العصر الجاهلي الحديث

إنّ نسبة عصرٍ ما للجهل قد تكون مُضلّلة، فيبحث العقل عن المصاديق التي يراها عناوين للجهل بحسب ظنه، فيحكم بأنّ ذلك العصر كان متّصفا بكذا من صفات الجهل، بينما قد لا يكون كذلك، وحينها سنجهل الوجهة ويلتبس علينا مؤشّر الجهل المعنيّ.

فالمجتمع الذي اشتهر بيننا بالمجتمع الجاهلي لم يكن متخلّفا همجيا كمجتمعات الشعوب البدائية، بل هو مجتمع عرف العديد من العلاقات التي تعد في علم الاجتماع متطوّرة، كأنواع عديدة من البيوع والتجارات والمعاملات التي لا تزال قائمة حتى اليوم، وكانت له أسواق عامة محدّدة المكان والزمان بعضها ثابت دائم وبعضها متنقل وبعضها موسمي، وبضائعها عالمية قادمة من العالم المتحضّر حينها في روما وفارس والهند والصين، وكان يعلم جغرافيتها ونشاطها بمعنى أنّ العربي يومها له تصور عام عن الجغرافيا الدولية.

وكانت له مراكز متحضّرة في اليمن والشام والعراق، وعرف الكثير من الأدوات والمنتجات المستعملة في زمانه خارج جغرافيته، فهو يقع في قلب الطريق التجاري الدولي، وعرف العملة كوسيط بين البائع والمشتري وهي المرحلة المتطورة عن البيع بالمقايضة، وكان له أنواع من العمارة ابتداء من بيوت الشَعر إلى القصور، واستعمل ثياب الصوف والحرير والكتان والشفافيات، وأنواعًا من الحُلي، وأنواعا من الشراب، وأنواعا من أدوات المنزل، وكان يقرظ الشعر ويلقي الخطب ويعقد المنافسات الأدبية والرياضية، وعرف عقد الاتفاقيات والتحالفات الأمنية، وعرف أنواعا من الزواج والتبنّي، واتصل بثقافات دينية مختلفة بل وتديّن بها كاليهودية والنصرانية والمجوسية.

نعم هو لم يترك آثارًا خالدة كملوك وادي النيل أو الرومان، ولكنه ترك لغةً غاية في التطور والبناء المنطقي المحكم، بحيث لا تُضاهيها في بنائها المنطقي أية لغة في العالم، حافظ فيها على بيان الأزمنة المختلفة والفوارق الدقيقة بين المصادر وبين الأفعال والمعاني، وبين حالات المفرد والمثنى والجمع، وبين التذكير والتأنيث، وأقامها على قاعدة الاشتقاق التي تسمح للعقل بربط المعاني جذريا، وابتكر فنونا من المحسّنات اللغوية، والتعابير المجازية، بحيث يمكن القول بأنّ إبداعه اللغوي لا يزال عظيمًا حتى اليوم، كما أنه امتلك أبجدية للكتابة وإن كانت الناس في أكثرها أمّية.

نعم هو مجتمع ممزّق فاسد ماجن، منصة العدالة فيه سَرج وسيف وأعراف، ومحرّكه المطامع والمخاوف، أمّي لا يكتب، ولكن له ثقافة شفاهية متراكمة كانت تكفيه لتسيير شؤونه في تلك البدايات، وكثير مِن خصالهم السيئة هي اليوم خصال سائدة مَرضيّة في الغرب المتحضّر، ربا، زنا، حانات، مواخير، أخدان، وكثرة الأطفال المستلحقين…. مما لا يستلزم وصف أصحابها بالجهل الحضاري، فقد تُوجد في الجميع.

فما هي الجاهلية التي نتحدّث عنها إذن؟

إنها قصور و/ أو تقصير في نظرة الإنسان للوجود ولموقعه فيه تسوقه للعبث، حين يجهل أو يتجاهل الإجابة الصحيحة على سرّ وجوده؛ مَن أنا وما مُهمّتي؟ وما علاقتي بهذا الكون؟

إنها حين يتصرّف الإنسان في الوجود تصرف الجاهل، أو المالك، إما عن خوف أو عن غرور أو لا مبالاة.

إنها حين يعتقد أنه سيد نفسه، وسيّد غيره، وأنّ له مطلق الحرّية في التصرف، أو أنه على العكس عبدٌ مأسور للطبيعة وما وراء الطبيعة.

إنها حين يعمل الإنسان وفق رأيه خارجا عن كل سلطان غير سلطانه، مُحرِّما ومُحلّلا، مانعاً ومُجيزًا، آمرًا وناهيا، على حسب موازينه الخاصة، بغير علم ولا اكتراث، وكأنّ تصرفاته لا علاقة لها بالكون والمحيط ولا أثر متبادل بينها. يُجيز قتلا ويمنع قتلا، ويُجيز طعاما ويمنع آخر، يُعلي قوما على قوم، يُفضل جنسا على جنس، يُميّز خلقا فوق خلق وهم سواء في الطبيعة، يسرف، يبذر، يقصف، يدمّر، يطغى…كل ذلك وهو يظنّ أن لا أحد سيردّ عليه ثمرات أفعاله.

إنها حين تسحق استقلالية الفرد في الرأي العام وتعتبر خياراته الحرّة شذوذا وخروجًا عن النسق غير مقبول، إنها في تنميط الإنسان وخضوعه لآراء السادة والكبراء وعدم القدرة على الخروج من نيرهم الاجتماعي..

الاتّباع في الجاهلية للأرض، والأرض هي من تقرّر الوجهة، وتحدّد المصير، وتتسيّد على الوجود، الإنسان الجاهلي متحرّر عن الكون وخالق الكون، يتصرّف بذاتية حتى مع آلهته التي يعبدها ويطيعها، إذ أنها مِن وضعه ورسمه، وليس هناك مجال حقيقي للتفكير الحرّ المستقل ذاتيا ومجتمعيا إلا ضمن مراسيمه المفروضة، فمع أنّ الآلهة جهة طاعة وعبودية إلا أن طاعتها وعبوديتها مجرد استغفال للناس، وإلا فالفاعل الفعلي هم الكهنة وأهل السلطة، هم من وضعوا لها النعوت، ونسبوا لها القدرات بغير علم منها، أو حرّفوا الدين الحق بعد غياب نبيّه، فصاروا يتصرّفون فيه بالوضع والتبديل والتأويل، الجاهلية اغترار وأنانية وربوبية، جهلٌ بالطبيعة الحقيقية لنظام الوجود.

نماذج من تفكير العصر الجاهلي القديم:

(أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [يس: 47]، كانوا يرون أن لا مسؤولية اجتماعية تلزمهم بالبذل في الشأن العام، وأنه لا يجب عليهم المساهمة بأموالهم في خدمة أنفسهم وخدمة الناس من حولهم، كانوا يرون أن كل ما أوتوه فعن علم عندهم، أنطعم من لو يشاء الله أطعمه؟ سؤال استنكاري لأنهم يجهلون أن إطعام الغير مما في يدك هو فتح لباب استمرار النعمة عندك، وأن منهج المنع مدمر لسلامة الاجتماع على الأقل، فهذا باب جلي وملموس، إذا غضضنا الطرف عن أثر المنع على البيئة والمناخ والآفات وتسلط الأعداء وغيرها من عقوبات القدر.

(أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) [هود : 87]، وأن المال الذي بين أيديهم هو مالهم الشخصي خالصا لهم، لا حق لأحد فيه، ولا يحق لأحد تحديد الوجوه الملزمة لهم بالتصرف، فلا أثر على الحياة جراء أنواع الفعل البشري فالفعل الحسن والفعل السيء لا أثر لهما على الوجود والطبيعة، (فالطبيعة محايدة)، كما نعبر اليوم، والحق إنها ليست محايدة، ولا تستوي عندها الحسنة والسيئة، ولكنْ الجاهليّون يجهلون هذا ويرفضونه.

(وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) [الأنعام: 139]، هكذا يتصرفون في الموارد الطبيعية بالهوى، دون اهتداء بشرائع الله ولا بالقيم السامية، وكأنهم هم خالقوها، أو كأنها وُجدت من غير موجد، كأن لا إرادة أخرى فوق إرادتهم، فإذا احتبست الأمطار وأصابتهم المجاعة، أو انتشر وباء، فإنّ الجاهلي لا يربط الأحداث ببعضها، ولا يرى أنّ الطبيعة تعاقب وتثيب، فالوجود عنده مفكّك غير مترابط، ولا دخل لبعضه ببعضه الآخر.

(مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) [المائدة: 103]، تصرّف المالك فيما لا يملك، من دون توقف وتساؤل عن الهدف من كل هذا التنوع في الوجود، وعن مصدره ومالكه وما يريد، النظرة دائما قصيرة.

(مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [المائدة: 5)

(وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) [التكوير :8، 9]، هم لا يؤمنون مطلقا بأنّ مِن حقّ أحد أن يسألهم عن جريمتهم، فالبنت بنتهم، وكأنهم هم الخالقون.

(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا) [البقرة: 275]، من فرط جشعهم وتطبّعهم بسلب أقوات الضعفاء بالربا، لا يستطيعون التخلّي عنه، فأنفسهم خارج السيطرة والتحكّم، بل وهذيانها مُمَنطق ومُبرّر بعقلهم النفعي المهووس بالمادّة!

(أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) [المؤمنون: 35-37]، ينكرون البعث لمجرد أنهم لم يروه في حياتهم، وكأن عقولهم غير قادرة على التحليل المنطقي والتفكير الموضوعي، نعم فإذا كان إلهك من صنع يدك فمن المستحيل أن تؤمن بأنه قادر على بعثك من بعد الموت، ونظرتهم هذه تجعل الحياة كلها عدمية، فوضوية، لا غاية منها ولا حكمة، ومن كانت هذه هي قاعدة إيمانه ونظرته للوجود فلن يتردّد للحظة في الأنانية والأثرة والعمل وفق مصالحه الذاتية، مهما كلّف ذلك. وهذا قاسم مشترك أعظم بين الجاهلية القديمة والجاهلية الحديثة.

نماذج من العصر الجاهلي الحديث:

الجاهلية الحديثة ضالّةٌ على علم، طاغيةٌ عن قدرة، أنكرت وجود تخطيط مُحكَمٍ للكون وهي تعلمه أكثر من أيّ حضارة سبقتها، كلّما لاحت لها دواعي الإيمان مبصرة صدّت وجهها نحو الإلحاد والإنكار، حتى بلغت فيهما مبلغ العقلانية الضالّة والعلم المضلِّل، فكل ما لم تثبته مقاييسها فهو باطل! غرورٌ وتكبّرٌ وطيشٌ لا حدّ له، تصوّر أنهم بكل ما لديهم لم يتمكنوا بفعل ضوء النجوم من رؤية تريليونات لا حصر لها من الكواكب المختفية في الظلام، ولم يتمكّنوا من العثور على كوكب آخر يعجّ بالحياة من بين مليارات الكواكب التي يثبت وجودها الاحتمال الرياضي، أيْ أنهم لا يرون أضخم وأعظم وأكثر ما في الوجود؛ لمجرّد أنّ أنوار النجوم الساطعة تُخفيها عنهم كمن ينظر في عين المصباح فلا يرى ما وراءه، ثم يستكبرون.

يقولون: نشأ الكون بالصدفة أو هو هكذا منذ الأزل لم يُنشئه مُنشئ، لا يُوجد سلطان على الوجود من خارجه إلا قوانين الفيزياء، وقد تطوّر بقوانينها.

ونشأت الحياة بالصدفة، وتطوّرت بقوانين فرضتها طبيعتها. وجئنا كآخر حيوان في سلسلة التقدّم، فنحن أرقى الحيوانات ولنا الحقّ في التصرّف بكل الكون بحسب ما تقتضيه مصالحنا، لسنا في حاجة لتوجيه خارجي، فنحن قادرون على صناعة حياتنا وتطوير قيمنا وأخلاقنا ومن ثم قوانيننا وتشريعاتنا، فينبغي ألا تفرض علينا فنحن أعلم بمصالحنا، ونطوّرها كلما تطوّرنا، لا حاجة لنا لقرين هادٍ مِن موهمات الغيب.

لنا الحق في التصرّف بالكون وفق قدراتنا، وقد كنا نخاف الطبيعة أيام جهلنا فعبدناها، ولكنّنا اليوم آلهة الوجود، الأقدر على التحكّم فيه، والقاعدة التي ينبغي مراعاتها حين التصرّف في الكون هي الاستدامة، فكل شيء يفنى بسبب أو بآخر فهو خسارة لنا، وفقدان لوجه من وجوه استفادتنا.

الحياة صراع، والبقاء للأصلح، وهو الأقوى قدرة على التكيّف وحل المشكلات، هكذا بدأت الحياة وهكذا ستظل.

لا تُوجد قيم مطلقة، فالقيم كلها نسبية تتطوّر وفق مصلحة الحياة وضروراتها، ولا تُوجد قيم فطرية قبْلية، فكلّ شيء فينا بدأ بنا لا فضلَ لأحدٍ فيه علينا.

ليس ثمة غاية مِن وراء هذه الحياة سوى الحياة نفسها، فمن فاتته الحياة فقد خسر فرصته الوحيدة.

تكمن السعادة في توفير سبل الراحة والرفاهية، والأمن والصحة وسائر ما يجعل الحياة بلا ألم.

كلما تقدّم العلم كلّما توفّرت قدرات هائلة للسيطرة على الطبيعة وسنبلغ يومًا جنّتنا على الأرض بحيث تعمل الآلات ويستهلك الإنسان بلا عمل، أو على الأقل سيبقى هذا حلمنا المنشود، وهو الجنة الحقيقية التي يتوق لها الإنسان.

بالحداثة بلغ الإنسان غاية التطوّر، وبالديمقراطية توصّل لأفضل أنظمة الحكم، وبالعلم امتلك قدرات جبّارة للتحكم في الأشياء.

الطبيعة محايدة لا تكترث ولا تميّز بين فعل الخير وفعل الشر، لأنهما فعلان نسبيّان أصلا، وما هما سوى المنفعة والمضرّة التي تعود على الفاعل، فكل نافع تلتذه النفس فهو خير، وكل ضارّ مؤلم فهو شرّ، ولا عقوبة إلا ما يجرّه من آثار في زمن الحياة، وأما بعدها فالخير والشر يفنيان بفناء فاعليهما.

هذه الجاهلية الحديثة، وتلك الجاهلية القديمة، لا فرق جوهري بينهما، وحتى ما نراه من تفاوت في الإمكانيات بين القديم والحديث فإنما هو فارق كمّي، وقد ترك الإنسان القديم إنجازات لا تزال تبهرنا عظمةً وضخامةً ودقّةً ونظامًا، ولكن الحديث والقديم هم في جاهلية أخرى، أساسها جهل البناء الحقيقي للوجود وطبيعة تكوينه وشدّة ترابطه، ووحدة قوانينه، وثبات البنية الأخلاقية له، وتواصله مع التشكّل الجديد بعد القيامة، فهو كله يقوم على بنية أخلاقية غير القوانين الفيزيائية التي نكتشفها، هذه القوانين لا سبيل لاكتشافها بالعقل والتجربة، بل بالإيمان والروحانية والتأمل والبصيرة، إنه التسبيح الكوني لله، من أصغر وجود إلى أعظم موجود.

“إنَّ القيم والأخلاق الحقيقية مجموعة قوانين فطرية، تُطبَّق بحكمة على الحياة الإنسانية، وليس مجرَّد لائحة من الحلال والحرام، يضعها أناس بحسن النِّية كما يظنُّ مَن لا خلاقَ لهم، فمعظم النَّاس يجهلون آلية القانون الطَّبيعي.

يجب أن نفهم أنَّنا نعيش الحياة على الأرض ولسنا أصحابها كما يدَّعي البعض في غمرة تكبّرهم، إنَّنا في هذا الوجود العظيم مجرَّد خلية أصغر مما نتخيّل، ولكن ماذا لو أنَّ خلية من جسمنا اعتقدت أنَّها صاحبة الأمر على كلِّ جسمنا، ومن ثمَّ عملت على الإخلال بالنِّظام العام لجسمنا، كأن تغزو جسمنا بالهجوم للقضاء على خلايا أخرى وسلبها قوتها أو تحريضها ضدَّ قانون الجسد؟!

إنَّ هذا ما يحدث مع النَّاس، إنَّهم لا تهمُّهم البنية الكونية كجسم حي تظلُّ فيه كلُّ الأشكال الحيَّة متَّصلة بحيث تحصل طاقتها عن طريق اتِّصالات رهيفة، إنَّهم لا يفهمون أنَّهم عند إلحاقهم الضَّرر بغيرهم فإنَّهم يسبِّبونه لأنفسهم أيضًا.

فمقولة “لا تفعلْ بغيرِك ما لا تريدُ أنْ يفعلَ بك” ليست جملة جميلة فحسب، بل إنَّها التَّعبير الصَّحيح عن مبدأ الكون الذي يمكن تلخيصه في (الكُلُ في الفردِ والفردُ في الكُلِ)، فكلُّ خليَّة في جسمنا لها ذاكرة شاملة عما في جسدنا كله، وكلُّ ذرَّة في الكون هي بدورها مرآة للبنية الكلِّية.”

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *