S. Mill، وديفيد هيوم Hume، كانت تهدف إلى كسر النظام الإعلامي الأول السائد “النظام السلطوي” بصفته بوقاً رامياً بكل ما يبث وينشر، بكم المعلومات، ونوعية الأفكار، وطريقة إنتاج البرامج، إلى تثبيت سلطة الحاكم وتعزيز نفوذه.
فاعتنى نظام الإعلام الجماهيري تحت كنف النظرية التحرّرية بكل ما يوافق “المصالح الجمعية” واضعين في الاعتبار أهمية دعم اقتصاد “السوق المفتوح”، وتنوير المجتمع، وحماية الحريات الفردية، وحق الترفيه، أما في السياسة فحثوا للمساهمة في تشكيل رأي عام مستنير عبر بث واعٍ للمعلومات ليكون هذا الرأي بدوره مساعداً للأنظمة الحاكمة ومعيناً لها في إدارة سياساتها.
ونجح هذا الطرح في تجاوز النظام الانفرادي للسلطة، فكفَّ الإعلام عن كونه أداةً بيدها تديره كيفما تشاء وتعمل على صياغة توجهات الجماهير حسب ما تمليه ظروف ومصالح النظام الحاكم، ليكون أداة في يدِ النظام الإعلامي نفسه ولا أحد سواه.
ولكن هذه النظرية التي افترضت تحرير المتابع للإعلام من رق السلطة وتضليلها أوقعته في رق المضمون المبتذل، والترفيه الخاوي، وسقط المنتجون والصحفيون في فخ الممارسات الإعلامية السيئة كالمبالغة في طرح مواد العنف والجنس والجريمة، نضيف إلى ذلك تعاظم سيطرة الإعلان التي تضخمت بشكل غير مسبوق أيّا كان شكل الإعلان وتأثيره والقيم المبثوثة عبره.
ولم تكن نظرية “المسؤولية الاجتماعية” التي تمخضت من سيئات تجربة “النظام الحر” سالمةً ولم تخل المجتمعات التي هي بحاجة ماسة لتطبيق هذه النظرية من هيمنة القائم بالاتصال الذي لم ينجح في استيعاب مفهوم “المسؤولية الاجتماعية” وتوجيهها الوجهة الصحيحة في اتجاه تنوير الجمهور، فتاهت في العموميات وبقيت في حيِّز النظرية.
وهكذا، نرى أن أي نظام إعلامي تتولى مقوَدَه جهة/مؤسسة/أيديولوجية واحدة لابد وأن تنزع لوضع مصالحها كأولوية، وعبر هذا الإطار يجمع وينسِّق صحفيوها ويصوغون المادة الإعلامية وفق فهمها الخاص للوظيفة الإعلامية، وأجندتها الخاصة، مما يؤدي في أغلب الأحيان لممارسات إعلامية خطيرة يتصدرها “التضليل” كأسوأ انتهاك لعقل المتابع ووعيه.
التضليل في الإعلام العربي
وتخطت بعض وسائل إعلامنا العربي التضليل الممارس من قبل جهة سلطوية واحدة لأجل مصلحة محدّدة، وتخطت أيضاً التضليل المعلوماتي البسيط حول بعض الجزئيات أو الوقائع والأحداث لتنتقل إلى شكلٍ أشد تأثيراً وأكبر، هو التضليل في منظومة القيم التي يتوجّب ثباتها، فأُلبس الباطل الحق، وجُعِل المعروف منكراً والمنكر معروفًا، وحُسِرت المفاهيم الأصيلة، وطُمِست الهوية العربية المسلمة، كل ذلك أدّى لتعميق واقع التيه، وهو ما يبرر ضياع موقف عربي بالنسبة لقضايانا المصيرية، ويؤسس لنمط جديد من أنماط العبودية، ولون آخر من ألوان التبعية والعمى.
إنّ التضليل هو إخفاء للمعلومة كلها وتقديم معلومة أخرى مغلوطة، أو إخفاء جزء منها وتقديمها منتقصة، وهو في الحقيقة كذبٌ ودجل، وزيف وادعاء، ليٌّ للحقيقة وتوجيهها، بالتحليل المبرمج، واستخدام التعريفات التي تتضمن همزاً ولمزاً، والمصطلحات التي لها أصابع اتهامٍ والتي تُشكِّل بحد ذاتها شهادة إدانة، أما هي معرّاة فليست إلا فجة وبعيدة عن المطابقة ولا تتعدى كونها أداة للساسة، تحققُ مآربهم.
ونستطيع القول إن التضليل كان مبرمجًا في زمن الوسائل التقليدية، وتعاظَم أثره ومصدقوه والآخذون به أمام وسائل تتصف بالجماهيرية تأسر الألباب وتأخذ بالحس والعاطفة كالفضائيات، وما يزال الكثير رغم سقوط نظرية الرصاصة السحرية منذ وقت طويل- يتعامل مع ما يبث في الفضائيات على أنه حقيقة!
أما مع ظهور الإعلام الجديد الرقمي والنظم التي يصطلح عليها “غير الخطية” كالإنترنيت بتنا نشهد فيضاناً من المعلومات المضللة في عالمٍ لا يُعرف فيه من أنتج المعلومة ومن قرأها.
إن هذا الطغيان للوسائل التي يتكاثر مستخدموها يومًا بعد يوم يخلق توجساً من حجم تأثير التضليل على الرأي العام ومدى تمكُّنه من الاستحواذ على صفة المصداقية، ومن كم المنبهرين بالبريق الإعلامي للمفاهيم المقولبة، والمفتتنين بسحر التشويق والقصة الخبرية التي تأخذ طابع الاستقصاء.
فكم مهدت الفضائيات الأجواء لأفعالٍ سياسية من الحجم الثقيل كاتخاذ قرارات الحرب غير المبررة ولكنها خلقت القصة، ودقت أجراسها، وأوهمت العالم بضرورة تلك الخطوة كما جرى في حرب العراق/2003. أما الجدل السياسي بل والديني الذي ساهمت بعض الفضائيات العربية في صناعته حول شرعية حصار غزة والحرب عليها/ديسمبر 2008 فليس إلا تعبيراً عن حالة من التيهان وأن هناك من لا يعرف بعد: من هو عدوُّ الأمة الحقيقي؟ وما هي قضاياها المصيرية!
إن اللعب على الجمهور العربي وتجهيله وتضليله يضع الأمة في مواجهة سهلة لصالح أعدائها، “فأينما وجدت جهلاً وجدت سلطةً للشيطان مبسوطةً على الواقع”.
البديل الإسلامي
إننا في حاجة ماسةٍ لإصلاح جهازنا العربي، والتأسيس لنمط آخر من العمل الإعلامي المرتكز على النظرة الإنسانية الشاملة، والإسلامية بعالميّة خطابها لا بمفهومها الضيق. وينبغي الإشارة في هذا السياق إلى عدم الاتفاق مع مصطلح “الإعلام الإسلامي”، فالإعلام الإسلامي بمعناه التقليدي – أي يقوم على إدارته مسلمون، ويطرح مضامين دينية كبرامج الإفتاء، ويعرّف بالدين الإسلامي، وينصر قضاياه- يبقى دون تطبيق روح الدين، لعدم قدرته على تكوين النموذج “العالمي” المنبثق من المبادئ الإسلامية الحاكمة، ذلك النموذج الذي يمكننا تقديمه للأمم الأخرى المتخبطة في نظم اتصالية موبوءة، ناهيك عن وقوع أغلب الفضائيات الدينية في مستنقع الطائفية.
إنّما يمكننا من الآيات القرآنية الشريفة استلهام نهج إعلامي جديد يحترم الإنسان، ويعلي من حظه. ولابد لنا هنا ونحن نشير إلى بعض الأمثلة التشديد على القاعدة الإعلامية الأولى التي تصدّقها الآية الكريمة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)[1] فالتبيُّن والتوثّق من كل القصص الإخبارية مهما كانت تمس شريحة بسيطة من الناس ضروريٌّ قبل إذاعتها على الملأ، ولو كان التبيّن على حساب السرعة والتنافسية والسبق، ولو تطلب ساعات من الانتظار، فإذا كان بيد الصحفي كتابة القصة فمما ليس بيده السيطرة على رد فعل الملايين إزاءها.
و”للتبيّن” وجهٌ آخر عند المتابع وهو التحرّز الذي يحتّم عليه امتلاك القدرة على قراءة ما وراء الخبر، وما وراء المعلومة والتحليل، والتقرير، لأنها أشكال صحفية تتزاحم خلفها مصالح سياسية وأيديولوجية كبرى ولا يؤمن إلا على عقل متيقّظ من مكائدها. ثم التنبّه تجاه الأخبار والتحليلات غير ذات المصدر وغير الموثقة والتي قد تفبرك خلالها قصة كاملة مفتتحة بكلمة “يُقال”!
إن “تبين سبيل المجرمين” كما تشير إليه الآية الكريمة (وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الآيات ولِتَسْتَبِين سَبِيلُ المُجْرِمِين)[2] يعني أن نعرّف ونكشف زيف المتورطين في تضليل الرأي العام في قضايا الأمة، ونبيّن السبيل المعوج الذي يسلكونه، أي أن نواجه السياسيات الإعلامية المضلِّلة بالفضح مما يؤسس لبناء منظومة إعلامية جديدة تتبنى ترسيخ منظومة القيم السامية مقابل منظومة هدر القيم السائدة، منظومةٌ تسمي الأمور بمسمياتها الحقيقية الخالصة وتعيد الشرعية لأصحابها لتصبح واضحة جليّة دون لبس.
يجب ترسيخ منظومة القيم الجديدة ليتحوّل الوعي إلى ظاهرة اجتماعية لا يقتصر على مجموعة دون أخرى، لنصحو جميعا من غفوة عمتنا والتي اشتملت على تخدير الوعي وضياع الوقت وما يهز القلب ألما.
تحدياتٌ في مواجهة “إعلامنا الحربي”
في الحروب ومناطق النزاع يشكل نقل الحقيقة الكاملة للمشاهد تحديًا صعبًا، ليس فقط لكثرة التضليل والإيهام، ووعورة طرق الوصول للمصدر، ولكن لأن هناك من يطعن الصحفي الباحث عن الحقيقة في مهنيّته والتزامه الأخلاقي، ويتهمه بالانحياز وأنه آلة حربية وبوق لجبهة.
في حين أن المتأمل في حال أمتنا وتعاطيها مع الإعلام الحربي يرى أن الحياد مبدأ باطل، والوقوف في المنتصف تجاه القضايا المصيرية انتهاك سافر، والتغطية على هذا المبدأ -الذي يقول بضرورة اتخاذ موقف- بكلمات براقة تشرّع للتضليل، وللمواقف المهزوزة، وتضييع حقوق الظلومين والمضطهدين غير مبرر، هذه الكلمات البراقة من أمثال الحياد في التغطية الخبرية، والوسطية كمنهج فكري! لأنها أصبحت تعني أن يتفرّج الصحفي على المنعطفات والأزمات الخطيرة التي تمر بها الأمة مساوياً بين الجاني والضحية بين الظالم والمظلوم، بين المنتهَكة حقوقهم وبين القوى المنتهِكة المدعية للشرعية!
إن هذا بحد ذاته تشويه للحقيقة ومساواة غير عادلة! ولست أدري حين أسمع كل هذا المطالبات للصحفيين العرب الشرفاء بالحياد: هل أن أعداء هذه الأمة كانوا أو سيكونون حياديين تجاه قضايانا يوماً؟ هل دخل صحفيوهم لتغطية حروبهم في الشرق الأوسط إلا وهم متمترسين بآلة الحرب؟!
يروى عن نابليون بونابرت قوله “الصحافي مقامر، ورقيب، وناصح، ووصي على الملوك، ومعلم للأمم. وأربع صحف معادية أشد ترويعاً وتخويفاً من ألف حربة مسنونة”!
فمن الطبيعي في منطقة مليئة بالصراعات والحروب أن نطالب بإعلام حربي ذكي، يقول تعالى في كتابه الكريم (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً)[3]. إن أي معلومة أو إشاعة تبث عبر وسائل الاتصال الجماهيرية لها خصوصية وأهمية حال توقع الحرب، خاصة إذا نسبت لمصدر رفيع في سُلّم السياسة، وحُسن التعامل معها يؤكد اقتدارنا على المواجهة، والآية الكريمة تستنكر إذاعة الأخبار وتدعو لحصرها على القائد، من هنا على الصحفي التأكد في كل تغطية خبرية أو مقابلة إعلامية يجريها من عدم إعطاء المعلومات التي يمتلك للعدو، ومن المؤسف أن نتابع في مقابلات ولقاءات مباشرة مع قيادات حربية إلحاح الصحفي على تحصيل معلومات بهدف السبق والتميّز ناسياً أو متناسيًا أن هذا الإنجاز الشخصي يأتي على حساب أمة.
سخر جورج برنارد شو يومًا من الإعلام غير المسؤول فقال “يبدو أن الصحف غير قادرة على التمييز بين حادث دراجة وانهيار حضارة” وهذه المقولة رغم منحاها الساخر ما تزال فاعلة في زماننا ومكاننا.. في مرحلةٍ حرجةٍ من عمر أمة لا يزال قدر ليس بيسير من إعلامييها يطمسون الوعي ويغشون العيون عن الحقائق، فتحيةً للشرفاء منهم فقط.
استجابات