الضحية والأشواك

علِقت الضحية بين الأشواك وأصبحت الضحية نفسها حربة، صورة رمزية لكل مَن يُظلَم ثمّ يتّخذ صورة الظالِم ونهجه سبيلا، إذ يقع في شراك فكرة الانتقام ويعتقد بأحقّيته في القيام بفعل انتقامي حيال مَن أساء إليه، فحين تعلق الضحية بين الأشواك، وتسقط في فخ الأذى أو الإساءة، وتتبنّى الردّ بذات الدوافع النفسية العُنفيّة المحرّكة لمرتكب الإساءة، ستتحوّل إلى شوكة ضمن الأشواك، وستُوقع في شَراكها ضحايا آخرين، وحينها لن تعود الضحية ضحية كما كانت، بل ستكون الجاني بعد أن كانت مَجنيّا عليها.

لم تكن حروب البسوس أو داحس والغبراء النماذج الوحيدة لأفعال انتقامية جاهلية، بل إن التاريخ الإنساني المعاصر حافل بأفعال انتقامية حصدت أرواحا تستعصي على الحصر والتعداد، هناك مجتمعات أُبيدت واستؤصلت عن بكرة أبيها لمصالح دونية تلبية لغريزة انتقامية ليس لها من غاية إلا إيقاع أشدّ الضرر على الآخر. في عالمنا المعاصر، تطوّرت وسائل الانتقام، فلم تعد ممارسات فردية أو عشائرية فحسب، بل أصبحت أسلوبا ممنهجا تعتمده الدول والتحالفات الدولية، اتخذ له أبعادا خطيرة، فصار للانتقام غطاء ومبرّر شرعي وقانوني، أو تحت مسمّى عقوبات دولية، لا تجد من يستنكرها لأنها منبثقة من الأعراف الدولية التي لا جدال فيها.

مفردة “نَقَم” أو “انْتَقم” تعود الى جذر لغوي واحد وتعني المبالغة في كراهة الشيء، ونَقَمْتُ عليه أي أنكرتُ عليه فعله. من يقرر الانتقام هو شخص غاضب، والغضوب لا يفهم سوى لغة الانتقام، فعلاوة على ما تحدثه حالة الغضب من أضرار جسدية كنقص المناعة وأمراض مزمنة وتوتّرات عصبية، يذكر البروفيسور دايفيد سوزوكي في كتابه (التوازن المقدس) (The Sacred Balance) أنّ الذرات المكثفة التي تخرج من زفير إنسان غاضب يُعبّر عن غضبه أو كرهه أو حقده أو حسده تحتوي على مواد سامة، لو أنها جُمعت لمدة ساعة واحدة فقط، فإنّ هذه المواد السامة كافية لقتل 80 من حيوانات التجارب المعملية!

الكثير من الناس يمارسون الانتقام كسلوك يومي دون أن يشعروا أنهم يمارسون انتقاماً، فعادة ما تتلبس تلك السلوكيات بلباس أخلاقي أو حقوقي يبرّرها، أو تُمارس بشكل خفي تحت أقنعة مختلفة. فمثلاً، يقرّر زوج ما تجاهل زوجته بمبرّر تأديبها وإرجاعها للصواب، ولكنه حقيقةً يحاول إيقاع الضرر بها وإذلالها تلبية لرغبة نفسه الغاضبة، وزوجة تقرّر التنكيل بزوجها انتقاماً على إهماله لها، فكل منهما يحاول صبّ جام غضبه على الآخر بطريقة أو بأخرى استرداداً لكرامة متوهّمة، بدلاً من تحمل المسؤولية في معالجة الملفات العالقة والمشاكل المتأصلة بما يعيد البيت الأسري إلى استقراره وسلامته. وكذلك على مستوى العلاقات الاجتماعية التي تهدّمَت الكثير منها بسبب ردود فعل منفلتة، غايتها كسر الطرف الآخر وإهانته انتقاماً، بدلاً من التجاوز ووضع الحلول بما يصون تلك العلاقات.

منذ بدء الدعوة، عكف رسول الله (ص) على إعادة الرشد إلى الإنسان عبر معالجة العقائد التي تشين إنسانيته وتفسد مسار سلمه وتعايشه مع الآخر، فعمل (ص) على استئصال منطق الانتقام والأخذ بالثأر الذي كان هو المنطق السائد حينها، فيروى أن خرجت سريّةٌ من المسلمين فمرّت برجل من قبيلة معادية اسمه عامر الأشجعى ومعه غنم يرعاها، فلما رآهم ألقى عليهم السلام، فتقدم رجل من السريّة يُقال له مُحلّم بن جَثّامة لقتله. وكانت بينه وبين الرجل خلافات سابقة، فقتله وسَلَبَ غنمه.. فأخبرَ المسلمون النبي (ص) بما جرى، فغضب غضباً شديداً. حضر أقارب (عامر) وأُحضرَ (مُحلّم) ليحكم النبي في قضيته فإمّا القصاص وإمّا الدية، فدُفِعَت الدية بعد أن رضى أهله بقبولها. دخل محلّم على النبي وهو يتوهّم أنّ فعلته يمكن أن تمرّ، وطلب من النبي أن يستغفر له، فقال له نبيُ الرحمة بصوت مرتفع يسمعه الناس: اذهب.. لا غفر الله لك! (ثلاث مرّات). أراد الرسول بهذا التشديد اجتثاث كل ما يمكنه تدمير العلاقات في المجتمع من أحقاد أو ثارات، فالإفلات من العقوبة والقصاص لا يعني غفران ما أقدم عليه من جُرم.

لم يكن الرسول إلا المثال والأنموذج للقيم التي دعا الناس للعمل بها، فقد حفلت حياته بالعديد من المحطات التي امتلك فيها القرار والقدرة على الانتقام والنيل ممن آذوه وكذبوه، وتجرّع (ص) وأصحابه مرارات الحصار والتشريد والهجر طوال فترة الدعوة، لكنه أبى إلا أن يقابلها بسمو أخلاقه ونبل صفاته، فلم يوقع نفسه موقع الضحية التي علقت في الأشواك، بل قاده سيل ما تعرّض له من إساءات إلى التمسّك بقيم رسالته وفهم المسؤولية الملقاة على عاتقه في اقتلاع الجهل ودحض الباطل، ففي فتح مكة، نادى سعد بن عبادة قائلا: اليوم يوم الملحمة، لكنه (ص) يردّ قائلاً: اليوم يوم المرحمة، وقد كان المسلمون حينها يحملون مشاعر الغضب والرغبة في الانتقام ممن آذوهم وحاربوهم وأخرجوهم من ديارهم، لكن الرسول أعاد بكلمته البوصلة إلى موضعها الصحيح، فلا مكان لمنطق الانتقام في حياة الإيمان، بل الإصلاح هو منطق الإيمان، هو منطق لا يستجيب لرغبات نفسية غرائزية ولا يلبى عواطف أو أهواء شخصية، بل غايته إصلاح الخلل وترميم العلاقات ونشر قيم السلم والأخوة بين الجميع.

إن تبرير الأفعال الانتقامية بدوافع إقامة العدل لا يعدّ أساسا لفعلٍ يقوم على التقوى، فهناك فرق شاسع بين العدل والانتقام في المفهوم والتطبيق على حدّ سواء، وإن كان يبدو ظاهرا أنّ الانتقام هو صورةٌ من صور العدالة وتطبيقٌ لها. إنّ دافع الانتقام نفسي عاطفي، ينطلق من نفس سوداوية ناقصة، وعاطفة متهيجة منفعلة، وفي غياب تامّ للمنطق العقلاني، محرّكه هو الغضب ومحاولة النيل من الطرف الآخر وايقاع أشدّ الألم به. أما العدالة فدافعها عقلي أخلاقي لصون حقوق الجميع وغايتها هي تصحيح الخطأ، لذا فإنّ مسؤولية إقامة العدل في أيّ مجتمع لا تقع على الأفراد أو ممّن وقع عليهم الضرر، بل على جهة قضائية مستقلة تقع على عاتقها إحقاق الحقوق وتنفيذ القوانين الرادعة للجريمة، فمجتمع بلا قوانين وعقوبات رادعة هو مجتمع تشيع فيه الجريمة وتسود فيه الفوضى، ولذلك فتنفيذ القصاص في إطار الأنظمة والقوانين التي تفرضها الدولة هو جزء من النظام الكفيل بردع الجناة وحماية المجتمع، لذا جاء وصف القصاص بأنه حياة للمجتمع (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة/179).

قبال الاساءات، اللهُ يرشدنا إلى العمل وفق سنة التدافع (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (فصلت/34)، فالتدافع هو أداة الإصلاح والتغيير بالتي هي أحسن، وهو تخيّر أحسن الخيارات وانتقاء أفضل الحلول، فقد يتهجّم عليك أحدهم بقولٍ مُسيء، وتردّ عليه بذاتِ القول، ولكن ما هي المحصلّة من الردّ بالمثل؟ هل سيخلق حلاً أم سيثمر إصلاحاً، أم سيفضي إلى الإمعان في العداوة والشقاق؟ ماذا لو اختبرنا العكس، فقابلنا سوء خلقه بحسن خلقنا، والفاحش من قوله بالطيب من قولنا، فقد يوقظ الاحسانُ الخيرَ بداخله، ويتّجه لمراجعة نفسه ويتوقّف عن سوء فعله، فندفعه للصواب وتصحيح الخطأ. في كل الأحوال علينا تخيّر أفضل الحلول التي تدفع باتّجاه إصلاح الخلل، فتلك هي خيارات التدافع. لا نتحدّث هنا عن الاستكانة وقبول الإساءات، وإنّما عن منطق إصلاحي يقود قرارتنا وأفعالنا، فإذا كان الصفح ومقابلة الإساءة بالإحسان هو الخيار الأفضل لإصلاح الخلل، فليكن العفو والاحسان هو الخيار.

يقول نيلسون مانديلا، الرئيس الأسبق لجنوب أفريقيا، بعد أن مكث 27 عاما في السجن، “عندما خرجت من السجن ماشيا علي قدمي، كانت مهمتي تتمثل في تحرير الظالم والمظلوم معا”، كما قال كريستو براند السجّان الذي صاحب مانديلا من عام 1978 حتى إطلاق سراحه في 1990 لوكالة «رويترز»: “كان مانديلا دائما ودودا ومهذّبا ومُعينا لغيره”. وأضاف “أصبح مثل الأب بالنسبة لي. إذا ما احتجت بعض العون أو المساعدة في شيء كان دائما حاضرا”. فدفع الأمور للأمام وتحقيق تغيير إيجابي يستلزم الصلابة النفسية التي تحلّى بها مانديلا لكي يتمكن من إدراك الرؤية الإصلاحية التي يتطلّبها الموقف، فلم يكترث للانتقام من سجانيه أو ممن آذوه وتسببوا في سجنه، لأنّ الانتقام والإضرار بمعارضيه لن يدفع بلاده للسلام. اننا بحاجة لفهم ودراسة البنية النفسية لشخصية مانديلا وكيف أهّلته لتجاوز سيل الأشواك في طريقه. مثل هذا المضمون تجلّى كذلك في بعض أهالي الضحايا الروانديين حين اختاروا أن يصفحوا عن مرتكبي الجرائم عن قاتلي أبنائهم وأحبائهم، فقد سمحت إحدى أمهات الضحايا الروانديين لقاتل أطفالها الثلاثة بعد قضائه فترة سجنه بالعمل في حقلها كإعادة تأهيل له [1]حيث يعيش في ذات القرية التي تعيش فيها أمّ ضحاياه، فلم يكن هناك بديل عن ذلك سوى الدمار واستمرار سلسلة القتل والذبح حتى الفناء، إذ لابدّ من الصفح والتجاوز لاستمرار الحياة ولبناء رواندا من جديد، فحين يكون العفو هو الخيار الأخلاقي الذي ينسجم مع مصلحة المجتمع، يصبح ذلك العفو واجباَ أخلاقياً لدفع المجتمع نحو السلام والتعايش، وهذا ما يفسّر تحول راونداً لاحقاً إلى واحدة من أهم الاقتصاديات الناهضة في العالم بمتوسط معدل نمو 7.5 بالمئة من عام 2015 إلى عام 2017[2]. بل اعتُبرت روندا في عام 2017 واحدة من أكثر 10 وجهات سياحية أمانًا في العالم وفق ترتيب موقع travelandleisure[3].

وهْمُ الاعتقاد بأننا ضحايا أفعال الآخرين، وبأنّ الآخرين كانوا سببا في إهانتنا أو التقليل من شأننا وإهدار كرامتنا، قد يتّخذ شكلاً انتقامياً أشدّ قسوة في الواقع، ومنها الجرائم التي اقترفت بحقّ الأنبياء والمصلحين منذ القدم، فقد قتل قابيل هابيل انتقاما من حسد، وحُرق إبراهيم لتصفيته، ونُشِرَ زكريا، وقُطع رأس يحيى، ولوحق موسى، وفرعون انتقم من السحرة قبلها حين تجرأوا على مخالفته وعصيانه، (لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ) (الأعراف/124)، وقُتل أصحاب الأخدود على تمسّكهم بدين التوحيد (قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ) (البروج/4)، وتآمر أخوة يوسف فألقوه وباعوه بثمن بخس، وعاقبوه لــ (يَخْلو لكُم وَجْهُ أبيكُم) (يوسف/9)، وابليس من قبل ذلك توعّد الإنسان بالغواية والضلال (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) (الأعراف/16)، مردّ هذا التوعّد هو الكبر والغرور والشعور بالأفضلية، ورفض التعايش والتكامل مع بني الإنسان، وكان الأولى به أن يتواضع ويقرّ بالخطأ، ويتخلّى عن فورة النفس ويمضي لإصلاح ما فسد. فحبّ السيادة والسيطرة، وعدم الرغبة في وجود المُخالف والمنافس، والرغبة في الغلبة والانتصار الشخصي، والعقد النفسية، وغيرها، كلها قد تخلق بُنية نفسية مريضة وبيئة تحفّز غريزة الانتقام، فتندفع النفس للانتقام من كل ما هو جميل لأنه يفضح قبحها، ومن المجتهد لأنه يثبت كسلها، ومن الصحيح لأنه يؤكد مرضها، فتكون بذلك أشبه بكَسْر المرآة النقية لأنها تكشف ما تمقت وتكره، وهذا ما يدفعنا الى إعادة النظر في الدوافع النفسية التي نحملها والتأكد من خلوها من أيّة شائبة نفسية مريضة قد توقعنا في شراك فعل الانتقام ووهم الضحية[4]، فهل ننقم من شخص قدّم لنا نصيحة حق تكشف خطأنا؟ وهل ننقم من مجتهد تفوّق علينا فكشف تكاسلنا عن أداء واجباتنا، وهل ننقم ممّن يكسب مديحاً أو اطراءً على فعل خير قام به وكنا نتمنى أن نكون مكانه؟ وهل ننقم ممّن حاز منصباً كنا نتمنى أن نحوزه؟

فالاعتقاد بالأحقية في الانتقام معتقد باطل وليس له أساس إلا عند ضعاف العقول في أحطّ درجاتهم، لأنّ الانتقام صفة إلهية وحقّ حصري لله، لأنّه لن يكون إلا لتحقيق العدالة حصراً، وإنّ الصيغة القرآنية (اللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ) كلها تخصّ الله عزّ وجل، فلم ترد مفردة الانتقام بما يُعطي الانسان الحقّ فيه، فتمسّك أيّ انسان بهذا المعتقد يجعله في موقع المنازع لله في ردائه، فها هو نبي الرحمة يقول (ما أُوذي نبيّ بمثل ما أوذيت) ولكنه يقول أيضا (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)، متحرراً من كهف الضحيّة إلى الإصلاح والتغيير بالتي هي أحسن، فالانتقام ليس من شأن الإنسان المصلح، وإن كان ثمة من يعـتقـد بحقه في الانتقام، فهو اعتقاد خاطئ في صورته المتطرّفة. فرحلة الانتقام دائما محفوفة باﻟﻤﺨاطر، ولا ينجو منها أحد.

  1. .https://www.youtube.com/watch?v=ifT08q0lmJM&feature=youtu.be
  2. . https://almanassa.com/ar/story/10839
  3. . https://www.travelandleisure.com/trip-ideas/safest-countries
  4. . الحيلة الثانية: وهم الضحية

    يستمتع بعضهم بلعب دور الضحية، ومن شدة الإعجاب به: يتقنه، فيظن أنّ كل ما حوله مستفزٌ للوقوف ضده، وكل من حوله، همه أن يحدَ من تقدمه، فيرى الناس مجرد أقنعة تخفي من خلفها وجه الجلاد الذي يلاحقه، وما علم أنه إن صح في موقف أنه ضحية؛ فيستحيل أن يكون كذلك على الدوام، وأنّ الضحية قد تموت وقد تنجو وقد تصبح جلادًا في حين من الدهر لاحقًا، وكل ما عليه: أن يبحث عن مخرج.

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *