حذر القرآن المسلمين من ظاهرة التمذهب منذ العصر الأول، وكأنه يستشرف المحذور الذي سيقعون فيه مستقبلا، وضرب لهم مثلا بالصراع القائم بين اليهود والنصارى، وكلّ منهما يدعي بأنه الممثل الشرعي والفرقة الناجية: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَة فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (البقرة – ۱۱۳)، (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (البقرة -١٣٥).
اليهودية طائفة وليست دينا، وكذلك النصارى، وذكْر الوحي لهذه المسميات ليس من باب الإقرار بها، بل لبيان فسادها واعوجاجها، ولنقد مقولاتها الضيقة (وقالوا) (وقالت) تحذيرا للمسلمين من مغبة هذا التوجه، ومعالجته عبر التأسيس لمبدأ يرفض الفرقة، ويدحض فكرة الفرقة الناجية والممثل الحصري لشرع الله، لنقرأ الموقف القرآني: (أمّ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أم الله وَمَنْ أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهَ وما الله بغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ) (البقرة – ١٤٠)، (مَا كَانَ إبْرَاهِيمُ يَهُودِيًا وَلَا نَصْرَانِيًّا ولَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المشركين) (آل عمران-٦٧).
المذهب صناعة بشرية، هو مجموعة من الآراء والنظريات العلمية والمعتقدات ذات صبغة دينية واجتماعية وفلسفية، الحق فيها أمر نسبي، ولكنها ليست الدين، وإن ادعت أنّها النسخة الأفضل والأكمل من بين النسخ الأخرى، والقرآن يحدد بشكل جلي الهوية الدينية التي ينبغي الانتساب إليها، لجميع أتباع الرسل دون استثناء، الهوية التي أكد عليها الأنبياء، ووصوا أبناءهم بها جيلا بعد جيل:
(إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُسْلِمُونَ) (البقرة: ۱۳۱-۱۳۲)، صبغة الله التي توحد جميع العباد، شعوريا، وتسمو بهم أخلاقيا، ولا تسمح بما يمزق نسيجهم البشري، ولا تقبل تفاخر أحدهم على الآخر، أو الاستعلاء عليه بعرق أو دين أو مال، بل تدعوهم لأن يتناغموا مع أشكال اختلافاتهم في الآراء والأديان والثقافات، ليتعارفوا ويتكاملوا وليسود بينهم السلام الذي هو جوهر هويتهم المشتركة (صبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةَ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) (البقرة – ۱۳۸).
هذا هو لب الإسلام، إلا أن المسلمين أضاعوا اللّب بتضييعهم هدْي القرآن، فادعى كل مذهب كماله وضلال وفساد المذاهب الأخرى، فأعادوا الخطاب الذي حذّر منه القرآن (وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيَهُمْ) (البقرة – ۱۱۱). وفي عصرنا الراهن، نرى بوضوح كيف يكرّر أتباعُ المذاهب أفعال وأقوال اليهود والنصارى الذين ذمّهم القرآن الكريم، فالسنة تقول بأن الشيعة لن يدخلوا الجنة، والشيعة تقول أن السنة لن يدخلوا الجنة، فذاقوا جميعا كأس التمزق والتخلف والانهيار .
لو حكّمنا كتابَ الله سبحانه لاستنكرنا فكرة تميّز مذهب على آخر، أو أي من التصنيفات الدينية التي اصطنعها الناس، ولصدّقنا عمليا قوله الصريح بأن الطريق الوحيد لبلوغ مرضاة الله وسعادة الناس، هي أن يكونوا مسلمين لله مسالمين محسنين، محبين الخير لبني الإنسان كافة (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وهو مُحْسِنٌ فَلَهُ أجْرُه عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (البقرة – ۱۱۲).
استجابات