برز (ستيفن جلاس) في التسعينات من القرن الماضي كصحفي أمريكي لامع من خلال مجموعة من أبرز التحقيقات والقصص الصحفية التي سطّرت اسمه في مصاف نجوم الصحافة آنذاك، بحصيلة ما يقارب 40 قصة صحفية خلال 3 سنوات.
ولكن في عام 1996 كانت المفاجأة، عندما كشفت إحدى المؤسسات التي هاجمها جلاس بأنّ مقالته احتوت على مغالطات عديدة وتضمّنت مصادر مزورة واقتباسات مختلقة، وسرعان ما اكتشفت التحقيقات أنّ جلاس ألّف عشرات المقالات الصحفية من وحي خياله وابتكر شخصياتها ومشاهدها، بل ذهب إلى أبعد الحدود لإثبات قصصه، فقد ملأ دفاتر الملاحظات بتعليقاتِ مقابلاتٍ وهمية وأنشأ بطاقات عمل مزيفة وابتكر رسائل صوتية[1]!
إنّ ما يعطي المحتال جسر العبور المباشر لعقول الناس هو استغلال الثقة الممنوحة له ليتحدّث كناقل للمعلومة. فالثقة التي يوليها الناس للصحفي أو للمعلم أو للطبيب مبنية على اطمئنان بصدق توظيفهم لعلمهم، وكما أنّ لا مريض يقبل أن يُغشَّ في علاجه، ولا طالب علمٍ فيما تعلمه، كذلك لا قارئ يرضى أن يُستغفل بالتزييف والتحريف في مادة صحفية. علماً بأنّ الصحافة اليوم تشمل الصحافة المكتوبة والمرئية والمسموعة والرقمية، بكل أشكالها التي أضافتها وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة ووسعت رقعة انتشارها الشبكة العالمية.
عملية نقل المعلومة من العالِمِ بها إلى مَن يجهلها تُعدّ أهم مسارات تطور الوعي والمعرفة. فالإنسان مخلوقٌ يتطور بالتعلّم، ولهذا بعث الله سبحانه الرسل معلمين للبشرية، مهمتهم نقل المعلومة بصدق وشرف من مصدرها الأصل إلى مستلمها، والمراسلون كما الرّسل، ينقلون الحقائق والوقائع بهدف الإعلام، تحفيزًا للعمل والتطور وإيقاظ الوعي. فما الذي يجعل هذه العلاقة تؤدي للتضليل بدل الهداية، وتساهم في التجهيل بدل العلم والوعي؟ ما الذي يجعل “الإعلام والإخبار والتبيان” معرضاً للخداع والاحتيال؟ ما الذي يجعل ناقل المعلومة يحجبها أو يزيفها؟
لا ريب أنّ السبب الأساس هو تحقيق المكاسب الشخصية، والانفراد بالفوز بالأرباح. فعندما تصبح الربحية هدف الصحفي، وهدف الطبيب، وهدف المعلم تحيد المهام الرسالية عن دورها المنشود (تطوير الوعي) وقيمها الضابطة (الصدق والشرف) وتنحرف عن غايتها الكبرى (بيان الحقيقة).
السّلطة الرابعة
يُقال أنّ المفكّر الإيرلندي إدموند بيرك والذي عاش في القرن الثامن عشر وعاصر الثورة الفرنسية، كان أول مَن ابتكر مفهوم “السلطة الرابعة” حين قارن الصحافة بسلطة الجهات الحكومية آنذاك والتي شملت ثلاث فئات: رجال الدين والنبلاء والعوام، واعتبر بيرك حينها الصحفيين رابع سلطة مؤثرة قائلاً عبارته المشهورة “تحت سقف هذا البرلمان تجتمع ثلاث سلطات، ولكن هناك في قاعة المراسلين تجلس السُّلطة الرَّابعة وهي أهم منكم جميعًا”.
صدرت هذه الكلمة قبل أكثر من مائتي سنة، لم يعلم إدموند بيرك حينها أنّ الصحافة في القرن الواحد والعشرين ستأخذ شكلاً جديداً قوياً ومهيمناً ومؤثراً لم يسبق له مثيل.
لقد غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي عالم الصحافة وأعطته أدوات فاعلة للسيطرة على القارئ والتأثير فيه والتفاعل معه، فالأخبار تنزل مع مساحة للتعليقات يمكنها أن تعطي فكرة جيدة عن انطباعات الجمهور تجاه الأحداث. هذا عدا طبعاً عن سرعة انتشار الخبر التي تضاعفت بشكل مذهل، فعبر تفعيل خاصية التنبيهات في الأجهزة الذكية، وعبر إعادة إرسال الخبر في المجموعات ومواقع التواصل الاجتماعي ينتشر الخبر في ثوانٍ قليلة على مساحات جغرافية شاسعة.
عندما قال إدموند بيرك أنّ الصحافة سُلطة وقوة، لم يكن يعرف أنّ كلّ الناس بعد قرنين من الزمن ستتمكن من أخذ أدوار في رصد الأخبار وتصويرها ونشرها، لم يتصور أنّه سيكون بإمكان كلّ شخص التعبير عن رأيه للعالم أجمع، عبر شاشةٍ صغيرةٍ بحجم راحة يده!
الصحف الأولى.. مفهوم قرآني
للصحافة مفهومها العصري الذي يتغير كلّ يوم حسب التقنيات والوسائل، ولكنها كقيمة أصيلة وردت في كتاب الله، لها ارتباط بالبيان والبينة كما تعبر عنه الآية القرآنية التالية بوضوح في مشهد يطلب فيه الناس آية كدليل على صدق الرسول، فيكون الرد مُذكِّراً بما تمّ بيانه في الصحف السابقة:
“وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّهِ، أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى” (133: طه)
والصحف بحسب سورة البينة فيها بيان قيمي يحسم الاختلاف بين أهل الكتاب: “لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىتَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) ” (1-3: البينة)
كما أن نشر الصحف يحدث يوم الحشر، بعد أن توثّق أعمالنا في الدنيا، “وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ”(8: التكوير).
وتؤكّد الصحفُ أيضاً الخبر الصادق، فصُحُف إبراهيم وموسى هي أنباءٌ مصدقة لرسالة النبي: “إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى، صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى” (الأعلى: 18-19).
إذن ومن خلال هذه الآيات، فإنّ دور الصحف يتلخص في ثلاثة مفاهيم: البيان والنشر والتأكيد، فالصحافة في أصلها أخبار وأنباء وبيانات وربما كانت هدى ومواعظ وبشائر، تخلو من أي كذبٍ وتضليلٍ وزيف، بل صدقٌ كامل يُعرض للناس كحقٍ مشروعٍ لكل فرد وفقاً للقانون الطبيعي الذي تدعمه العقائد والأعراف. وقد تعارف المسلمون على تسمية القرآن بالمصحف، لكونه حاويا “للصُّحُف”، متضمنًا الحقّ، حاملاً أمانة الأخبار والأنباء. ودورنا تجاه “المصحف الشريف” كمستلمين للرسالة ومؤمنين بالرسول أن نوقن بما جاء به ونعمل بهداه. وعندما تُبنى هذه العلاقة بمكوناتها الثلاثة: رسولٌ صادقٌ أمين، مصحفٌ مصادقٌ لما بين يديه، ومستلم مصدِّقٌ بالرسالة عاملٌ وفقها بالإصلاح، هنا تكون علاقة الرسول والرسالة والمرسل إليه الصورة المثلى لما يجب أن تكون عليه.
ميثاق الصحف.. صِدق ومُصادقة
الصحافة في عالم اليوم ميدانٌ حساس وخطير مليء بالتجاذبات وصراعات القوى، تحتدم فيه الأحداث السياسية والمجريات الميدانية والاقتصادية والاجتماعية، فالصحفيون يحضرون المعارك ويخترقون الصفوف وينفذون لطبقات المجتمع؛ المتخمة والمعدمة، يرون بأعينهم و”كاميراتهم” معاناة المحرومين وصور المنكوبين، ويستمعون لهموم الناس ومشاكلهم اليومية، لذا فهناك من يرجو أن يوصلوا أصواتهم وأحوالهم، لعلها تنبّه المسئولين بأنّ ثمّة من يحتاج إلى مدّ يد المساعدة.
المشكلة بأنّ محفل الصحافة وجمهوره مغرٍ وجاذب للمتاجرة، وهذا ما يهدّد مصداقية الصحافة اليوم كونها حاضرة في بؤرة تجاذب القوى، فالساسة يركبونها لتسويق أنفسهم وسياساتهم، والفنانون والشعراء يعتبرونها مسرحاً لعروضهم، والتجار يرون صفحات الصحف كسوق عكاظ، فرصة ذهبية لتسويق البضائع وتحقيق الأرباح، حتى لو كان معظم الزوار من الحجيج!
كلما اشتد التنافس والتصارع والتجاذب زادت الحاجة لما ينظمّ الحوار وتبادل الأفكار ويؤسّس لقيم الاحترام والتعاون وإلا.. فالتصادم محتوم. من هنا، لابدّ من ميثاقٍ غليظ موحّد ومُلزِم يؤخَذ على العاملين في هذا الحقل المهم في الحياة، وهذا يؤكد أهمية ميثاق الشرف الصحفي، والذي تسعى جميع الدول اليوم لسنّه وتشريعه كمرجع قانوني. مثل هذه المواثيق تؤسس لمبادئ العمل الصحفي والإعلامي (الصدق والنزاهة والمسؤولية والعدالة)، وتدرِج الأدوار الأساسية للعاملين في هذا الحقل في صيغة حقوق وواجبات وأخلاقيات عامة.
ولكنّ التحدي هنا ليس في وضع القوانين ولا صياغة العبارات الرّنانة، بل في تطبيق القوانين والالتزام بها بحيادية تامّة، فالحيادية لا تتحقق إلا بوجود جهة غير منتفعة من زيادة ربحية الصحيفة وزيادة قُرائها، وغير متضررة من قيامها بنشر الأخبار البيِّنة وتبني الآراء الصادقة. هذه الجهة تتحمّل مسؤولية حراسة قيم الميثاق الصحفي والإعلامي، وما تقوم بمصادقته كأنباء هو ما يثبت صحته فقط.
ولعل هذا الطرح يؤكد ما توصلت له علوم الهندسة وإدارة الجودة اليوم بأهمية وجود جهة تقوم على التحقّق من المنتجات للتأكد من أنّها تفي بالمعايير التنظيمية والفنية والقانونية في عملية تسمّى التحقّق والمعايرة: Verification and validation. فلم لا نعتبر الخبر منتَجاً ينبغي أن نتحقّق من مطابقته لمعايير الصدق والنزاهة، وتقوم جهة عالمية محايدة بقياس مدى التزام الصحف اليوم بالمواثيق التي تتعهد بها وتوقع عليها.
دعونا نتأمل في بعض ما تدفعه الصحف ثمناً لالتزامها بميثاق الصدق:
الإثارة والتشويق
“أم تقتل بناتها الثلاث في جريمة بشعة.. اقرأ التفاصيل لمعرفة المزيد”، هذا عنوان لخبر فرعيّ ورد في إحدى الصحف المحلية، هل كان معد الخبر سيعلنه بهذه الكلمات لو كان ملزمًا بالبند المذكور في أحد نماذج مواثيق الصحافة أنه يجب على الصحفي “الابتعاد عن الإثارة في نشر الجرائم والفضائح والالتزام بالقيم الدينية والأخلاقية للمجتمع” [2]؟
أغلب الظن أنّ عنواناً مُصاغاً “بالأكشن الهوليوودي” سيجذب اهتمام القارئ وفضوله لضغط الرابط والدخول لقراءة الخبر، ربما يلمح بين سطور هول الجريمة وبشاعتها عبارة مقتضبة تشير لإصابة الأم بمرض نفسي حادّ، وقد لا يهتم لذلك كثيراً بقدر ما سيقوم بإعادة إرسال الخبر لمعارفه ومجموعات التواصل الاجتماعي.
البيّنة في هذا الخبر مخفية بعنوان مثير، والهدف من نشره ضائع وسط الدراما، يفترض بهذا الخبر أن يبعث رسالة قوية للقراء بخطورة الأمراض النفسية وأهمية علاجها بدل البقاء على الفكرة النمطية بأنّ المريض النفسي إما مجنون يجب حجزه في مستشفى، أو ضعيفُ إيمان عليه أن يستغفر ليستقيم أمره! للأسف، كم من القضايا التي يحتاج مجتمعنا التحدّث حولها بجدّية ونقد بنّاء للوصول لحلول ومعالجات، ولكننا نكتفي بالتندّر والتعجّب والاندهاش ومن ثم.. إعادة إرسال الخبر!
الملفت أنّهُ وبنفس الفضول سيدخل كثيرون على نفس الرابط ليصبح هذا الخبر هو المقال الأكثر قراءة، وعليه سيزداد سعر مساحة الإعلان التجاري في صفحة الخبر، ما يعني أرباحاً أكبر للصحيفة! النتيجة هي توصل مسؤولي الإعلام الصحفي للفلسفة الآتية: خبر أكثر تشويقاً وإثارة يعني ربحاً وبلا خسارة! وماذا نفعل في حال عدم وجود أخبار مثيرة؟ هل نقبل بالخسائر أو انخفاض الأرباح؟ بالطبع لا.. ربما يجب أن نصنع الخبر المثير والقصص الشيقة…!
تؤكد جوليان فيردير في مقالتها في مجلة الفوربس[3] أنّ صناعة القصص الإخبارية المزيفة بغرض توفير مكان أفضل للإعلانات التجارية أصبحت ظاهرة تحتاج التوقف، وتشبّه الكاتبة الأخبار المصنوعة للإثارة والزيف “كأشباح ضبابية سوداء تشقّ طريقها نحو الوعي الإنساني الجماعي، وتسيطر على الروح وتوجّه الأفهام، حتى يصبح القراء مستهلكين من الزومبي – بلا تفكير، بلا تشكيك ومساءلة، بلا شعور وتشاعر”.
فعلا! هذا التوصيف هو ما وصلنا إليه اليوم، أصبحنا شغوفين بمتابعة المثير وتناقله دون التركيز على “البيّنة” و”البرهان” و”المصداقية”. يكفي أن ترى سرعة انتشار خبر مثير أو شائعة في وسائل التواصل الاجتماعي، وعدد مرات إعادة إرسال أخبار المعاجز والخرافات، وليس ثمة امرؤ رشيد ليُسائل عن مصدر الخبر ومدى صحته. في غياب تام عن المنهج القرآني المختصر في كلمة واحدة (فَتَبَيَّنُوا..).
هكذا تحرّف الربحيةُ المصداقيةَ عن مسارها، وتغيّب القيمَ عن غاياتها الكبرى. التكلفة الحقيقية التي يدفعها القراء والمجتمع ليست الأموال فقط، وليست الوقت المهدر في قراءة أخبار مثيرة العنوان خاوية المحتوى وإعادة إرسالها للآخرين واستباحة أوقاتهم، بل التكلفة الأكبر هي حالة الغفلة.. وغياب الوعي.
التحشيد والتجييش
تعتبر الصحافة ملجأ للشعوب خاصة في فترات الأزمات السياسية والمجتمعية، والمصدر الأول لمعرفة الأنباء ومستجدات الأحداث، ولأنّ هذه الأوقات تتّسم بالانفعالية والعاطفية لصعوبتها وتلفعها بالقلق والتوتر، فإنّ الميل يتزايد للاندفاع والاصطفاف ضمن تكتلات معينة أو لأخذ مواقف محدّدة تجاه ما يدور. فما هو دور الصحافة في الأوقات العصيبة، هل تُوعّي الناس وتعطي المعلومة الصحيحة حول الحدث الجاري مهما كانت أطرافه أم أنّها تسمح للأقوى والأعلى والأغنى بأن يعتلي صهوتها ويشد لجامها ويوجّهها لمعسكره فتكون له الكلمة الفصل؟!
السؤال هل يجب أن تكون الصحافة الإخبارية مؤدلجة، منضوية لحزب معين وتابعة لسلطة وهيمنة قوى معينة، أم أنّ نقل الخبر أمانة، يجب إيصالها بكل شفافية وحيادية للجمهور ليقرّر بنفسه موقفه وانتماءه؟ المنطق والواقع أنّ الخبر الحاصل هو حدثٌ واحد، فلماذا تختلف وكالات الأنباء وصحف العالم في طريقة نقله وصياغته بحسب أيديلوجية وانتماء وفكر من يديرها ويتحكّم بها؟
هذا الوضع ولا شك يبعث الريب والخوف حيث لا يمكن الحصول على معلومة صحيحة محايدة وبدون حشو عاطفي، إذا كان كلّ حزب بما لديهم فرحون. ما نعرفه أنّ الإعلام يُستَخدم في الحروب للتجييش والتحشيد، وقد يتدخّل القادة والعسكريون ليمنعوا وصولَ معلوماتٍ عن قوة الجيوش المناوئة وعدتهم وعتادهم حتى لا يهاب أتباعهم مواصلة الزحف، وقد يصورون العدو شراً مستطيراً ليبرّروا جواز قتله. ولكن ماذا عن الإعلام اليوم ونحن على ما يبدو لسنا في حرب؟!
الحقيقة التي يصرّح بها جوزيف ناي- مساعد وزير الدفاع الأمريكي في إدارة بيل كلينتون ورئيس مجلس المخابرات الوطني آنذاك- بأنّ العالم ومن بعد الحرب العالمية الثانية، دخل في حرب ناعمة[4]، يتم فيها توظيف كلّ الأدوات الثقافية والإعلامية والإيديولوجية والروحانية ما عدا العسكرية، بل أنّ ناي يعتبر استوديوهات الإنتاج الفني والسينمائي في هوليوود أهم أدوات القوة الناعمة الأمريكية. كلمات ناي خطيرة، كتبها في كتابه (القوة الناعمة) عام 1990، وتوحي بأنّ الحرب الناعمة كالنار الهادئة تأخذ وقتاً أطول ولكنها تُنضج ما في القدر بكل هدوء ودون صخب. تغزو العقول بدون أسرى ولا قتلى، تجتاح القلوب دون حطام ولا دمار، والناس بطبيعتهم يفتحون الأبواب ويرحبون بالغازي الذي يحمل في جعبته كلّ وسائل الترفيه والتواصل والإمتاع.
إنّ قوى الشرّ اليوم لا تُجنِّد قادةً عسكريين بقدر ما توظّف إعلاميين وفنانين قادرين على تحشيد الناس وتوجيههم للاصطفاف في معسكراتهم.
التفريق والتحزب
كان من المتعارف عليه قبل بضع سنواتٍ فقط أنّه ما من وسيلة إعلام على مستوى احترافيّ تقوم بذكر مسميات طائفية أو فئوية في محتواها أيّاً كان، ومتعارف أيضاً أنّ نقل الخبر يكون عن حوادث الاضطرابات بشكلها العام أين كانت ومتى حصلت دون اللعب على الوتر العنصري أو المذهبي.
تصفحوا وسائل الإعلام المختلفة اليوم، هل يتم ذكر خبر عن توتّر في منطقة دون ذكر أصل ومذهب وانتماء المشاركين في هذا التوتر وذاك الاحتجاج؟ أو حتى من يقع عليهم الحدث من ضحايا أو مظلومين؟ في الفتن والخصومات، تسقط القيم والضوابط عند البعض، فيكون اختلاق الأكاذيب وتحريف صياغة الأخبار مبرَّراً بهدف استمالة القراء وكسب تأييدهم ولو على حساب قيم الأخوة المجتمعية والوحدة الوطنية والانتماء الإنساني.
نشر الإثم واعتياده
ليس مفاجئاً أن أصبحت فكرة الشذوذ الجنسي اليوم أمراً متداولاً بل ومقبولاً في بعض الدول الغربية، فقد أظهرت منظمة الأبحاث NORC في جامعة شيكاغو الأمريكية أنّ تغيراً هائلاً حدث في قبول الناس للشواذ جنسياً، حيث أظهرت دراسة عام 1973 أن 70% من الأمريكيين ينظرون للشذوذ الجنسي أنه خاطئ، بينما انخفض هذا الرقم إلى 54% عام 2000، ووصل إلى 43% فقط عام 2010 [5]. وتحدث باحثون عام 2017 أن سبب تغير قناعات الأمريكيين تجاه موضوع الشذوذ الجنسي هو برامج الأجهزة الإعلامية وبالذات البرامج الإخبارية[6].
يعرف المتآمرون على القيم الإنسانية، أنّ بداية قبول الفكرة يتم بتداولها دون حرج وبكل أريحية و”صراحة” في وسائل الإعلام. فالعيب والخطأ والإثم قبحٌ لا يجب إظهاره ولا تقبّل النفس السليمة النظر إليه، وتخجل عند ارتكابه، فضلاً عن التحدث عنه، ولكن عندما تعرض القبائح وتذكر تفاصيلها تحت عنوان أخبار الفضائح المثيرة والانحرافات الخطيرة، ومن ثم توضع على طاولة المناقشة وأخذ الآراء بدافع حرية التعبير، فإنّ حواجز الخجل والشعور بالعار تتماهى وتذوب! إنّ أخبار الجرائم والانحرافات بذور شيطانية آثمة لا ينبغي إعطاؤها الفرصة للظهور، فقد تنبت في القلوب الضعيفة، وقد يشكّل رواجها علناً حالة من قبول شيوع الفاحشة.
وليس أدل على هذه الحالة من تخصيص المجلات والصحف صفحة خاصة لقصص الفضائح، لجذب الفضوليين والمتطفلين وبالتالي مزيداً من القراء لأعمدتها، ولكنها في نفس الوقت قد تؤسس لشيوع الفاحشة والرذيلة والجريمة، وكأن جزءًا ثابتاً من أخبار المجتمع هو معرفة زلاته وانحرافاته، بدلاً من أخبار تطورات نتاجه الإنساني والعبقري ومواقفه الأخلاقية العالية التي تدعو للفضائل، وتنفر من الرذائل.
كانت الصحف في خدمة الناس حيث كانت، تؤدي دوراً مقدساً في هدي الناس وتبيان الحقائقِ وصناعة الوعي، أمَّا اليوم فقد استبيحت وأصبحت مرتعاً للاحتيالِ وتحقيق المصالح الظلامية والهدّامة. في هذا الزمن تُمتحن مبادئنا وقيمنا، ويُختبر صدقنا ونزاهتنا، ويُفتتن إيماننا بأن الله اختارنا رسلاً ومعلمين وأرادنا مصلحين ومعمرين، وأول ما يجبُ أن نتحمّل مسؤوليته هو كلمتنا التي نتفوه بها ونكتبها ونرسلها أو حتى.. نعيد إرسالها.
- . مقال في صحيفة الجمهورية الجديدة:Rosin, H. (2014). Hello, My Name Is Stephen Glass, and I’m Sorry. The New Republic. Retrieved from https://newrepublic.com/article/120145/stephen-glass-new-republic-scandal-still-haunts-his-law-career ↑
- . ميثاق الشرف الصحفي – جمعية الصحفيين البحرينيةhttp://www.bahrainijournalists.org/ar/References_and_documents/Meethaq ↑
- . جوليان – مجلة الفوربسJulien Verdier. The Rise Of ‹Fake News› And How Advertisers Can Help. (2020). Forbes.com
https://www.forbes.com/sites/forbesagencycouncil/2017/12/08/the-rise-of-fake-news-and-how-advertisers-can-help/#76c758a520e4 ↑
- . كتاب القوة الناعمة وسيلة النجاح في السياسة الدولية – جوزيف س. ناي ↑
- . منظمة الأبحاث NORC – جامعة شيكاغوAmericans Move Dramatically Toward Acceptance of Homosexuality | NORC.org. (2020). Norc.org.
https://www.norc.org/NewsEventsPublications/PressReleases/Pages/american-acceptance-of-homosexuality-gss-report.aspx ↑
- . جونتا وآخرون. مجلة ببردين لأبحاث الاتصالات:Gonta, G., Hansen, S., Fagin, C., & Fong, J. (2017). Changing Media and Changing Minds: Media Exposure and Viewer Attitudes Toward Homosexuality. Pepperdine Journal of Communication Research: https://digitalcommons.pepperdine.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=1053&context=pjcr ↑
استجابات