التقنية وتدبر آيات القرآن

هل تضيف التقنية جديداً في آليات معرفة كتاب ربّنا وغور أعماقه؟

قد يظن البعض أنّ فهم القرآن وتدبّر آياته لابدّ وأن يمرّ عبر كتب التفسير وآراء القدماء من السلف دون اعتبار لظروف هؤلاء المفسرين والمصادر التي كانت تحت أيديهم وتوفّر الإمكانيّات البحثيّة لديهم. عندما نقرأ في تفسير ما من التفاسير القديمة نكتشف بسرعة قلة المصادر وندرة عرض الآراء المختلفة وتمحيصها، وبعملية حسابية بسيطة ستتوضّح هذه المسألة جليّا. فعندما نراجع تفسيراً من القرن الخامس الهجري، فذلك يعني أنّ كل نتاج تلك الفترة إلى يومنا هذا – أي أكثر من 95% من التفاسير والكتب اللغوية – لم تكن متوفّرة عند صاحب التفسير. وعندما نحتسب بعد المسافات و صعوبة الاتصال وأنّ إيجاد نسخة ثانية من كتابٍ ما يتطلّب إعادة كتابته بخط اليد، فيتبيّن الوضع العسير الذي خرج فيه التفسير، هذا فضلا عن غياب الكثير من وسائل الراحة مثل القلم المتقن والورق (ومؤخّراً الكمبيوتر) والكهرباء وما يستتبع ذلك من إضاءة وتكييف وتوفير وتنظيم للوقت والجهد وسهولة كتابة مسودّات وإعادة تصحيحها قبل الإخراج، ما يعزّ على ذلك العصر.

ومن ضمن المراجع الأساسية التي لم تكن لدى الأولين والتي لا يستغني عنه متدبّر هو معاجم ألفاظ القرآن الكريم الذي يستطيع به النظر في مجموعة من الآيات المشتركة في لفظة وبالتالي النظر في الآيات التي تتحدث في موضوع واحد ومعرفة الرأي الجامع الذي يحفظ خاصية “عدم الاختلاف” في القرآن الكريم، بمعنى أن الآيات في الموضوع الواحد تتعاضد لتبيّن الحقيقة الواحدة والكاملة له من زوايا متعددة دون أي تعارض بين الآيات ولا تناقض مهما كان التعمّق فيها والذي أكّده قوله تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (النساء:82)، فإنّ أوّل فهرس لألفاظ القرآن كان “نجوم الفرقان في أطراف القرآن” لمؤلفه المستشرق الألماني فلوجل والذي طبع لأول مرة عام 1842م ولم يكن لكتاب المرحوم محمد فؤاد عبد الباقي المشهور “المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم” وجود قبل العام 1939م. فلا غرو أنْ لا تجد في التفاسير تحديدًا قرآنياّ مضطرداً لأوضح المفردات في الحياة الإنسانية كمفردات “السماء” و”الأرض” و”اليوم” و”السنة” والفرق بينها وبين “العام” و”الحول” .. الخ!!! قد يستغرب القارئ من هذا القول ويستبعده ولكن نظرة سريعة للآيات التي تذكر هذه الألفاظ ومحاولة ذهنية جادة لإيجاد تعريف منطقي يتسّق مع جميع الآيات تستوجب كمّا هائلاً من الأسئلة التي لا تجد لها حلاً في جميع التفاسير بلا استثناء قديمها وجديدها، التقليدية منها و”العلمية”- أي التي تحاول ربط القرآن بمكتشفات العلم الحديث.

فماذا تقدّم التقنية لحلّ هذه المعضلة؟

طبعاً مع وجود يقينٍ لتنزيه حقيقي لكتاب الله عن العبث والباطل والسطحيّة، ووجود ذهنٍ صفيّ مؤمن يريد أن يتعلّم من كتاب الله ولا يستكبر بعلمه عليه، ووجود منهج صحيح يحترم كتاب الله ليسبر أغواره الفعليّة ولا يكتفي بالتمسّح به، يأتي دور الآليّة المعزّزة بالتقنيّة. فالثابت علميّاً أنّ المعرفة الإنسانية تتضاعف كل خمس سنوات، بمعنى أنّ قبل عشر سنوات كانت المعرفة ربع ما هي عليه الآن وقبل 15 سنة ثُمْن ما هي عليه الآن أي بمتوالية تناقصية بمقدار (2-n/5) حيث n عدد السنوات الماضية. فما نصيب القرآن من هذا التضاعف المعرفي؟ نستطيع القول أنّه إنْ لم يكن الصفر فهو رقم قريبٌ منه، لأنّ القرآن الكريم ظلّ بعيدا عن الآليات العلمية والمراكز البحثية التي تُضاعف المعرفة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، البرنامج الذي أكتب فيه هذا المقال وهو نسخة من نسخ برامج النشر المكتبي المتوفرة في السوق ملحق به برنامج صغير اسمه “مصحف النور للنشر المكتبي” من إنتاج شركة سيمافور للتقنية؛ في هذا البرنامج أستطيع خلال ثوانٍ معدودة تدوين جميع الآيات التي تحتوي لفظة “سماء” ثم أستثني تلك التي خلت من لفظة “أرض”، وكذلك التي تحتوي لفظة “سموات” واستثني ما أشاء بحيث أصنّف الآيات حسب ألفاظها والعناصر المشتركة والمفارقة فيها. بل وهناك من معاجم الألفاظ الإلكترونية التي تبحث على مستوى الجذر بغضّ النظر عن التصريف وتستخرج جميع الآيات التي تحتوي على أحد مشتقّات الكلمة، وبنقرة زر يمكن التعرف على ما قالته العشرات من كتب التفسير في تفسير كلّ آية من تلك الآيات على حدة.

كما أستطيع بدقائق التجوال في موسوعات علميّة على الشبكة العالميّة، للتعرّف على آخر ما توصّل إليه علم الفلك والفضاء في فهم الكون و”السماء” لتوسعة مداركي الكونية عن الأمور.

ثمّ أستطيع الانتقال خلال لحظات إلى برنامج إلكتروني باسم “جامع المعاجم في اللغة العربية” الذي يحوي العشرات من المعاجم اللغوية القديمة والحديثة مثل (معجم مقاييس اللغة لابن فارس) و(لسان العرب لابن منظور) و(المنجد في اللغة للويس معلوف)؛ وخلال بضع دقائق أتنقّل بين المعاجم والتاريخ لأستكشف معاني كلمة “سماء” وشواهد استخدامها في اللغة من كلام القبائل العربية، وأصل اللفظة، وما تفرّع منها من ألفاظ ومعنى كلّ واحد منها.

فكم من السنوات كان يستغرقه الأوّلون للحصول على كل هذا؟ وأين كانوا سيصلون بالمعرفة القرآنية مع تلك الجهود العظيمة التي بذلوها لو كانت هذه الآليات والمعارف العلميّة متوّفرة لديهم؟

أترك الإجابة للقرّاء الكرام ليستكشفوا متعة غور الآيات ويجرّبوا مضاعفة المعرفة بكتاب ربنا بما حبانا الله من نعم في هذا العصر نحن عنها مسئولون.

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *