القصص القرآني خزّان وعي

إنّ ما ذُكر في القرآن الكريم من قصص وسنن وذكريات، باعتباره مستودعاً للوعي العام، ليس مجرد آثاراً غابرة، وإنما هي قضايا اجتماعية وشئون إنسانية عابرة للزمان والمكان حيث كان الإنسان وأينما وجد، وهي إنما حفظت في قوالب وأساليب تسمح للعقل بتدبرها وتأمّل أبعادها، ثم النظر إليها كظواهر ذات قضايا ترتبط بالنظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي بها يستقيم أمر الإنسان، وعليها تنهض مجتمعات السلم، إنها تستهدف وعي الإنسان أو “القوى” الاجتماعية الرائدة، لاستيعابها وإدراك خباياها، ثم إسقاطها على الواقع المعاصر إما لتطوير أنظمته أو سدّ ثغراته أو علاج مشكلاته.

إنّنا نؤمن بأنّ الأساس في النصوص القرآنية هو تحرّرها من أسر الأزمنة وحدود الأمكنة، وأنّ لديها خاصية التجانس والتعايش مع كافة المتغيرات، لكونها تعي الإنسان وحاجاته الجوهرية، ولأنها قادرة على استيعاب الحقائق الجديدة للحياة مهما تقلبت الظروف، ولذلك هي تدعو باستمرار العقول للتحرش بها والتدبّر في ألفاظها وتراكيبها، إذ هي في ذاتها ممتنعة أبداً عن الركون أو السكون المنفصل عن الواقع، ولها القابلية للتحوّل إلى أفعال معاشة، وإلى مناهج تحاكي الحياة، على المستوى الفردي والمجتمعي والعالمي.

لذا فإنّ القطفة الأولى تتوقّف على النجاح في إدراك مفاهيم الآيات العلمية بعيدا عن الشخوص والقوالب، لأنّ المفاهيم هي أوّل ركن في العمل العلمي، وهي وسيلة الإنسان لوصف المعلومات، ثم التوافق مع الآخرين حول الأفكار والحالات المتعددة، كما أنّها الأساس للانطلاق نحو ساحات معرفية أكثر عمقا، فتوضيحها ضرورة لتيسير المعاني ليستوعبها الآخرون، ولتحقيق التواصل الفكري بين المتكلم والمستمع، أو بين القارئ وما يقرأ، خاصة وأنّ أيّ مناقشات أو تحليلات أو تأملات في الآيات ستعتمد على ما تختزنه هذه المفاهيم، فبيان المفاهيم الأساسية للآيات يعدّ الخطوة الذي تمكننا من فهم غايات الآيات، ومن ثمّ تأصيل جملة من الوظائف والمنافع والتطبيقات التي يتوقف عليها استنتاج القواعد العقلية أو القوانين الاجتماعية المرتبطة بالمفاهيم الرئيسية للآية.

هكذا تحرّك القرآن عمليا على الواقع الأول للتنزيل، فما من قصة أو حادثة تاريخية وردت في القرآن الكريم إلا لحاجة وحكمة بليغة وعاها رسول الله (ص) آنذاك لأنّه هو المخاطب الأوّل بها، فهم رسالتها ومضامينها الكامنة وعمل بها، ليكون لمن يأتي بعده قدوة وأسوة في ضرورة استيعاب الرسائل التي تحملها آيات القرآن الكريم لنا عبر الأزمنة بسرد تلك الحوادث أو ذكر تلك الظواهر المعبّر عنها بقصص تاريخية موجزة أو مفصّلة، واضحة بشخوصها وأغراضها أو مرمّزة وغامضة في مغزاها.

فحادثة خلافة الإنسان المذكورة في سورة البقرة “إنّي جاعل في الأرض خليفة” تنبئ عن حدث غيبي أزليّ، وهو تفاصيل جعل الخلافة في الأرض للكائن الإنسانيّ دون غيره من خلق الله، فتسرد حكاية خلافة الإنسان واحتجاج الملائكة على الربّ باستخلاف مَن لا يستحقّ الخلافة –حسب نظرهم- وتتدرج لتبيّن فضل هذا الإنسان الذي استقلّوا شأنه عليهم ليذعنوا ويعترفوا بعد ذلك بجهلهم، وغير ذلك من علوم الغيب، وفي الوقت ذاته –وهو الأهمّ- فإنها تحمل دلالات رمزية كثيرة لرسول الله (ص) ولقومه سواء المؤمنين منهم أو الكافرين، بل هو لسان رسالتها آنذاك؛ أنّ محمّداً نفسه هو المختار من الله (خليفة) وأنّ احتجاج اليهود على ذلك هو أحد احتجاجين إمّا احتجاج ملائكي (كشكٍّ عقليّ) نهايته الإذعان، أو إبليسي (كريْبٍ نفسيّ) نهايته الخسران، ثم تأكيد الوحي على أهليّته العلميّة وصلاحيّته الإنسانيّة لأعباء هذا الدور، واكتشاف المعترضين عليه جهلهم بحقيقته ليومئ إليهم –من طرف خفي- إلى مصير مَن يستكبر عن الاستجابة لدعوته، .. وغيرها مما لا يسمح المجال لتفصيله هنا، وبالطبع فإنها لا تخلو من دلالات لكل مَن يقرأها بهدف استخلاص فائدة منها أو عبرة أو حلّ لمشكلة، فلكل مكوّن من مكوّنات القصة شفرة يستطيع فكّها مَن يقرأ القرآن بصفته كتاب “هدى” وتبصرة ويستخلص منه العبر بصفته مستودعاً للوعي.

ولو مررْنا على قصص القرآن وحوادثه التاريخية كلّها لوجدناها تحمل رسالة خاصّة لرسول الله (ص) أو مجموعة رسائل له ولقومه وإلا لكان نزولها عليه عبثاً.. فبعضها تحذير، أو تعليم، أو توجيه، أو عتاب، أو تطمين، أو تسلية له (ص).. والسلوى بحدّ ذاتها غرض، فلم يكن ينزل شيء عليه (ص) ترفاً، فهذا لا يفعله عاقلٌ مع طفل فكيف بالوحي مع خاتم الرسل (ص)! كما أنها كانت تحقّق الغرض الذي من أجله ذُكرت في سياقها التاريخي وظرفها الاجتماعي، فقصة هابيل وقابيل مثلاً وقتل الأخ لأخيه حسداً ومنازعة على سلطان أو زعامة دينية، قصّة تاريخية موغلة في القدم وتبدو للوهلة الأولى أنها قصة فحسب، ولكن بشيء من التأمّل نرى أنها تعبّر عن قضيته (ص) مع إخوته اليهود الذين يشترك معهم في أبّوة إبراهيم (ع) ديناً ونسباً، وتشخّص داء مَن عاداه حسداً وطلبا للزعامة الدينية دونه إلى درجة بسط اليد لقتله والتخلّص منه، كما تختزل في مفرداتها رغم إيجازها الشديد قضية اجتماعية أبدية لا يخلو مجتمع بشريّ منها في أيّ زمن من الأزمنة، وكذلك فإنّ الخُلق الذي تعامل به هابيل مع أخيه قابيل “لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا باسط يدي إليك لأقتلك”، خلُق عابر للأزمنة يرفض عقيدة الصراع والانتقام أو معالجة الخلافات مع الآخر باستئصاله ونفي وجوده، وتشتدّ الحاجة إليه كلما تطوّرت المجتمعات مادّياً وعسكرياً وتقنيّاً وتردّت قيميّاً وأخلاقياً وإنسانياً..

وقس على ذلك كافّة قصص القرآن، فقصة يوسف برمّتها تحكي قصة رسول الله (ص) بتفاصيل يدهش المرء مِن انطباقها الكبير عليه، قصّة أهل الكهف، قصّة صاحب الجنّتين الذي يُحاوره المؤمن المحروم، قصة الخضر وموسى (ع)، قصة ذي القرنين، قصّة مائدة حواريّ عيسى (ع) وليلة عشائهم الأخير، قصة عناد اليهود وذبح البقرة، قصة نبيّ الله يونس (ع) وقومه، نوح (ع) وسفينة نجاته، سليمان (ع) وسعة ملكه وسلطانه، واختلافه مع أبيه داود (ع) في الحكم، وإلقائه على كرسيّه جسداً، وتسخير الجنّ له، والطير، والجبال.. كل هذه القصص وغيرها لها انعكاس مباشر وتطبيقات في حياة رسول الله (ص)، يذهل المرء حين يعرفها، فعلى سبيل المثال، مارس النبي (ص) تسريب فتية إلى كنفِ كهفٍ سنين عدداً لكنْ إلى الحبشة، كما حاور أصحاب الجنّتين (رحلتي الشام واليمن) القرشيّين وهدّدهم بزوال النعمة للارعواء عن كفرهم وظلمهم، وبعث الدعاة (كأفراد) ليمارسوا مهمّة (الخضر) تعليماً وهداية، وجهّز السرايا والجند لكبح المفسدين ومحاصرتهم، وأقام الرماة على جبل أُحد ليردّ الغزاة كما فعل ذو القرنين لردّ شرّ “يأجوج ومأجوج” زمانه، وهكذا..

بل أحيانا تختزن الآيات في مطاوي القصّة قيمًا وقواعد وأسرارا وتقنيّات وخططا، بمعنى آخر مادّة “وعي” تهدينا السبيل فيما ينبغي فعله في محطّات مستقبليّة، فمثلاً:

في قصّة قتل الغلام الذي سيُرهق أبويْه طغيانا وكفرًا: (وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً) (الكهف:80)، أنه نصّ يصنع المناعة ضدّ أيّ استنكار مستقبلي حين يتمّ إزالة ما يبدو بريئًا وذا أصول صالحة.. من مثل:

1- إزاحة قريش كحاضن للرسالة واستبدالها بيثرب وأنصارها: بعد كفرٍ وطغيانٍ أزعج روح أبويْ قريش وأصلها (إبراهيم وإسماعيل)

2- استبدال اليهود وإجلائهم: بعد كفر وطغيان أزعج روح أبويْهم وأصلهم (موسى وهارون)

3- إزالة نخل يهود بني النضير مِن أصولها.. وهي بريئة.. لكن ليُخزي الفاسقين الذين يكمنون وراءها.

وفي قصّة: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً) (الكهف:79).. فالسفينة التي سيّرها النبيّ بالمساكين (ومنع رجوعها) هم مهاجرو الحبشة.. لأنّ قريشاً تغتصب الإرادات والدّين الذي للمساكين، لذلك لاحقوهم بغية إرجاعهم لحظيرتهم وملكهم.

هؤلاء المهاجرين الفارّون بدينهم للحبشة هم “أصحاب الكهف” زمنَ الرسالة، الذين لو ظهر عليهم الملك الغاشم (يُعيدوكم في ملّتهم ولن تفلحوا إذا أبداً).. فأبعدهم لئلا يظهروا عليهم ويستضعفوهم ويرتدّوا عن دينهم، وكخطّة طارئة لحفظ بعض شخوص الرسالة، كبذورٍ مخبّأة للحاجة..

فالقرآن كلّه معنّي بقضايا المجتمع الذي جاء لإصلاحه آنذاك، وهو مجتمع إنسانيّ متكامل بجميع مكوّناته وعناصره وتنوّعاته ومشاكله وسلبياته وإيجابياته، فقد كان مجتمع مكّة ومن بعده المدينة مجتمعاً مصغّراً لأيّ مجتمع إنسانيّ آخر، بل هو مصغّر للمجتمع العالميّ اليوم، وإذا نظرنا إلى ما يحويه القرآن الكريم من علوم ومعارف، وقضايا وأحكام، وقيم وأخلاق، وما فيه من قصص الأوّلين – المتقدّمين منهم والمتأخّرين – لوجدنا فيه علم الأولين والآخرين، واستفدنا من مراكمة تلك الخبرات والتجارب إلى خبرتنا وعلومنا وتجاربنا لنُعالج قضايانا وإشكالاتها.

إن تصميم منهجية حيّة للنظر إلى القرآن قضية في غاية الأهمية، تقع مسئوليتها المباشرة على حملة القرآن والعارفين به، تستوجب عليهم أن يستثيروا النصوص القرآنية لمحاولة التعرّف على لطائفها الدقيقة، عبر تبنّي منهج علمي قواعده صلبة محكمة، يعنى بتأمّل آيات القرآن مليا، وتعريضها للسؤال الهادف والنقاش المعمّق، وبتقليبها كما تقلّب الأرض للفلاحة، ثم النظر إليها من زوايا عدّة، بنية صدق خالصة ترمي إلى سبر أعماقها، واصطياد دلالاتها الإيحائية، ومحاولة الإمساك بما تومئ إليه من إشارات ورموز مبطنة، بغية الكشف عن الوجه الإنساني الخالد للذكر الحكيم، واستلهام المفاهيم والقيم التي تؤسّس للتغيير والإصلاح، وتستنبط نُظم حياة تقيم الحال وترفع الشأن.

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *