النميمة والعبودية الذهنية

محال أن يتحرّر بدن يحمل عقلا عبداً

ثمّة صراع قائم بين الخير والشرّ منذ الأزل؛ بين مشروع الله ومشروع الشيطان. الله يضع لنا قواعد الخير والسلام، والشيطان يعمل بنقيض ذلك تمامًا، فيوسوس، ويستفز، ويُحرّض، ويُضل بشتى الطرق ليفي بقسمه «لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ» ويُفسد صنيع الله للإنسانية في دعواته المتكرّرة للهداية والصلاح والاستقامة، فنستجيب لوسوسة الشيطان، وتنطلي علينا خدعه، ونُستغفل من قبله فنتقاتل كإخوة في الدين والإنسانية بتحريض منه وبدعوى (إعلاء كلمة الله) أو (الحميّة للدين والمذهب)! ونحارب الأنبياء والمصلحين في قيمهم ومبادئهم بتزيين منه وبحجة أننا «نمارس حريتنا»، ونتبنى إلقاءاته الشيطانية وندافع عنها كجزء من عقائدنا، وننسى أنّ الله أمرنا أن نتخذه عدوًّا لنتحرّر من سلطانه وننجو بإنسانيتنا {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6].

يقول البروفسور كاتاسونوف في كتابه (من العبودية إلى العبودية): “إنّ العبودية مفهوم متعدّد الأبعاد، وتعريف العبودية التقليدي هو “امتلاك الإنسان”، أما البعد الآخر فهو العبودية الاجتماعية-الاقتصادية، وهي أن يستخدم شخصٌ شخصًا آخر ويستولي على ناتج عمله، والبعد الثالث هو مفهوم العبودية الأكثر عمقا وخفاء، وهي العبودية الروحية والفكرية، وهي عادات بشرية ما، أو قيمٌ مادية معينة، يتم فرضها على الناس من خلال الهيمنة الإعلامية والتأثير الدعائي النفسي”.

ما يعنينا هنا هو البعد الثالث من العبودية؛ ” العبودية الذهنية”، وهي نتاج سلوك لا أخلاقي يُمارَس بصورة واسعة، على جميع الأصعدة، بأدوات وآليات مختلفة، له آثار سلبية وخيمة على مستوى المعتقد والسلوك الفردي، وعلى مستوى العلاقات البينية. هذا الخلق السيء نعرّفه في ثقافتنا الدينية باسم “النميمة”، ونراه في أفعال وأقوال وسلوكيات مختلف فئات المجتمع بعناوين وصور متنوعة، ولكن قد يصعب علينا تمييزه لأنه يتلبّس بالخير، أو قد يختلط مع الحق، ومن هنا جاء التلازم بين “النميمة” و”العبودية الذهنية”، لأن النمّام عادةً يستعبد عقل سامعه بعد أن يمارس عليه نوعًا من التضليل والخداع فينقاد إليه بإرادته ثم يصبح أحد أدواته.

التعريف الدارج لمفردة “النميمة” هو: “نقل كلام من إنسان إلى إنسان، وتحريفه، فيخرِّب العلاقات بين الأفراد والجماعات”، وبحسب النطاق الواسع الذي تُمارس فيه النميمة اليوم بأساليبها المختلفة، يمكننا تعريفها بأنها: “تسريب معلومات فاسدةٍ ومضلّلة إلى العقل بطريقةٍ خفيةٍ للسيطرة على الوعي، وغرضُها استعبادُ ذهن المستهدف”. فالنمّام يعرض مراده على مستهدفه بصورة مواربة، ويتصرّف بخبث فلا يكشف عن فساد فكرته، ولا يعبّر عن الجانب القبيح منها بطريقة فجّة، وإنما يدسّها بطرق ملتوية بحيث لا يُشعِر بحقيقة نواياه ليضمن خضوعه واستسلامه لما يقوده إليه، فيدس السمّ في العسل، بمعنى أنه يزيّن للمرء العمل ويضع له مبرّرات مقبولة بالنسبة له، باستخدام عبارات ظاهرها خير ونصح وباطنها إضلال وغواية.

قبل أن نفصّل في مجالات استخدام النميمة على مستوى وسائل الإعلام، وبالأخص وسائل التواصل الاجتماعي – التي باتت بيئة خصبة لممارسة هذا الذنب الأخلاقي – سنستعرض حادثتين ذُكرتا في القرآن الكريم كانت (النميمة) هي الوسيلة التي استخدمت للإيقاع بمن تعرّض واستجاب لها:

النميمة فخ الشيطان لارتكاب آدم المعصية

(وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) (البقرة:35)، أُسكن آدم وزوجه الجنة وحُذِّرا مقاربة الشجرة المحرّمة، لكن الشيطان شككهما في حرمة هذا الحرام ليُوقعهما في المخالفة، فاستدرجهما بوسوسته: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ)، ثم بقوله الصريح المُشكّك في مصداقيّة الأمر (قَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) فدسّ تضليله في لباس إسداء النصيحة وتقديم المعلومة المفيدة (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ)، فجعلهما يُخالفان النهي الإلهي دون أن يشعرا بأنهما يعصيان الله، حدث ذلك لأنه قدّم عرضه بمكر وخفاء وتلبيس فاستغفل عقلهما فاستسلما له. هذا مثال على قوّة سطوة الاستعباد الذهني التي يمارسها كلّ شيطان على الآدمي ليسوقه للعمل ضدّ إنسانيته وضد برنامج خالقه الذي فيه كرامته!

حديث الإفك نميمة مجتمعية في حقّ زوجة النبي محمد (ص):

أثناء عودة الرسول (ص) إلى المدينة من إحدى غزواته، نزلت عائشة عن هودجها لبعض شأنها، وإلى أن عادت القافلة لم يشعر أحد بتخلّفها، حتى وجدها صفوان بن المعطل فأوصلها بأمانةٍ إلى منزلها، إلاّ أنَّ بعض المنافقين المترصّدين للرسالة، وجدوها فرصةً للنيل من النبي (ص)، فاختلقوا إفكا طعنوا به شرف عائشة، فتأذّى قلب النبي (ص)، وتأخّر الوحي شهرًا لم ينزل بشأن الحادثة شيء.

كان ذلك امتحانًا لأفراد المجتمع، ليكونوا على وعيًّ بالتصرّف الصائب تلمّحًا في عواقب الأمور، وحسن الظنّ في بيت نبيّهم (ص)، وعدم تصديق الظنون السيئة التي يقوم بها النمّام حيث يأتي بحقائق الواقعة داسّاً فيها بخُفْية تلميحاته الدنيئة وأغراضه الفاسدة، ليتحرّوا فيما يتمّ نقله ويمحصّوا النوايا، ويتحلّوا باليقظة لأضرار الاستماع لشائعات النمّام، ولمآلات ذلك من إفساد المجتمع وتهييجه وانفصام عُرى الثقة في شرفاء أفراده، خصوصًا وأنّ المجتمع المؤمن كان فتيًّا، وكان يعمل على تثبيت المفاهيم والعقائد والقيم في المدينة المنورة ومنها إلى أرجاء الجزيرة العربية، بينما يحيك لها الأعداء في الداخل والخارج، فقد عمدوا إلى الاستعانة بالنميمة لدسّ الإفك تقويضًا لمقام صاحب الرسالة ومصداقيّته بالطعن في شرف أهله. وهنا يدافع الله عن أهله فيُنزلُ الوحيَ على نبيّه (ص) كاشفًا خطّة الإفساد والتفتيت، متوعّدًا ومحمّلاً الأفراد الذين لاكوا بألسنتهم هذه النميمة مسئوليّة أوزارهم (إنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النور: 11)

النميمة وأدواتها العصرية

تعدّ وسائل الإعلام أحد أقوى قنوات تسريب المعلومات الفاسدة بخفاء لتستولي على العقول، أي ممارسة (النميمة) ونشرها وتطبيعها من خلال منافذها المختلفة كالمسلسلات التلفزيونية، الأفلام السينمائية، أفلام الكارتون وغيرها، ونخصّ بالذكر منها وسائل التواصل الاجتماعي واسعة الانتشار، المعولَمة والمهيمِنة اليوم على مساحة كبيرة من حياة الكبار والشباب والصغار، لأنها تُسرّب بذكاء ومكر ما تريد أن تبثّه من أفكار، نظريات، آراء وعقائد، معلومات، أخبار وغيرها، فتستهدف العقل باستغفاله والعاطفة بتأجيجها أو دغدغتها، فتساهم في تشكيل نمط تفكير معوجّ ومشوّه، وتؤسس لقناعات غريبة لدى شريحة كبيرة من المجتمع، تكون مستعدة لتضحّي بقيمها ودينها وعقائدها بل وأهلها من أجلها.

بالعودة إلى التعريف السابق للنميمة: “تسريب معلومات فاسدةٍ ومضللةٍ إلى العقل بطريقةٍ خفيةٍ للسيطرة على الوعي، وغرضُها استعبادُ ذهن المستهدف”، سنجد أن عملاء الشيطان تفنّنوا في تسريب المعلومات الفاسدة إلى عقولنا للعبث بعقائدنا، وزلزلة قواعد إيماننا، وتشكيكنا في أُسّ قيمنا وثباتها، ولكن بطريقة خفية جدًا، وبالاستعانة بنتائج الدراسات العلمية والتجريبية حول آليّات الاستحواذ على العقول والسيطرة عليها دون أن نشعر، بل وإشعارنا بأننا فخورون لظنّنا أننا امتلكنا ناصية أمورنا، واسترجعنا حرّيتنا المسلوبة! وكسرنا أغلال الدين والأخلاق والتربية! والحال إنّ أفكارنا وأرواحنا مستعبدة من قبلهم، وسلوكنا منقاد لما أُملي علينا! وبتنا دُمًى ترقّصنا أصابعهم الخفيّة.

الموضوع شائك، وأمثلته كثيرة ومعقدة، لا يتّسع المجال لتفصيلها وتحليلها، وخاصة أن أهم المفاهيم الأخلاقية والقيم الحياتية وقعت تحت طائلة “النميمة العصرية”، كمفهوم الحبّ، الحرّية، الجمال، الدين، الشك، اليقين، الخير، الشرّ وغيرها، فاستخدموا مثلا العبارات المأثورة، والتي غالبًا تُنسب لمفكرين وفلاسفة مشهورين، وتصاغ في عبارات محكمة وقصيرة قابلة للحفظ والتداول، إلى جانب أنها تحمل رسائل خفية تتسلل إلى لاوعي المستهدف فتبرمجه وتساهم في تبنّيه للفكرة واستسلامه لها بلا تمحيص أو مناقشة، ودون عرضها على نظام معتقده للحذر مما قد تستبطنه من معانٍ مناقضة لمبادئه وقيمه وتعاليم ربّه.

فعلى سبيل المثال، أحد مقولات الحرية التي يتغنى بها البعض وأسست معنى للحرية نقيض الحرية الحقيقية تمامًا هي: “ما دمت لا تُؤذي أحدًا، افعل ما تريد”! من عبارة “ما دمت لا تؤذي أحدًا” يتسلّل الفساد إلى الذهن فيشلّه عن التفكير، ويمهّد لتقبّل تتمة العبارة بلا وعي ولا تمحيص، ليتحقق مراد (النّمام) “افعل ما تريد”! ويتزين الانفلات فيصبح هو (الحريّة). وفي مقولة أخرى أكثر صراحة: “حريتي أن أكون لا كما يريدون لي أن أكون”، لتصبح الحرية هي التمرّد لأجل التمرّد، فلو أراد الوالدان مثلا، أو المجتمع، أو الله ممثّلا في تعاليم صحيح دينه، لو أرادوا أن أكون إنسانًا صالحًا، فالحرية بهذا المفهوم تحتّم عليّ أن أكون عكس ذلك؛ ترويجًا للتحلّل من كل القيود الأخلاقية باسم الحرية.

هذا بحر من قطرة ما (تنمّ) عنه عبارتان فقط في مفهوم واحد، فكيف بها إذا تضاعفت، وانتشرت، وبُثّت بأساليب وأدوات مختلفة، وأصبحت فلسفة حياة أو نظرة كونية نترجم بها الأحداث من حولنا، ونحكم عليها من خلالها؟ وكيف يمكن أن يصدّق – من عرف الحرية بهذه المعاني وتشرّب بها – أنّ الحرية الحقيقية نقيض كل ما قيل، وإنها رديف “للعبودية لله” التي تعني التحرّر من كل العبوديّات الحاطّة بكرامة الإنسان والمحجّمة لشريف قدره؟!

هل تقف النميمة عند هذا الحدّ، أو أنها تُمارَس على المستوى الفردي وبشكل يومي؟

بما أن النميمة تعتمد أساسًا على (الوسوسة) و(التضليل) بصورة خفية، فقد لا تحتاج في بعض الأحيان إلى أكثر من كلمة لتستولي على عقل السامع وتخترق لاوعيه وتوجّه سلوكه، فمثلا، هناك من يتصرّف في العمل بهويتين مختلفتين، أو لنقل إنه (ينافق)، فيأتي مَن ينصحه بأنّ هذا السلوك منهي عنه لخطورته، فينبري آخر ليشكّك في النصيحة ويهوِّن من شأن الخطأ بعبارة غير مسئولة، أو بكلمة تصف هذا الفعل بأنه “كياسة” و”شطارة”! فيفرح المستهدَف ويبتلع طعم النّمام ويواصل في سلوكه المشين.. وهكذا مع الكثير من السلوكيات الخاطئة، كالسخرية، الغيبة، الهمز، اللمز، الحسد، وغيرها.

فالنمّام إذن قد يكون وسيلة إعلامية، فيديو، وسيلة تواصل اجتماعي، أو قد يتمثّل لنا بصورة أخ قريب، أو صديق، أو عبارة مأثورة، أو كلمة شاردة، أو غيرها، فعندما لا تكون الأمور واضحة بالنسبة لنا، وأحللنا قناعاتنا مكان عقائدنا، نكون قد ساهمنا في تسليم عقولنا ليُتحكّم بها عن بُعد من قبل غرباء وثقنا فيهم بجهل، أو أصدقاء لم نمحّص أفكارهم، أو تركنا ثغرات عقائدية ولم نسدّها بالعلم والمعرفة، فسنجد أن هناك دائمًا من يتحيّن الفرص ليشكك في مقالة الله لنا لنستسلم لوسوسته.

فأيّ فرد منّا ــ ومهما دفعه الفضول للتعرف على أكبر مساحة من المعلومات عن الأشخاص والمواقف، أو كان بدافع تحصين حزبه أو طائفته ومذهبه من أعداء متوهّمين، إذا أجاز لنفسه أن يستمع إلى أصوات النميمة ودلالاتها ويستجيب لها؛ فهو شريك للنّمام باختياره ليتآمر معه على عقله ضد أشخاص آخرين، فهو إن لم يتأثر من الدفقات الأولى فإنّ تتابع الضربات والمعلومات تترك آثارها حتما ولو بعد حين، وقد لا يعي أنه مسلوب العقل والإرادة إلا بعد فوات الأوان.

ختامًا، النميمة المدروسة والمخطط لها تُبقي الذوات المستهدفة السامعة للنميمة في غفلة ذهنيّة تمنع المرء من الانفتاح، ولا تسمح له من تحرير تفكيره بسبب تواصل موجات المعلومات المضللة عن الأطراف المُنمّ عنها في شخوصها أو برامجها ومواقفها وتوجهاتها. فتسيطر النميمة على وعي المرء المستهدف لتضليله بحيث لا يفطن إلا إلى نصف ما يحدث له، والنصف الآخر يعمل ضدّه تماما، وفي هذه الحالة يكون الفرد في شبه غفلة دون أن يعيِ بغفلته لأنه لا يرى تصرّفه مشلولا في الظاهر. مع أنّه محروم من تشخيص الواقع، أو إدراك الحقيقة واتّباعها وفرزها عما علق فيها مِن وهْم.

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *