المصطلح في المنظور القرآني

اللغة وعاء التفكير وهما يؤلفان وحدة لا تنفصم، فاللغة واسطة التعبير عن التفكير، بل هي الواقع المباشر له، فالإنسان حين يفكر بلغة لا أنه فقط يعبر عن تفكيره بلغة، ومن دون أن يوظف الإنسان اللغة التي يتقنها فإنه عاجز عن التواصل مع الغير، وهو لا يمكنه في كل حال أن يحضر الأمور بأعيانها ومشخصاتها الماديّة للتعبير عن أفكاره ورؤاه. لذا فهو يحتاج إلى قالب لغوي صوتي.

والإنسان مهما كان بدائيا فإن فكره لم يتم بدون قالب لغوي “صوتي” منذ بداية الأنسنة، وأهل الأرض جميعا اليوم إنما يفكرون بقالب لغوي، فالصوت لباس اللغة خارجاً لا أن اللغة هي الصوت، فالأبكم والأخرس يفكران بلغة هي أعم من الأنظمة اللسانية، وتعتمد دلالات الأشياء في الذهن (صورها) وتركيب العلاقات والنسب بينها، وهي عملية آلية، بينما النطق عملية اختيارية وتخيّرية.

إن الكلمة المفردة المعجمية في أي لغة كانت لها أبعادها وأهميتها في استيعاب الفكر وتوظيفه للتواصل الإنساني؛ إلا أن أبعاد وخطورة المصطلحات أشدّ وأعظم.

وقد قال بعض علماء اللغة أن: الكلمة يمكن أن تأخذ عدة معان أو ظلال معان غير محددة، ويمكن استخدامها في تسمية الأشياء، وتعتمد في ظهور معناها على السياق[1]، فإن هذا لا يعفينا عن تخير المصطلح الأنسب، وكذا ما اشتهر بين المفكرين والعلماء مقولة: ” أنه لا مشاحة في المصطلحات ” بمعنى أنه لا حرج ولا مؤاخذة على الباحث أو المتحاور أن يختار أي مصطلح لمفهوم من المفاهيم، ولا ينتقد على استعمال مصطلحه مادام واضحا عنده؛ فإن هذا قد جرَّ إلى التساهل في اختيار المصطلحات واستخدامها؛ مما أوقع في التعامل مع فخ المصطلحات التي تختار ضمن هوى التسييس وهو بحد ذاته تلوين للحقائق وضياعها أو ضبابيتها، وتكمن خطورتها حينما تستعملها أمة سلاحا بخبث تجاه أمة أخرى تعاديها.

أما المتخصصون في علم المصطلح ولإدراكهم بضرورة الدقة في نحت المصطلحات والفحص والتمحيص فيما يشاع منها فقد تبنوا تعريفا له يتميز بالدقة، فعرفوه بأنه “الرمز اللغوي المحدد لمفهوم واحد”مؤكدين أنه يقوم على دعامتين هما: الرمز اللغوي والمفهوم[2].

أما المفهوم فقد عرفه فيلبر (FELBER)” بأنه عبارة عن بناء عقلي ـ فكري ـ مشتق من شئ معين، فهو ـ بإيجاز ـ الصورة الذهنية لشيء معين موجود في العالم الخارجي أو الداخلي[3].

ولأهمية المصطلحات ودقّة وضعها اشترطوا حين وضع رمز لغوي (المصطلح) لمفهوم معين مراحل تبدأ من جمع المفاهيم وتنظيمها في مجموعات ذات علاقة متجانسة، ثم فهم المفهوم ووضع تعريف منطقي له، بأن يكون التعريف محددا ودقيقا، وكما يقول المناطقة القدماء: “أن يكون التعريف جامعا مانعا” ثم يوضع أخيرا الرمز اللغوي (المصطلح)، فما هي المعايير الرئيسية في صياغة المصطلحات وتسويقها؟

  1. من المهم في المعايير أن تكون ثمة علاقة منطقية بين المفهوم (الصورة الذهنية) والمصطلح، فإطلاق مصطلح “مرسل” على جهاز معين، لابدّ أن يكون الجهاز من خصائصه الإرسال.
  2. أن نستعمل لغة واضحة ودقيقة بعيدا عن الترادف في تصوير المفهوم وفي صياغة التعريف ووضع المصطلح حتى لا يلتبس بغيره وحينئذ يتشتت الفكر.
  3. أن يتم الاتفاق على معايير علمية محددة في وضع المصطلحات يحاكم على أساسها صحة المصطلح من عدمه.
  4. حين ننقل مصطلحا من لغة إلى أخرى فلابد من إتقان اللغة المأخوذ منها المصطلح، فيكون واضع المصطلح متقنا للغة كما يفكر بها أهلها.

وللتأكيد على أهمية ضبط المصطلحات فإنه لا يمكن أن نتصور إنجازا معرفيا دونما دقة وضبط واتفاق على مصطلحاته في أي حقل من حقول المعرفة.

وقد عمد المغرضون بالذات قديما وحديثا إما لتحطيم حضارة الآخر أو لتمجيد كيانهم ووجودهم كأمة أو شعب عبر ما يدعى ب “حرب المصطلحات”[4] وما الحرب النفسية إلا فصل من فصولها وامتداد لتبعاتها.

ويضاف إلى كيد المغرضين النظرة التسطيحية الجاهلة بخطورة ما تبتلي به الأمم من فداحة هذا السلاح القادر على قلب الحقائق ونسيانها حتى من صفحات التاريخ، وإحلال تاريخ آخر بديل عن الواقع الحق؛ لأنه جزء هام من صراعات قوى البشر على امتداد تواجدها على الساحة الأرضية، وعلى امتداد الزمن منذ خلقه الله سبحانه إلى أن يصل إلى طور الفضيلة الإنسانية، وإن مصطلحا مثل “الإرهاب” بات لا يفرق في السياسة بين حالة الحذر والاستعداد والتأهب وامتلاك القوة لشعب أو أمة تريد السلام دون نية الاعتداء على الغير إلا أن استعدادها وحذرها وامتلاكها أدوات القوة لإرهاب أعدائها المحدقين بها وتعريفهم بحجمها وقوتها، وبين حالة أخرى مغايرة لشعب أو أمة لا تسعى إلى السلام بل تريد فرض هيمنتها على كلّ من تطالهم يدها، فحين تعتبر هذه الأمة نفسها صاحبة السيادة ولها الحق في تسخير كل إمكانات الآخر لمصالحها وإن دافع الآخر عن أرضه وماله وخيراته تسلط عليه سيف “محاربة الإرهاب” بعد عولمته. فبدلا من تداول مصطلح “الإرهاب” علينا أن نميز بينه وبين مصطلح “الإرعاب” بحسب مدلول المصطلحين في اللغة العربية، لأن الرعب هي الحالة التي تخلقها مظاهر الاعتداء والتجاوز وحالات الحرب العدائية والتوحش. ولو تفحصنا الكثير من المصطلحات لوجدنا أنها سيقت بعناية فائقة وانتشرت وتعولمت دون إنكار ولا توجس والأدهى أن القتيل بنفس سيف المصطلح الخبيث هو نفسه يحمله ويبثه بوعي أو بغير وعي.

أما مصطلح “الاستعمار” فإن معناه في الأساس مشتق من الفعل “عمر” بمعنى أحيا وأبقى الشئ ممتدا في الحياة، والأرض العامرة والمعمورة هي الأرض المنتجة التي استعمرها أهلها فأعطوها جهدهم واستقبلتهم وأعطتهم هي خيراتها وكنوزها، إلا أن إساءة استعمال المصطلح في غير محله المضاد له تماما، أعاروا مصطلح “الاستعمار” إلى غير أهله، لأن المفهوم الحقيقي لما اصطلحوا عليه خطأ وزورا “الاستعمار” إلى الذات التي تتوفر فيه مجموعة من المعاني الكريهة السلبية فهو “المحتل” للأرض “الناهب” لخيراتها “المستكبر” على أهلها “الماحق” للغتها وتراثها وهويتها “المعتدي الأثيم” الذي لا تستقر له الأمور ـ حسب اعتقاده ـ إلا بمسخ صورتها عما كانت عليه قبل احتلالها، فكيف لصاحب هذه المواصفات اللاإنسانية أن يتقمص هذا المصطلح لنفسه السوداء العدوانية وهو مصطلح إيجابي غريب عنه لأنّ فيه المحبة والعطاء للأرض وأهلها والحرص على اللغة والتراث والأخلاق والعمل على إعمار الأرض لا خرابها، كيف سمح له أن يسلب هذا المصطلح كما يسلب الأرض وخيراتها ويعيث فيها فسادا، ويدّعي لنفسه الصلاح والإعمار، والعجب أن يظل المصطلح شائعا لا ينكره أحد، ونحن نخلعه عليه في لغتنا!! أما آن للغة أن تستغيث وتضج من هذا الإفساد والغربة اللغوية قبل غربة الأرض والوطن؟! مع أنه لا يحتاج إلى عمق في اللغة لهجر هذا المصطلح فيما هو شائع الآن، أما أساس استعمال مثل هذا المصطلح فيرجع في ظني إلى التسامح في استعمال المصطلح في غير مكانه، وعدم رؤية خطورة وجسامة استعمال المصطلحات بغير مناسبة بين المفهوم والمصطلح، وآثارها السلبية على اللغة والفكر، وعدم تبني اتّباع منهجية الدقة والعلمية في اختيار المصطلحات، على أنه لا ينبغي لأحد أن يسارع في حكمنا على هذه الخطورة بعدّه نوعا من هاجس المؤامرة الذي شاع في العقلية المشرقية، لكنه في الأساس استقراء واع وحركة راصدة للحضارة الإنسانية وقيمها وعقبات رقيها وازدهارها وما يتوقع أن تؤول إليه.

القرآن ودوره في دقة المصطلحات:

والقرآن الكريم هو الذي ينبهنا لهذه الحقيقة، فلم يرتضِ لطلابه التغافل عن ضبط المصطلحات والمفاهيم وما تحويه الكلمة من معنى وبيان حتى الإشارة ولحن القول كعناصر مجتمعة تشكل منظومة اللغة، وكلها لها حساباتها الدلالية الممتنعة عن الاختراق والتحوير، وسيتبين لنا من خلال النص القرآني الفرز الدلالي وما يستتبعه من فرز مفاهيمي عند الوقوف مع القرآن في ثلاّثة مواضع جلية وهي كالتالي:

1- قال تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)(آل عمران:169) فالميت العادي مات وفارق الحياة، والقتيل في سبيل الله قد فارق الحياة أيضا في الظاهر حسب أبعاد الإنسان العادي، ونحن نعلم أن بين الشخصين فرقا كبيرا في نوعية الحياة والعطاء والهدف فلابد لكل منهما مصطلحه الخاص به.

وقد أكّد القرآن هذا الفرز بين حقيقة انتهاء حياة الفرد نتيجة للموت وبين حقيقة انتهاء حياته نتيجة للقتل في سبيل الله في أكثر من موضع، منه قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)(آل عمران:144) وكذا قوله: (وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ)(آل عمران:158) فالمقتول حقيقته غير الميت، ولو كانت الحقيقتان واحدة لما عبر عنهما بالترديد (قتلتم أو متّم).

2- وكذلك قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا)(البقرة: الآية104) فلماذا وضع القرآن حدا فاصلا بين الكلمتين (راعنا ـ انظرنا)؟ وضع حدا فاصلا ليؤسس قاعدة تحديد المصطلحات وضبطها وعدم التهاون في تداخلها أو الاستخدام العشوائي لها، لأن ذلك يستتبع تشويها وتشويشا للفكر جراء عدم فرز المصطلحات، أو تصالح القوم على دلالة لفظ بالاعتباط والاستعمال فقط بلا دلالة ذاتية، والفصل هنا بين الكلمتين لأن كل كلمة من الكلمتين (راعنا_ وانظرنا) تحمل كل واحدة مفهوما دقيقا يختلف عن الآخر، فالأولى (راعنا) تعبر عن حالة الشعور بالضعف والهوان وعدم القدرة وعدم التحمل وبالتالي طلبوا مراعاة حالتهم، فهم بهذا التعبير يقرون بالعجز وأن عملهم وإنجازهم لا يرقى لحالة الرضا ولا يقترب من ساحة الإتقان وبالتالي يقدمون المعاذير لئلا يؤاخذوا على التقصير ويطلبون مراعاة حالتهم.

في حين أن الآية تشخص حالتهم على عكس ما يشعرون به، أو أنها تريد لهم أن يستشعروا خلاف الحالة السلبية التي تنتابهم، وتريد لهم أن يقروا إلى ما يملكون من الإمكانات الهائلة بما يتشخص من علم الله تعالى بهم وتكليفهم بهذه المهمة، وهو عينه منهج تربوي قرآني عظيم يشجع القدرات ويخلقها، ويبعد الإنسان عن الشعور بالعجز وعدم القدرة، وبالتالي لابد من النهي الصريح القرآني وتطليق حالة الشعور بالعجز التي تم التعبير عنها (راعنا) ولابد حينئذ من طرح البديل المصطلحي للحالة الصحيحة المفترضة تحت نداء “انظرنا” أي دعنا نعمل ونجرب ونستفيد من تجربتنا وأنت أيها الإداري المسئول راقب عملنا وانتظرنا حتى نؤديه ونتقنه، فنحن قادرون على إنجازه بعونه تعالى وما عليك إلا انتظارنا لنأخذ الوقت الكافي لإنجاز المهمة، وشتان بين المصطلحين، فمثلا المراعاة في تسديد الدين تعني تخفيفه فهو إقرار بالضعف الدائم، أما النظرة في تسديد الدين فهي الإمهال وهو إقرار بالقوة الدائمة وطروء الضعف العارض والأمل بزواله. وشتان بين الشعورين!، وما دام المفهومان والحالتان مختلفتين فبالضرورة لابد من فرز المصطلحين وإلا تشتتت طريقة التفكير نظرا لاختلال اللغة وعدم توظيفها توظيفا واعيا.

3- وآية ثالثة تؤسس ضبط المصطلحات وأهمية التوظيف الواعي للغة التي نفكر بها قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا)(البقرة: من الآية275) وهنا نقف أمام حالة التدليس والتحريف، فقد اعتبر المرابون المتنفعون الذين ينطلقون من حالة استغلال الطرف الآخر واضطراره، اعتبروا الربا هو الأصل والقاعدة المتسالم عليها في التعاملات التجارية، ثم ادّعوا بأن البيع يساوي الربا ولا يختلف عنه أو هو مثله ويشبهه فكلاهما يجلبان المنفعة لطرف من آخر ولكن هذا بالسلعة وهذا بالنقد الآجل، لكن القرآن صريح في الفرز وهو الذي يريدنا أن نستشعر الخطورة على الفكر متى ما تشوشت اللغة ولم تراع الدقة في استعمال أي مصطلح فيما يعنيه ويختص به. فقد أبان وأوضح أن التعامل الربوي المعبر عنه بمصطلح “الربا” هو حرام، أما البيع فهو الجائز، ولا يمكن أن يقال بحسب اللغة القرآنية أن البيع والربا واحد ما دام كل مصطلح يحمل حقيقة تغاير الآخر.

  1. إن هذا القول مبني على نظرية الاشتراك اللفظي، بمعنى أن اللفظة المفردة لها عدة معان مذكورة في المعاجم اللغوية ويتم تحديد معناها من سياق الاستعمال، وكذا القول بنظرية الترادف، لكن القول الأرجح هو نظرية عدم الترادف وخصوصا في ألفاظ القرآن الكريم، وتشير أبحاث لغوية أن القرآن الكريم نزل حسب اللهجات العربية الفصحى ومؤداه بأن كل لفظة في القرآن لها معناها الخاص بحسب اللهجة العربية التي استعملت اللفظة مطابقة لها.
  2. د.علي توفيق الحمد، المصطلح العربي مقالة في (الانترنت).
  3. المصدر السابق.
  4. حسين درويش العادلي، حرب المصطلحات، ص 10 (بتصرف).

استجابات