السلع المعنوية مدارج كمالنا الإنساني

مريض يصارع الموت، يأخذه أهله لأقرب مشفى، فيرفض الطبيب أن يشخّص حالته قبل أن يوقّعوا على فاتورة علاجه، وبما أنهم لا يملكون المال المطلوب، ويتأخرون في تحصيله، فيقضي حتفه، ويُحرم من حقه في الحصول على العلاج.. حاجة ملحّة تحوّلت إلى سلعة لإرضاء الجشع المادّي للطبيب أو المشفى!

نساء متعطشة لتمارس دور الأمومة، يُحيط بهن مافيا من الأطباء، والممرّضين، والصيدلانيين، ليستغلوا حاجتهن للإنجاب فيخدعوهن مرة بعد مرة بتمريرهن بكل إجراءات «التلقيح الصناعي» المضنية – مع علمهم بأن البويضة التي يحقنوهن بها غير ملقّحة – لأجل كسب مادّي!

صور تتكرّر يومياً بأشكال مختلفة لتعكس التشويه الذي شاب العلاقات الإنسانية ببعديها العمودي (مع الله)، والأفقي (مع الناس)، لينسلخ المرء من إنسانيته شيئاً فشيئاً فنخلص إلى وجود كائن بشري في قالب إنسان ولكن بلا محتوى روحي، إذ أننا كذوات بشرية يكتنفنا جانبان: مادي ومعنوي، أو نفسي وروحي، وواجبنا الفردي – الذي عُهد إلينا به – أن نسمو بجوهر ذواتنا الإنسانية بترجيح كفّة الروح على حساب النفس، والمعنى على حساب المادة لنوقف عملية التحوّل المتسارعة في أخلاقنا وطبائعنا متأثرين بالبيئة المحيطة بنا والتي يُروّج فيها لابتذالٍ وتردٍّ أخلاقي لم نشهد له مثيلاً تَغلغل بين أوساط كل فئات المجتمع.

فهل ثمّة جديد في عالم تسليع القيم بمعرفته نخطو عتبةً في مدرج كمالنا الإنساني؟

سنتناول في هذا المقال مصطلح “السلع المعنوية” لنبني عليه فكرة “غلبة الروح على النفس” من خلال ممارساتنا اليومية. مصطلح “السلع المعنوية” قد يبدو غريباً لجمعه بين لفظين يراهما البعض متناقضين، وقد يضعه البعض في مقابل المصطلح الاقتصادي المتداول “السلع المادية Product”، أو يخلط بينه وبين مصطلح “الخدمات Services”، فيعتقد أنّ السلع المعنوية هي الخدمات المتخصّصة فحسب، بل هي أوسع من ذلك؛ فإلى جانب تلك الخدمات كالطبابة، المحاماة، التعليم، الصحافة، القضاء، الاستشارات، الإرشاد وغيرها، هناك سلع معنوية متاحة للجميع؛ ليست بحاجة إلى تخصّص، ولا هي حكرٌ على أحد، وليس لها خامة – أي لا علاقة لها بمنتج مادّي – بعضها يدخل في عداد المهن كالتي ذُكرت آنفاً، وبعضها الآخر يُعدّ ضمن أدوار المرء المختلفة كالتربية التي تستغرق جهداً ووقتاً طويلاً لتحقيق نتائجها، وبعضها أفعال يومية نابعة من دوافع ذاتية، قد لا تحتاج إلا لثواني عديدة لتُنجز كالابتسامة، إلقاء التحية، المسح على رأس يتيم، أو ما شابه.

ومن أمثلة السلع المعنوية المشاعة؛ الأخلاق والقيم المتعارف عليها مِنْ: صدق، أمانة، إخلاص، أخوّة، تراحم، عطاء، إيثار، محبة، تسامح، نصرة المظلوم، وكذلك بُغض الشرّ مِن: حسد، حقد، كذب، نفاق، استهزاء، ظلم، عدوان، أكل مال اليتيم، غشّ، وغيرها، ممّا يمكن ترجمته إلى سلوك إرادي نمارسه لنغذّي الجانب المعنوي في ذواتنا، فنسحب من الجانب المادّي لصالح رصيدنا المعنوي، فمع كل فعل إنساني – مهما يكن بسيطا – نحن نعمل على تعزيز معنوياتنا وإرواء أرواحنا، وبالعكس مع كل فعل لا إنساني في حقيقته – وإن بدا للعيان أنه عمل صالح – فإننا نضعف معنوياتنا، ونقزّم أرواحنا، ونفرغ إنساننا من جوهره، أو كما يقال في المصطلح الأجنبي “نبيع أرواحنا للشيطان”.

“السلع المعنوية” التي أُتيحت لنا لنرتقي بها لتحقيق كمالنا الإنساني كثيرة جداً، ولكن بتأثير الثقافة المادية المهيمنة على مجتمعاتنا، والمتأثرة بالأنظمة التي تبنّت نظريات تسليع القيم والإنسان، تأسّست علاقات غريبة وشاذة بين الإنسان وأخيه الإنسان، علاقات آلية ومادّية تحكمها الأنانية، أحد هذه النظريات عبّر عنها توماس مالتوس (صاحب النظرية المشهورة حول التكاثر السكاني)، في نظريته القائمة على فرضية “أن هناك فائضاً سكانياً هائلاً هو الذي يسبّب الفقر والمجاعة! وأنّ الرجل الذي ليس له مَن يُعيله، ولا يستطيع أن يجد له عملاً في المجتمع، فليس له نصيب من الغذاء وهو عضو زائد في وليمة الطبيعة، حيث لا صحن له بين الصحون، فإنّ الطبيعة تأمره بمغادرة الزمن”! مالتوس ينظر إلى الطبيعة بأنها (وليمة!) ينعم بخيرها الأغنياء فقط، أمّا الفقراء أو العاطلون فلا مكان لهم، بل هم سلعة كاسدة! أو بالأحرى فائضٌ وعبءٌ يجب التخلّص منهم، بالحروب المدبَّرة والمدمِّرة، أو بالإبادات الجماعية، أو بغيرها من أدوات قتل معنوي حديثة وناعمة.

أما نحن، فرغم أننا تعلّمنا مذ طفولتنا بأنّ “الكلمة الطيبة صدقة”، إلا أننا تماهينا مع ثقافة التسليع وأصبحنا ترساً في ماكينته، فأصبحت الكلمة الطيبة بمقابل، وكذلك الابتسامة والبشاشة المدعوّون بها كوسيلة لبثّ المحبة، التفاؤل ورفع المعنويات، الأخلاق الحسنة، الاحترام، المجادلة بالتي هي أحسن، حسن الاستماع والإنصات، كلها سلع معنوية متاحة وعظيمة الأثر لنرقى مراتب في كمالنا الإنساني، ولكن لم يسلم أيٌّ منها من التسليع المادي، فأُسّست معاهد تدريب تعلّم البائع كيف يبتسم وعينُه على مال الزبون، ويُقدّم نصيحة ويتقاضى أجرها مقدّماً، فتحوّلت مكارم الأخلاق إلى تجارة رخيصة، وأصبح كل شيء يدور في فلك المادّة ويسبّح بحمدها، فتبدّدت الروح وطغت النفس.

تستمد “السلع المعنوية” أهميتها باعتبارها عهوداً مع الله، والعهود لا تُباع، لأنها لا تُقدّر بثمن، لهذا فكل ثمن نقبضه في مقابل تقديمها فهو بخس، وكما أنّ الأنبياء والرسل لا يقبضون ثمناً – ولا ينبغي لهم أن يقبضوا ثمناً – على هدايتهم الناس لطريق الحق وتعليمهم الفضائل والتحضّر، فكانت مقولتهم لأقوامهم: “مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ”، فكذا كل صاحب “سلعة معنوية” عليه أن يفصل بين ما يقدّمه للناس من خدمة وبين المردود المادّي – مالي أو غير مالي – الذي يحصل عليه في مقابل هذه الخدمة لكي يُخلص في عطائه لله، ويفي بعهده معه، وكي لا يدخل في عداد مَن اشترى بعهد الله ثمناً قليلا، كما تشير إلى هذا المعنى الآية 77 من سورة آل عمران:

(إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [آل عمران: 77] هؤلاء قطعوا صلتهم بالله حين باعوا عهودهم معه بثمن زهيد، فكان حقّاً على الله أن يجعل مصيرهم كما جاء في الآية: “لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ”، راهنوا بكل شيء ورهنوه بمادّة الدنيا فقدِموا للآخرة مفلسين، “وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ”جزاء إهمالهم كلام الله في الدنيا، ولأنّهم أفرغوا كيانهم من الروح وهي محلّ نظر الله صاروا في عِداد مَن “وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ”، سيّما وهم أغلقوا أعينُهم أنْ ينظروا إلى الله حين أتمّوا صفقاتهم الدنيئة مع الشيطان على حساب معناهم، “وَلَا يُزَكِّيهِمْ” كما يستحيل تطهير برميلٍ صَرْف للنفايات والنجاسات، “وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ” لأنّهم لم يحتفظوا بشيء للعالَم الآخر ممّا يُنجيهم.

فأيّ صاحب اختصاص، كالقاضي مثلاً، حين يصدر حكمه في القضايا لا يُحسب إنتاجه بمنتج محسوس، كما أن تحرّي الحقّ والعدل لا أجر له، بحيث سيتحرّاه لو قبض وسيُفرِّط ويزيغ لو مُنِع! هذا عهد مقدَّس مع الله، والناس رهنت ثقتها به حين اقتصّ سماته مِن شرف خدمة “القضاء”، فلا يحقّ له أن يسيء استغلال هذه الثقة بتحويلها إلى مصدر للكسب المادّي أو الاجتماعي فتفقد الناس الثقة في أصل العدالة التي لها علاقة مباشرة بالله سبحانه.

وكذلك الطبيب الذي يصف الدواء للمريض، فهو لا يبيع للمريض سلعته الطبّية في إطار شيء مادّي (وصفة طبية) أو إطار زمني (المدّة التي استغرقها الفحص والتشخيص)، بل يبيعه “سلعة معنوية” وهي “الاستشارة الطبّية” في إطار (الثقة)، فما دام يؤدّي واجبه على أكمل وجه ولا يستغلّ حاجة الناس فهو في ميثاق الله، وإن أساء استخدام موقعه فقد باع عهد الله بثمن بخس.

هذا فيما يخصّ بعض السلع المعنوية (التخصّصية)، ولكن وكما ذكرنا آنفاً فمفهوم السلعة المعنوية يتغلغل في كل مفاصل حياتنا، نذكر بعض الشواهد والممارسات اليومية التي تسحب من رصيدنا المعنوي لتفرغنا روحياً وتحوّل خدماتنا إلى سلع مادية بحتة، فتلقي بنا في نهاية المطاف على قارعة طريق من باعوا أرواحهم للشيطان (بعلم أو بجهل):

الطالب الذي ينال شهاداته بالغش وسرقة البحوث وجهود الآخرين، وإن بدا أنه طالب مجدّ إلا أنه ضحى بسلعته المعنوية (طلب العلم) مقابل الحصول على معدّل أكاديمي عالي، فأفرغ روحه من قيمة العلم والجدّ، واضمحلّ معنوياً. (- روح –> + نفس).

العامل أو الموظف الذي لا يُحسن عمله أو يتقنه إلا ما دمت عليه قائماً أو دُفِع له، يعمل على تسليع نفسه حين يبيع إخلاصه وبذل جهده طلباً للمال أو للراحة. (- روح –> + نفس).

الفنان الذي يبيع موهبته – التي أهداه الله إياها – للشرّ وبثّ الابتذال والجري وراء الشهرة، إنما يستبدل أغلى ما لديه بأبخس الأثمان. (- روح –> + نفس).

المتصدّق لكسب السمعة، لا حبّاً في العطاء، يدمّر معنوياته ويضخّم أناه البشرية فيغذي غرائزه ويبدّد روحه. (- روح –> + نفس).

المرء الذي باع أخاه في الوطن أو الإنسانية لأجل رتبة، أو زيادة في راتب، أو رضا مسئول، ما عساه أن يفعل في خصمه أو عدوّه إذا ما أُعطي السلطة والقدرة؟! (- روح –> + نفس).

الصحفي يأتي بأخبار كاذبة بعد فبْركتها بأحدث التقنيات ونشرها على أوسع نطاق لأجل تحقيق سبق صحفي، وهو المؤتمن على إيصال الحقيقة كما هي للناس، والمأمور بالتحقق من الخبر قبل نشره فيصبح أداة لإيقاظ الفتنة وتضليل الناس. (- روح –> + نفس).

نلاحظ أنّ المعادلة تتكرر في كل مرة بنفس الطريقة (سحب من رصيد الروح) يؤدي إلى (تضخّم في النفس)، فكلما استجبنا للنفس وإلحاحها نتحوّل أكثر ونتبدّل ويقلّ منسوب الإنسانية في قالبنا، حتى تنضب الروح، ونتحوّل في الأخير ونهائيّاً إلى كائنات نفسانية ترابية محضة، لا تُزكّى، لا تُكلَّم، لا يُنظر إليها، كلوحةٍ لكنْ تفحّمت بكاملها بحريق.

نخلص إلى أن السلع المعنوية هي “عهد مع الله”، وهي عهود غير مدوّنة لكنها التزام أخلاقي بالقيام بما عُهد إلينا، لهذا قيمتها في ذاتها، وتستمد تلك القيمة من كونها: تنجز للإنسان إنسانيته فتدفعه نحو الكمال، وتحرّره من العبودية، وترفعه للعُلا، إذا تحلّى بصحة نفسية قائمة على الثقة واليقين بما يؤمن به من قيم، وحافظ على معنويات عالية تحفّز إرادته وتعصمه من الانجراف مع التأثير السلبي لبيئته التي تقهره لبيع روحه أو إهمالها، والذي قد يتّخذ أحد مساريْن متناقضين تقمعانه ضدّ ممارسة خياره المعنوي الذي فيه كماله الإنساني:

الأول: ذوبان شخصيته في الآخرين، وعدم قدرته على مواجهة الضغوط والبرمجة المجتمعية التي تدعوه لانتهاك القيم الإنسانية واستغلال حاجة الناس لصالحه الشخصي، فيغدو كأحدهم ويتلوّن بمادّيتهم.

الثاني: تقوقعه وامتناعه عن التفاعل مع ما يمكن أن يصدر عن الآخرين من تصرّفات منافية، فيعطّل دوره وينفي وجوده الفاعل لتصحيح المسار نحو تقديم السلع المعنوية.

نختم بقصة رمزية ترينا كيف يُكلّمنا الله لنُغلِّب الروح وينمو المعنى في إنساننا.

يُحكى أنّ فتاةً بعثتها أمّها ببعض الحبوب لبيت خالتها، ولما وصلت أسقطت -مِن إهمالها- بعض الحبوب من الإناء! خافت الفتاة أن تجمعها من الأرض وتُعيدها للإناء فيُكتشف أمرها، فما كان منها إلاّ أن دسّتها تحت التراب، ثم سلّمت الخالة ما تبقّى وكتمت خطأها وعادت مسرعة، بعد أيام بعثتها أمُّها مرّة ثانية فسلكت نفس الطريق.. فوجدت أنّ البذور التي أخفتها قد أنبتها وأظهرها اللُه من تحت التراب.

هكذا “الله يُكلّمنا”، لـ “يُزكّينا”، ثمّ “ينظر إلينا” منتظراً منّا فعل الخيار الصحيح، فإذا كانت السلعة المعنوية التي عرضها الله للفتاة بالأمس “الصدق”، وفوّتت فرصة ركوب سُلَّمها للكمال، فبعد بزوغ النبْت كلّمها الله عبرَه مرّةً أخرى أنّ دسَّ الخطأ خطأٌ آخر، عُودي للصدق وتوبي، فاليوم نعرض عليك سلعتيْن، أي مِرقاتيْن مجاناً، الصدق والتوبة.. فقط تجاوزي نفسك واذهبي بكلّ ثقة واعترفي بالخطأ لخالتِك، هكذا يتحرّر المرء من عُقَدِه، ويحوز السلامة النفسية، ويرتقي معنويًّا بتسنّمِه عتبات القيَم، وإنّ خيرَ الخطّائين التوّابون، أمّا المُكابرون فلهم آذانٌ لا يسمعون بها، ولهم أعينٌ لا يبصرون بها، وهذه هي معاناتنا في الحياة أن نقرِّر أنْ نسمع وأنْ نُبصر لنُنجز إنسانيّتنا تصاعديّاً.

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *